العنوان الظلم ظلمات ولكن!!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 02-سبتمبر-2006
مشاهدات 63
نشر في العدد 1717
نشر في الصفحة 37
السبت 02-سبتمبر-2006
الظلم ظلمات في القلوب والنفوس المجتمعات، يقضي على الأخضر واليابس في الأمم والشعوب المصابة بهذا الظلم، يقضي على الطاقات الفاعلة، وعلى الجهود الخيرة، وعلى الآمال العظيمة والأحلام الكبيرة، وعلى الأعمال السديدة، كما يقضي أول ما يقضي على العدالة والقانون والأمان، ويورث الخوف والبغي والبهتان، يقضي على الضمير والشرف الإحسان، ويؤسس لخراب الذمم والفساد والخذلان، يقضي على الحرية والنصح الإرشاد ويعمق الجبن والنفاق والفتن، ويؤسس الخسف والاضطهاد والمحن، ويذهب الحمية والأنفة والسكن.
هذا، وقد يتساءل الكثيرون عن انخساف أمتنا، وذهاب ريحها وتفرقها وسفاهتها، وقد وجدت المنحدر سهلًا فانحدرت فكلت بصائرها، وسقمت ضمائرها، ومرضت أهواؤها، وغلظت كبادها، وقست قلوبها، وجفت فضائلها. وما كان ذلك إلا من كثرة الظلم والظلمات متى ألقيت على الشعوب، ولو صبت على الجبال لاندكت وعلى الوديان لانخسفت، وإذا أردنا أن نتبع الكلام البيان والحديث العيان لنأخذ مثالًا واحدًا من ظلم استمر أكثر من نصف قرن من الزمان على جماعة أرادت النهوض بالأمة والرجعة بها إلى عهدها الزاهر لقيادتها إلى مستقبلها الباهر، فصب عليها العذاب صبًا، وعلق مصلحوها على أعواد المشانق وقتل زعيمها على قارعة الطريق، و مازال الظلم مستمرًا بدون إشعار آخر.
يقول الأستاذ شوكت التوني المحامي عن التهم التي وجهت للإخوان ظلمًا ونالوا منها ما نالوا لا لذنب جنوه، أو جرم اقترفوه:
«هذه التهم كيف جاءت وما مدى صحتها ؟! لكي يقتنع عاقل أو نصف عاقل بصدور هذا التفكير من عقول المتهمين، يجب أن تتوازى مقدار هذه التهم مع المعدات والأسلحة التي سيقت للتنفيذ، وقد قلنا سابقًا في قضية «حسين توفيق»: إن الفقهاء الأجانب قد ضربوا مثلًا واحدًا لمحاولة قلب نظام الحكم، وهو خروج مجموعة من الجيش مسلحة وموجودة في الطريق العام.. ويقول جارو الفقيه الفرنسي: حذار..!! فقد تكون خرجت لتقدم ملتمسًا للجهات الحكومية العليا». أما هؤلاء المتهمون فلم يضبط معهم غير سبعين زجاجة كوكاكولا اشتريت بمائة قرش وقيل إنها كانت ستستعمل كقنابل مولوتوف، وليكن.. ولنفرض صحة ذلك فهل الحكومة القائمة كانت من الهوان هي والجيش المصري الذي أطلق عليه وقتنذ وصف «أكبر قوة ضاربة في الشرق» إلى حد أن تحارب الحكومة والجيش بسبعين زجاجة مولوتوف؟ وأقسم بالله غير آثم ولا حانث ولا هازل: لو أن هذه القضية في أي بلد ربع متمدن لخجل النائب العام من تقديمها للمحكمة!! ولكن المدعي العسكري العام قدمها ونظرتها محكمة الدجوي، وقضت فيها بالإعدام والأشغال الشاقة المؤبدة. وهذه مقتطفات من مرافعة الأستاذ شوكت التوني لا تحتاج إلى تعليق..
شوكت التوني: إن قلب النظام جريمة مستحيلة لأن سلاح الانقلاب هو بضع زجاجات كوكاكولا فارغة، أو حتى زجاجات مولوتوف، فهل هذا النظام من الهوان أن تقلبه زجاجات فارغة أو مليئة؟!! إن قالوا نعم سلمت لكم المتهمين جميعًا لتشنقوهم، وذلك بشرط أن يقولوا لي أيضًا: ما هذا الجيش الجرار العرمرم المزود بالدبابات والطائرات التي تهدر كصوت القدر وصواريخ القاهر والظافر ؟
أما قتل رئيس الجمهورية فإنه كقتل أي فرد في أي قرية من قرى مصر.
فهاج الدجوي وأرغى وأزبد وقال مستنكرًا: قتل رئيس الجمهورية زي قتل أي واحد!!
وأجبته: بالضبط، فإن رئيس الجمهورية فرد عادي، يكون اليوم رئيسًا، وغدًا شخصًا عاديًا، والقانون ها هو في يدي خال من أي تغليظ للعقوبة جزاء لقتل رئيس الجمهورية.
وفي ختام مرافعته قال الأستاذ شوكت التوني : السيد الرئيس.. السادة الأعضاء، إنني أدفع في ختام مرافعتي كما بدأتها ببطلان إجراءات القبض والتحقيق والمحاكمة، وإنني آسف أن أقرر أنني أعلم علم اليقين مصير هذا الدفع أمام الهيئة التي تنظر الدعوى.
الدجوي: يعني إيه ؟!
شوكت التوني: المعنى هو ما تعبر عنه الكلمات والألفاظ والعبارات، وأنا أوجه هذا الدفع إلى التاريخ مهما بعد زمانه، وغاب عن عمرنا أوانه.
أولًا: إن القبض قد تم بيد الشرطة العسكرية والمخابرات العامة، وإنني أقرر أنهما لا تمثلان السلطة الشرعية للتحري وجمع الاستدلالات ومن باب أولى القبض. وقد تكون هاتان السلطتان ذواتي عمل في الدولة، ولكنه يقينًا عمل بعيد كل البعد عن التحقيق والقبض. إذن ما تم من تحر وتحقيق وقبض في هذه القضية باطل.
ثانيًا: التحقيق الذي قامت به النيابة العمومية باطل، لأنه جرى في مقر المخابرات أو السجن الحربي ، وإجراؤه في هذين المكانين مضيع لحرية المتهم في الدفاع عن نفسه ومؤيد في نفوسهم للخوف من التعذيب الذي وقع عليهم، وإنني أوجه مع الدفع بالبطلان اللوم إلى رجال النيابة، فلئن كانت النيابة العمومية أمينة الدعوى العمومية، فما أحسب أنها كانت كذلك في هذه القضية.
ثالثًا: الإقرارات التي قلت إنها أكفان المتهمين يرسلون مكتفين بها من المخابرات والشرطة العسكرية، ويبدأ وكيل النيابة العمومية تحقيقه فيثبت نصفها وهي إقرارات استلبت من كاتبها بعذاب أيام وليال، فهي باطلة ومبطلة لكل كلمة في هذه القضية. وعن هذه النقطة بالذات يقول الأستاذ شوكت التوني: وقد كنت عثرت في أوراق التحقيق على واقعة تعذيب أثبتها السيد وكيل النيابة العمومية كالآتي:
س: لقد قررت في إقرارك كذا وكذا..
ج: لقد وقع علي تعذيب شديد، فقد اقتلعوا أظافر يدي بالقوة حتى أغمي علي أكثر من مرة، واضطررت تحت وطأة الألم الذي لا يطاق من شد الأظافر أن أكتب الإقرار وأوقع عليه.. وأثبت وكيل النيابة النزيه الجريء ما يأتي:
ملحوظة: عرض علينا المتهم أصابعه فوجدنا بالفعل أظافر أصابعه كلها منزوعة إلى آخرها، تمت الملحوظة.. «لا لم تنته الملحوظة، ولن تتم يا سيدي النائب إن الدفاع يحييك، وسيحييك التاريخ معي».
هذا، وما زالت القضايا الملفقة تلصق بالأبرياء ليلًا ونهارًا، الشباب منهم والشيوخ بدون حياء ولا ضمير، وما اعتقال الأستاذ لاشين أبوشنب الذي بلغ الثمانين ورفاقه إلا فضيحة أخلاقية، ولكن ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: 227).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل