; العالم العربي في ظل التغيرات الدولية | مجلة المجتمع

العنوان العالم العربي في ظل التغيرات الدولية

الكاتب عبيد الأمين

تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-1990

مشاهدات 62

نشر في العدد 949

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 09-يناير-1990

  • انسحاب السوفييت عن دائرة الفعل الدولي تفتح شهية الغرب لبسط الهيمنة على مصائر الشعوب والأمم.
  • تعامل القوى الكبرى مــع أحداث بنما رومانيا الأخيرة كشف عن نوعية الوفاق في توزيع الأدوار في عالم الغد الأمريكي.
  • الغرب حشد قواه وجواسيسه لمعارك فاصلة مع الحضارة الإسلامية بعد فراغه من تركيع الكتلة الاشتراكية.
  • الأمة العربية الإسلامية يرى فيها الغرب ما لا تعلمه هي عن نفسها ويقدر خطورة تمايزها الحضاري دون إدراك منها.
  • الأمة العربية.. تراث حضاري عظيم وعقيدة سامية وامكانيات مادية هائلة.. كلها تنتظر لحظة الاستجابة للتحديات.

على أبواب العقد الجديد من نهاية القرن العشرين جاءت أحداث التغيير الكبرى في أوروبا الشرقية فشغلت الإعلام والناس وملأت الدنيا.. وفي غضون ذلك تم لقاء العملاقين في مالطا وبدأت بوادر صياغة جديدة للعلاقات الدولية، وتلوح من جانب آخر في الأفق مشاريع توحد وتحالفات قادمة في أوروبا الغربية فضلًا عن التوجه السوفياتي نحو إشكاليات الذات والدخول في عزلة «مجيدة» والتنازل من ثم كلية أو جزئيًا عن دوره التوازني في السياسة الدولية.. كل هذا ومنطقتنا العربية والإسلامية مازالت قانعة بمقعدها «التقليدي» في جانب النظارة «المتفرجين» بالرغم من أن عالم اليوم لم يعد يقبل تلك «المهمة» والأحداث هي الأخرى لم تعد جزرًا معزولة تعمل الحواجز الطبيعية على تجزئة تفاعلاتها.. فالعالم -كما يقولون- أضحى بفضل ثورة الاتصالات متقارب الأركان فضلًا عن الرابطة الاقتصادية «الدولارية» التي جعلت مساعي الشعوب تسير في دوائر متوازية وفقا لنظرية المركز والمحيط التي يهيمن بموجبها مركز الاحتكارات الإنتاجية الكبرى على دول «التلقي» الاستهلاكية.

وإن كانت أحداث أوروبا الشرقية قد خطفت الأبصار والعقول معًا لتتابعها وسرعة إيقاع الحركة في تطوراتها فإن أحداثًا أخرى أخطر تأثيرًا قد أظلت العالم وتركت بصمات واضحة على مجريات أوضاعه.. فبجانب النمو الاقتصادي والتكنولوجي الهائل الذي حققته اليابان وبروز التفرد الأمريكي في بسط الهيمنة السياسية على الدنيا تأتي الاستدارات السوفياتية والتي شكلت المبرر الأساسي في ظهور الانفجارات في أوروبا الشرقية.. وهي أحداث لن تقف إفرازاتها في حدود الأزمنة والأمكنة الراهنة وإنما تبدو إمكانية التمدد فيها أكبر من مجرد التصور.. وهذا بالطبع يقتضي قولبة أوضاعنا حتى لا «نستحوذ» على الحصان الخاسر في رهان البقاء وتحقيق الذات الحضارية.. فالأوضاع العالمية مقبلة على صياغة جديدة والقوة هي المرشح الوحيد لانتقاء الفائزين بإجراء الصياغة.. ونحن بإمكانياتنا الاقتصادية «النفط والأرض والإنسان» وارث القيم الحضارية «الإسلام والدور الحضاري» والموقع الاستراتيجي الجغرافي «الممرات المائية الدولية - قلب العالم القديم» كل ذلك يرشحنا لأن نلعب دورًا فاعلًا في الأحداث الكونية غير أن شروخًا بنيوية حالت دون ذلك ربما يأتي في مقدمتها واقع التجزئة والخلافات العربية -العربية وتفويت فرص التكامل بين الإمكانيات.. ولهذا بقي النفط نفطًا للتصدير، والأرض بورًا والإنسان معطلًا فلم تقم تكنولوجيا رفيعة وصناعات متقدمة في مصر ولا حققنا الأمن الغذائي في السودان كما أننا لم نشيّد أي تقنية نفطية وعلمية متقدمة في الخليج.. وتبقى الأسباب والنتائج تشكل دائرة مفرغة تتواصل أطرافها في تبادلية جامدة.

المتغيرات الدولية

المعطى الرئيسي في الأحداث الدولية للسنوات الأخيرة هو نوعية التوجه الذي طرأ على السياسة السوفياتية محليًا ودوليًا.. فقد أنهت «الغورباتشوفية» كل التشبثات المتعلقة بمخلفات نظرية الصراع الطبقي «سوفياتيًا» والصراع الأممي «دوليًا» وهو موقف حاول أن «يوضحه» من قبل خورتشوف غير أن الحرس القديم كان أقوى منه كما أن الظروف القائمة آنذاك محليًا «سوفياتيا» ودوليًا كانت لا تشكل مبررًا كافيًا في أحداث التغيير واكتفى السوفيات حينها بالتعديل من الثورة الدائمة إلى فكرة التعايش السلمي غير المتغير «الغورباتشوفي» السوفياتي الجديد قلص الحضور الأممي خارج نطاق وارسو أولًا فلم تعد رابطة الأممية الدولية ملزمة للاتحاد السوفياتي لمد يد العون للاشتراكيات الناشئة في أصقاع الأرض كما لم يعد نشر الفكرة الماركسية أحد بنود الموازنة السوفياتية.. وانتهى التقلص إلى استدارة كاملة نحو الذات والانسحاب من المشاركة في التطورات الدولية وانفتح بذلك باب التسرب من الجدار الحديدي وبدأت أنابيب الاختبار تنتشر في سماء الحلف حتى وصلت إلى لتوانيا التي رأت «الخير» في الانفصال عن الدولة الأم وبدأت تنشئ علمًا وسلامًا جمهوريًا منفصلًا.. وتبدو نوعية المتغيرات في أحداث رومانيا حيث صرحت قيادة الكرملين بنوايا التدخل لصالح الشعب الروماني ضد «الطاغية» شاوشيسكو «الشيوعي الأصولي» وباركت إدارة البيت الأبيض تلك النوايا السوفياتية ودعت لها بالتوفيق.. هذا في الوقت الذي احتج فيه الروس على تدخل القوات الأمريكية في بنما..

ومن هنا يتضح أن الإعلان عن طي صفحة حلف وارسو بكل مدلولاته السابقة كان محل اتفاق الروس والأمريكان.. وهي نقط تحسب في التنازلات السوفياتية.. وفي إطار التنازلات مازال الاتحاد السوفياتي هو الأكثر سخاءً حتى الآن بل إن المقابل الأمريكي يكاد ينعدم بجانب تنازلات السوفيات التي وصلت إلى درجة التخلي عن دورها الدولي والإقليمي «الانسحاب عن أوروبا الشرقية» بالإضافة إلى الموافقة على تهجير ٣٠٠ ألف يهودي سوفياتي إلى الكيان الصهيوني، وإذا علمنا بأن اليهود السوفيات على درجة كبيرة من إتقان التقنية وفنون العصر ندرك حجم التنازل في هذا الجانب.. وكل هذا لا يقابله في الأمريكي الأمريكي غير مناشدة أطلقها غورباتشوف مطالبًا فيها بحل حلف الأطلسي الذي ظل وحيدًا بلا طرف مناقض..

إفرازات

إن ملف الأحداث الأوروبية يحمل مؤشرات تفضي في تطوراتها اللاحقة إلى كتلة جديدة تشمل دولًا متناثرة في توجهاتها وإن كانت قد عاشت ردحًا من الزمان في منظومة واحدة وتحت ظروف متماثلة تقريبًا وهذا بالطبع لا يعني أنها سوف تبقى في عقد منظومتها السابقة بعد انفراط فصوصها.. ويبقى نهج التعامل مع تلك الكتلة «الشتات» وطرق استقطابها همًّا أوروبيًا خالصًا.. فالغرب قطعًا لن يتنازل عن انتصاره المبدئي على الكتلة الشيوعية «المنافسة» سابقًا والمتصدعة حاليًا ولن يقف منها موقف المتفرج كما فعل مع الانفتاح الصيني في مطلع الثمانينات والذي انتهى إلى انغلاق متصلب.. وحتى لا تبقى نوازع العودة لعهد أوروبا في الاشتراكية المندثر فلابد أن يرتبط واقع ومستقبل تلك الدول بالنهج الرأسمالي الغربي وحتى يتحقق هذا الهدف فلا مناص من ضخ الدولار على طريقة «مارشال» جديد يسهل «تسليك» الثقافة والمفاهيم الغربية ونماذج الحياة الاستهلاكية مع «أرقام» الدولار المبذولة.

وبهذا ربما يحكم الغرب قبضته على الجزء المتصدع من أوروبا ولكن ما بال الاتحاد السوفياتي وهل تبقى الحال على ما هي عليه وسط المتغيرات الإقليمية.. وهل شهوة التسلط والهيمنة الغربية تقف «مكتوفة» ترعى العهد والوعد فلا تثير مشكلة الأقليات والدويلات القابعة في «كرش» الدب السوفياتي.. ربما اتفق الروس مع الأمريكان بالتنازلات السابقة على ألا يتدخل هؤلاء في شؤون البيت السوفياتي ويرجح هذا التوقع الأسلوب الهادئ والمطمئن الذي تعامل به الكرملين مع أحداث أوروبا الشرقية والأحداث التي وقعت في الصين في وقت سابق، كما يأتي تجاهل الغرب لاستقلالية لاتوانيا وجمهوريات البلطيق في ذات السياق.. اما احتمال الوحدة الأوروبية في عام ۱۹۹۲ والوحدة الألمانية في المستقبل القريب فمازال في إطار التوقعات المبكرة وإن كان احتمال إمكانية الوحدة الألمانية أقرب إلى الواقع وأكثر موضوعية.. لاسيما وأن الولايات المتحدة قد ترى في الوحدة الألمانية أخف الضررين كما يرى الاتحاد السوفياتي ذلك.. ويبقى مستقبل حلف الأطلسي «الناتو» أقرب لصورة التجمع السياسي منه إلى التجمع العسكري بعد غياب حلف وارسو.. والتساؤل لا بد أن يأخذ طريقه إلى مستقبل الشرق الأوسط وفلسطين مع المتغيرات الدولية.

أین نحن؟

إن انعكاس الأحداث التي اكتنفت العالم مؤخرًا سواء في أوروبا الشرقية أو التحولات في هيئة التوازنات الجديدة التي طمرت استراتيجية توازن القوى وتسابق التسلح وأبقت القوة لصالح الولايات المتحدة الأمريكية.. فأول ما يتبادر من الوقائع السابقة الموافقة على إمداد الكيان الصهيوني بـ٣٠٠ ألف يهودي وهي إشارة تعني تمسك القوى الكبرى بالخطيئة الكبرى التي أنتجت ذلك الكيان المغتصب لأرض وحقوق شعب مسالم تحمل ويلات التشرد والصمود وما زال يكافح ويجاهد من أجل إبقاء الحق وإرجاع المضاع منه إلى أهله كما أن تلك الموافقة تعني تهميش الأمة العربية وشأنها في حسابات القوى الكبرى.

 ومن جانب آخر فإن التوقعات التي أطلقها البعض متفائلًا بأن دولة الكيان الصهيوني قد ولّت «عوزتها» ولم تعد الاستراتيجية الأمريكية -الغربية ترى فيها خط الدفاع المتقدم في وجه الغزو الماركسي للعالم العربي.. فهذا «السيناريو» مازال بعيدًا وليس له رصيد من الموضوعية يرتكز إليها.. فالغرب ربما اندفع بشكل أعنف في حربه ضد الثقافة والحضور الإسلامي عمومًا وهو يتقوى في ذلك بدولة الكيان الصهيوني، وكراهية الغرب للإسلام أوضح من حاجتها للدليل ويكفي أنها لا ترى أن حقوق الإنسان لها صلة بالمسلمين كما حدث للمسلمين في بلغاريا في فترة الحكم الشيوعي وما يحدث للمسلمين في فلسطين المجاهدة بل إن كراهيتهم وصلت إلى الاعتراض في البدء على دورة السلام والصداقة التي أقامتها الكويت مؤخرًا لأنها تضم الدول الإسلامية.. واختفاء الكتلة المنافسة للغرب يعني تحويل الاهتمام وأرتال قوات التجسس نحو المنطقة العربية الإسلامية باعتبارها «جبهة» المواجهة الجديدة وهو ما لم تتخذ له الدول العربية والإسلامية استعداداتها حتى الآن.

استعداداتنا

المنطقة العربية الإسلامية عمومًا تنتظمها حالة ما يمكن أن نسميها «أدواء العالم الثالث» والمتلخصة في عدم الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي المختل وافتقاد التكنولوجيا الحديثة وانتشار النزاعات والحروب في الأطراف والاستقطاب الجزئي للمشروع الغربي وما إلى ذلك من إشكالات بالإضافة لعدم الاستخدام الأمثل للإمكانات الحضارية والمادية التي يمتلكها، وهذه الأخيرة هي المحور الأساسي للتخلص من تلك الأدواء فافتقاد المنهجية والتأصيل في عالمنا تشكل الخطأ المركزي في حركتنا الحضارية.. ومن هنا فلا بد من بعث الوعي الحضاري للأمة حتى لا تظل الأمة «سائبة» دونما نقطة ارتكاز ويتمثل ذلك في الاعتصام بعقيدة الإسلام التي أنزلها الله رحمة وهدى للعالمين وبهذا تنطلق الأمة لبناء حضارتها في تناسق واتساق مع الكون الفسيح من حولها وتحقق طموحاتها في الوحدة، والتوحد بعقيدة التوحيد وتحدث التنمية بإتقان وأخلاق الإسلام الحضارية في صدق التعامل وإتقان العمل وتعاون الإخوان.. والمبشرات أمامنا تبدو والأمة لم تفتقد وعيها تمامًا، غير أن سنوات التيه أبقت من الركام القبيح ما يدعو لشحذ الهمم.. وإذا ما نظرنا لعالم الواقع نجد التحولات القائمة حاليًا في العالم الإسلامي تمتد هنا وهناك وإشراقات الحرية وتحقيق مساعي التعددية واحترام حقوق الإنسان كلها نتائج تقدم المشروع الحضاري الإسلامي وتبشر به، فالأردن واليمن والجزائر لها مساعٍ طيبة للتعامل الحضاري مع الحضور الإسلامي.

ومن الإشراقات المضافة الإنجاز الذي حققه العراق في تطوير صناعة الصواريخ وإمكانية التقدم في تطوير صناعة فضائية وعسكرية متقدمة.. وهنا يذكر الحفاظ على ثروة المسلمين تحت تجمع «الأوبك» حتى لا تبقى إمكانية الهيمنة بالاستفراد بالدول المنتجة للبترول.. وبالرغم من تلك الإشراقات إلا أن التحدي كبير والعصر لا تضمن تقلباته ولا عاصم إلا الله وكل تلك المساعي إذا لم تعتصم بحبل الله المتين تبقى شتاتًا وهو نهجنا لتحقيق الوحدة والتقدم والمجتمع الفاضل وليس ذلك في إطار المستحسن والأفضل وإنما هو في حقنا واجب تمليه فرائض الله علينا بحكم الأستاذية التي أولتها عقيدة الإسلام للمسلمين ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ﴾ (البقرة:143) صدق الله العظيم.

الرابط المختصر :