العنوان (تراجم) من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة «٥٤» العالم المجاهد الداعية مصطفى السباعي
الكاتب المستشار عبدالله العقيل
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1998
مشاهدات 77
نشر في العدد 1309
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 21-يوليو-1998
هو مصطفى بن حسني السباعي، من مواليد مدينة حمص في سورية عام ١٩١٥م، نشا في أسرة علمية عريقة معروفة بالعلم والعلماء منذ مئات السنين، وكان والده وأجداده يتولون الخطابة في الجامع الكبير بحمص جيلًا بعد جيل، وقد تأثر بابيه العالم المجاهد والخطيب البليغ الشيخ حسني السباعي، الذي كانت له مواقف مشرفة ضد الأعداء المستعمرين، حيث قاومهم بشخصه وجهده وماله.
كما كان أحد محبي الخير، ومؤسسي الجمعيات الخيرية الإسلامية، والمشاريع الاجتماعية، مما كان له الأثر الكبير في نشأة ابنه مصطفى السباعي.
كان مصطفى يصحب أباه إلى مجالس العلم التي يحضرها علماء حمص، أمثال طاهر الريس، وسعيد الملوحي، وفائق الأتاسي، وراغب الوفائي، وحين خطب للزواج أخبر الخاطبون أهل الفتاة أن السباعي مشغول في معظم أوقاته بأعباء الدعوة الإسلامية، ليكونوا على علم بذلك، فوافقوا وتمت الخطبة.
شارك السباعي في مقاومة الاحتلال الفرنسي لسورية، وكان يوزع المنشورات، ويلقي الخطب، ويقود المظاهرات في حمص وهو في السادسة عشرة من عمره، وقد قبض عليه الفرنسيون واعتقلوه أول مرة عام ۱۹۳۱م بتهمة توزيع منشورات في حمص ضد السياسة الفرنسية، كما اعتقل مرة ثانية من قبل الفرنسيين أيضًا، بسبب الخطب الحماسية التي كان يلقيها ضد السياسة الفرنسية والاحتلال الفرنسي، وآخرها خطبة الجمعة في الجامع الكبير بحمص، حيث ألهب حماس الجماهير، وهيچ مشاعرهم ضد الفرنسيين، بل قاوم الفرنسيين بالسلاح؛ حيث قاد مجموعة من إخوانه في حمص، وأطلقوا الرصاص على الفرنسيين ردًّا على اعتداءاتهم.
وفي عام ١٩٣٣م ذهب إلى مصر للدراسة الجامعية بالأزهر، وهناك شارك إخوانه المصريين عام ١٩٤١م في المظاهرات ضد الاحتلال البريطاني، كما أيد ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق ضد الإنجليز، فاعتقلته السلطات المصرية بأمر من الإنجليز مع مجموعة من زملائه الطلبة، وهم مشهور الضامن، وإبراهيم القطان، وهاشم الخازندار، وفارس حمداني، وعلي الدويك، ويوسف المشاري، وبقوا في المعتقل قرابة ثلاثة أشهر، ثم نقلوا إلى معتقل «صرفند» بفلسطين، حيث بقوا أربعة أشهر، ثم أطلق سراحهم بكفالة.
وكان الشيخ السباعي في فترة الدراسة تلك قد تعرف إلى الإمام الشهيد حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين بمصر، وظلت الصلة قائمة بينهما بعد عودته إلى سورية، حيث اجتمع العلماء والدعاة ورجال الجمعيات الإسلامية في المحافظات السورية، وقرروا توحيد صفوفهم، والعمل جماعة واحدة، وبهذا تأسست منهم جماعة الإخوان المسلمين لعموم القطر السوري، وقد حضر هذا الاجتماع من مصر الأستاذ سعيد رمضان، وكان ذلك عام ١٩٤٢م، ثم بعد ثلاث سنوات أي في عام ١٩٤٥م اختار الجميع الأستاذ مصطفى السباعي ليكون أول مراقب عام للإخوان المسلمين في سورية.
وقد حدد الأستاذ السباعي في كتابه «دروس في دعوة الإخوان المسلمين» الأهداف والمهمات وميادين الإصلاح، حيث نادت جماعة الإخوان المسلمين في سورية بالإصلاح السياسي والكفاح الوطني، وإزالة آثار الاستعمار، ورفع المظالم عن العمال والفلاحين، وإنشاء المدارس والمعاهد والأندية الرياضية والمخيمات الكشفية، ومراكز الفتوة في مختلف المحافظات، وكان الأستاذ السباعي هو القائد العام للفتوة، كما قام الإخوان المسلمون بتشكيل لجان الإصلاح بين الناس، وتقديم الخدمات الصحية والاجتماعية والخيرية، وزيارة القرى والأرياف.
وفي عام ١٩٤٤م ذهب السباعي إلى الحج لأول مرة، وفي عام ١٩٤٧م أنشأ جريدة «المنار» حتى عطلها حسني الزعيم بعد الانقلاب العسكري الذي قاده بتدبير ودعم من الأمريكان عام ١٩٤٩م.
وقد شارك الإخوان المسلمون في حرب فلسطين عام ١٩٤٨م مع إخوانهم المصريين والأردنيين والفلسطينيين، حيث قاد الأستاذ السباعي الكتيبة السورية، وشاركوا في معركة القدس بخاصة، ومعارك لفلسطين بعامة، وأبلوا البلاء الحسن في الوقوف مع إخوانهم المجاهدين الفلسطينيين، الذين تكالبت على حربهم دول الكفر مجتمعة لتشريدهم، وإخراجهم من ديارهم، ومصادرة أموالهم، وهدم بيوتهم.
وبعد أن تمت المؤامرة وتمثيلية الحرب المصطنعة بين الدول العربية وإسرائيل، حيث جرد المجاهدون الفلسطينيون من أسلحتهم، وسلمت البلاد لليهود لقمة سائغة، واعتقل مجاهدو الإخوان المسلمين، وزج بهم في معسكرات الاعتقال، ثم نقلوا إلى سجون مصر، حيث قامت حكومة النقراشي العميلة بحل جماعة الإخوان المسلمين في 1948/12/8م، عاد السباعي إلى سورية غاضبًا، يصب جام غضبه على المأجورين والعملاء، ويفضح خطط المتآمرين، ويكشف عمالة الأنظمة، ويشرح ما جرى من مهازل القادة العسكريين الذين كانوا تحت إمرة الجنرال «كلوب» الإنجليزي، ويكشف قضية الأسلحة الفاسدة التي زود بها الجيش المصري، ويفضح تصريحات القادة العراقيين عن عدم وجود أوامر لضرب اليهود «ماكو أوامر»، ولولا جهاد المتطوعين من الفلسطينيين والمصريين والسوريين والأردنيين من الإخوان المسلمين، لما وجد ثمة قتال حقيقي ضد اليهود، بل هدنة ثم هدنة لتمكين اليهود من العرب، وإمدادهم بالأسلحة الأوروبية والأمريكية والمقاتلين الأجانب الترجيح كفة اليهود على الفلسطينيين، ثم تسليم البلاد وتهجير أهلها، واعتقال المجاهدين المتطوعين في سبيل الله للذود عن ديار المسلمين المقدسة.
يقول الأستاذ مصطفى السباعي في كتاب «الإخوان في حرب فلسطين»: «كنا نشعر ونحن في قلب معارك القدس، أن هناك مناورات تجري في الصعيد الدولي، وفي أوساط السياسات العربية الرسمية، فتشاورنا في كتيبة الإخوان المسلمين فيما يجب علينا فعله بعد صدور الأوامر إلينا بالانسحاب من القدس، فقر رأينا على أننا لا نستطيع مخالفة الأوامر الصادرة إلينا بمغادرة القدس لاعتبارات متعددة، وأننا بعد وصولنا إلى دمشق سنرسل بعض الإخوان المسلمين خفية إلى القدس مرة ثانية لدراسة ما إذا كان بالإمكان عودتنا بصورة إفرادية، لنتابع نضالنا في الدفاع عن فلسطين، وعدنا إلى دمشق مع سائر أفراد الحامية وقيادتها التابعة لجيش الإنقاذ، حيث تسلمت قيادة جيش الإنقاذ أسلحتنا، ووعدت باستدعائنا مرة ثانية عند الحاجة، وقمت بجولة في سورية تحدثت فيها عن معارك فلسطين، وألقيت في ذلك محاضرات في كل مكان من دمشق، وحمص، وحماة، وحلب، واللاذقية، ودير الزور، وغيرها من المدن السورية، وذهل الجمهور لما أبديته من حقائق لم تكن معروفة لديهم تمامًا، حتى شك بعضهم فيها، ثم انكشف الأمر، وتبين صدق ما ادعي من العوامل الخفية والظاهرة التي كانت تسير معركة فلسطين، هذا بينما كان فريق من إخواننا المجاهدين قد عادوا إلى فلسطين خفية، لتنفيذ ما اتفقنا عليه» انتهى.
عاد السباعي إلى سورية ليخوض الحرب لإصلاح الفساد في الداخل، وتربية الأمة من جديد على منهج الإسلام الصحيح، منهج الإخوان المسلمين الذي يعنى بتربية الفرد المسلم، ثم الأسرة المسلمة، ثم المجتمع المسلم، لتكون الثمرة قيام الحكومة المسلمة التي تحكم بشرع الله، وتنفذ أحكامه، وترعى مصالح البلاد والعباد، وتقضي على الشر والفساد، وتحارب الزيغ والإلحاد.
ولقد عمل السباعي وإخوانه على إدخال مواد التربية الإسلامية إلى المناهج التعليمية، كما سعى لإنشاء كلية الشريعة في الجامعة السورية، ثم شرع في إنشاء موسوعة الفقه الإسلامي، التي أسهم فيها العلماء من جميع أنحاء العالم الإسلامي لتقديم الفقه الإسلامي في ثوب جديد، يعالج قضايا العصر، ويحل مشكلاته على ضوء الكتاب والسنة وفقه السلف الصالح، واجتهاد العلماء الذين يملكون وسائل الاجتهاد وأدواته.
واختارت دمشق الدكتور مصطفى السباعي نائبًا في الجمعية التأسيسية عام ١٩٤٩م، وهو ابن حمص، ولم يمض على إقامته في دمشق سوى بضع سنين، وسرعان ما لمع نجمه كبرلماني شعبي متفوق، إذ كان الصدى الحقيقي المعبر لأماني الشعب وآلامه، والصوت المدوي الذي يصدع بالحق ولا يداري، ويقارع الباطل ولا يهادن، ويترفع عن المكاسب والمغانم ولا يساوم، فاتجهت إليه الأنظار، والتفت حوله القلوب، وانتخب نائبًا لرئيس المجلس، وأصبح عضوًا بارزًا في لجنة الدستور.
وقد بذلت له العروض بإلحاح وإغراء للدخول في الوزارات المتعاقبة فرفضها، مؤثرًا العمل الشعبي، والعيش مع مشكلات الجماهير وقضاياها، وكان عضوًا في لجنة الدستور، وأحد الأعضاء التسعة الذين وضعوا مسودة الدستور، ولقد قاد معركة القرآن تحت قبة البرلمان، كما قاد المظاهرات في دمشق من أجل الدستور، وتمكن السباعي وإخوانه من استبعاد الطابع العلماني عن الدستور، وفرض الطابع الإسلامي على معظم أحكامه الأساسية سنة ١٩٥٠م.
قال الأستاذ السباعي في كتابه القيم «دروس في دعوة الإخوان المسلمين»: «نحن نعتقد أن كل نظام صالح في العالم، لا يمكن أن ينتفع به ما لم تؤيده حكومة حرة قوية صالحة، ومن أجل ذلك آمن الإخوان المسلمون بوجوب تحرير العالم العربي والعالم الإسلامي من الاستعمار مهما كان شكله أو لونه، كما آمنوا بتوحيد البلاد العربية في الوطن العربي الكبير، والتعاون مع البلاد الإسلامية والصديقة بأي شكل من أشكال التعاون، الذي يحقق قوة العالم الإسلامي، ونجاته من الاستعمار، ونهوض شعوبه من الفقر والجهل والتأخر، وفي سبيل هذه الغاية عمل الإخوان المسلمون في حقل القضايا العربية والإسلامية بنشاط لم يعهد في غيرهم من الهيئات والجماعات»، انتهى.
وفي نفس هذا العام عام ١٩٥٠م، عين السباعي أستاذًا في كلية الحقوق بالجامعة السورية، وفي عام ١٩٥١م حضر الدكتور السباعي المؤتمر الإسلامي العام الذي انعقد في باكستان، وحضرته وفود من جميع أنحاء العالم الإسلامي، كما ذهب السباعي في العام نفسه إلى الحج للمرة الثانية، وفي عام ١٩٥٢م تقدم السباعي إخوانه بطلب إلى الحكومة السورية للسماح لهم بمشاركة إخوانهم المصريين لمحاربة الإنجليز في قناة السويس، فما كان من رئيس الحكومة أديب الشيشكلي إلا أن أمر بحل جماعة الإخوان المسلمين، واعتقال السباعي وإخوانه، وإلقائهم بالسجن.
ثم أصدر أمره بفصل السباعي من الجامعة السورية، وأبعده خارج سورية إلى لبنان، وفي عام ١٩٥٣م عقد المؤتمر الإسلامي العام في القدس، وحضره ممثلو الإخوان المسلمين من جميع الأقطار، وكذا الجمعيات وممثلو الشعوب الإسلامية، وفي السنة نفسها سعدنا بزيارته لمصر؛ حيث التقيته لأول مرة مع إخواني الزملاء يوسف القرضاوي، وأحمد العسال، ومحمد الدمرداش، وفي عام ١٩٥٤م عقد المؤتمر الإسلامي المسيحي في بحمدون بلبنان، وشارك فيه السباعي للرد على أعداء الإسلام من المستشرقين والصليبيين، كما حضر الاجتماع الذي دعا إليه الأستاذ حسن الهضيبي- المرشد الثاني للإخوان المسلمين- في لبنان، حيث ضم قادة الإخوان المسلمين في البلاد العربية، والذي حضره من مصر مع الأستاذ الهضيبي كل من عبد الحكيم عابدين، وسعيد رمضان، وصالح أبو رقيق، ومنير دلة، ومن سورية مصطفى السباعي، ومن الأردن محمد عبد الرحمن خليفة، ومن السودان علي طالب الله، ومن العراق محمد محمود الصواف، ومن الكويت عبد العزيز المطوع، وبعد عودة الهضيبي إلى مصر واعتقاله من الطغمة العسكرية الحاكمة فيها مع جميع الإخوان المسلمين، شكل الإخوان المسلمون في البلاد العربية مكتبًا تنفيذيًّا تولى الدكتور مصطفى السباعي رئاسته، وفى عام ١٩٥٥م ذهب الدكتور السباعي مع أساتذة وطلاب الجامعة السورية إلى الحج، وهي المرة الثالثة بالنسبة له.
وفي السنة نفسها أسس مع إخوانه مجلة الشهاب الأسبوعية، والتي استمرت في الصدور إلى قيام الوحدة مع مصر عام ١٩5٨م، وفي العام نفسه ١٩٥٥م حصل على ترخيص إصدار مجلة «المسلمون» الشهرية بعد توقفها في مصر، وظلت تصدر في دمشق إلى عام ١٩٥٨م حيث انتقلت إلى صاحبها د. سعيد رمضان في جنيف بسويسرا، فأصدر السباعي بدلها مجلة «حضارة الإسلام» الشهرية، وظل السباعي قائمًا على هذه المجلة حتى توفاه الله حيث تولى إصدارها د. محمد أديب الصالح بدمشق.
وفي عام ١٩٥٦م عقد المؤتمر الإسلامي بدمشق، وفي السنة نفسها أوفدته الجامعة السورية إلى ديار الغرب لزيارة الجامعات الغربية، والاطلاع على مناهج الدراسات الإسلامية فيها، فزار إيطاليا، وبريطانيا، وإيرلندا، وبلجيكا، وهولندا، والدنمارك، والنرويج، والسويد، وفنلندا، وألمانيا، والنمسا، وسويسرا، وفرنسا، واجتمع فيها بالمستشرقين، وناقشهم في مؤلفاتهم عن الإسلام، وكشف لهم أخطاءهم العلمية والتاريخية.
وفي عام ١٩٥٧م ذهب السباعي مع عمداء الكليات في الجامعة السورية إلى روسيا بدعوة من جامعة موسكو، زار خلالها معظم الجامعات الروسية في مختلف الأقاليم، والتقى أساتذة الدراسات الشرقية والتاريخية والاجتماعية، وناقشهم وفند مقولاتهم، وأبطل مزاعمهم الخاطئة عن الإسلام والمسلمين.
مؤلفاته
والدكتور السباعي له باع طويل في التأليف، فهو من العلماء المحققين والفقهاء المجتهدين، الذين استوعبوا الفقه الإسلامي من أصوله المعتمدة، ودرسوا قضايا العصر المستجدة، وقاسوها على ما سبق من أحكام مستمدة من الكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة، ومن أهم مؤلفاته: شرح قانون الأحوال الشخصية «ثلاثة أجزاء»، من روائع حضارتنا، المرأة بين الفقه والقانون، عظماؤنا في التاريخ، القلائد من فوائد الفوائد، دروس في دعوة الإخوان المسلمين، السنة ومكانتها في التشريع، هكذا علمتني الحياة «ثلاثة أجزاء كتبها فترة المرض»، اشتراكية الإسلام، أخلاقنا الاجتماعية، أحكام الصيام وفلسفته، الدين والدولة في الإسلام، نظام السلم والحرب في الإسلام، هذا هو الإسلام «جزءان»، السيرة النبوية دروس وعبر، الاستشراق والمستشرقون، المرونة والتطور في التشريع الإسلامي، منهجنا في الإصلاح، العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في التاريخ.
ومن الغريب أن فترة مرضه على قساوتها وشدتها، كانت من أخصب أيام حياته، وأكثرها إنتاجًا من الناحية العلمية، يقول د. محمد أديب الصالح: «كان السباعي- رحمه الله- حريصًا كما علمت منه قبل وفاته بيوم واحد على كتابة مؤلفات ثلاثة في العلماء الأولياء، والعلماء المجاهدون والعلماء الشهداء».
وقد ذهب السباعي إلى الحج للمرة الرابعة وهي الأخيرة عام ١٣٨٤هـ- ١٩٦٤م حيث كان يعاني من المرض العضال، والآلام المبرحة التي لم تكن تبارحه، ولكن فضل الله عليه في هذه الرحلة المباركة كان عظيمًا، حيث يقول بنفسه: «لأول مرة منذ سبع سنوات يهدأ الألم في دماغي، وأقوى على الصلاة واقفًا على قدمين، وأجلس للتشهد فيها، ولقد قدمت مكة المكرمة، فطفت طواف العمرة محمولًا على المحفة، ثم غادرتها وطفت طواف الوداع على قدمي، وأكرمني الله بزوال آثار مرض السكر منذ وصلت المدينة المنورة، فكنت أتصبح بسبع تمرات من تمرها، إيمانًا مني بالحديث الصحيح الوارد في التمر، وهو من الطب النبوي».
زاره أحد أصدقائه مواسيًا فكان جواب السباعي: «إني مريض أتألم ليس في ذلك ريب، وإنك لتشاهد الألم على وجهي، وعلى يدي، وفي حركتي، ولكن انظر إلى حكمة الله فيَّ، إن الله قدير على أن يشل حركتي، وقد شل بعض حركتي، ولكن انظر ماذا شل، لقد شل طرفي الأيسر، وأبقى لي الطرف الأيمن، فما أعظم النعمة التي أبقى لي أكنت أستطيع أن أخط بالقلم لو شل اليمني مني؟».
واستمر المرض ثماني سنوات، ضرب السباعي فيها أروع آيات الصبر على البلاء، والتسليم لقضاء الله، والرضى بحكم الله عز وجل، وكان كثير الحمد لله، والتسبيح له، والاستغفار آناء الليل وأطراف النهار، ولم يمنعه هذا المرض العضال من النهوض بواجباته كصاحب دعوة حق، وداعية مسلم.
يروي الأخ عبد العزيز الحاج مصطفى عن الدكتور حسن هويدي في وصف حال السباعي في مرضه حيث يقول: «ولقد رأيته في مرضه، يتكئ على العصا، غاديًا إلى الجامعة ورائحًا، في الوقت الذي قعد فيه الأقوياء، وحمل فيه الأصحاء، ويارب مريض مشلول أشد من سيف مسلول، وما كان استمراره في الجهاد- رحمه الله- على الرغم من شلله وإصابة قلبه وضغط دمه، إلا دلالة صادقة وحجة ساطعة على أن الرجل سجيته الجهاد، وطبيعته الكفاح، وغريزته التضحية، وفطرته الشجاعة والفداء، فأني يجد الرياء إلى نفسه سبيلًا؟! أو الفتور إلى نفسه مسلكًا، أو التردد إلى عزيمته منفذًا، فسبحان من منحه وأعطاه، وتفضل عليه وأرضاه» انتهى.
ويقول عنه الشيخ عبد الفتاح أبو غده في مجلة «حضارة الإسلام»: «كان- طيب الله ثراه- عذب النفس، رقيق الحاشية، مرهف الذوق والشعور، يستجيب للدعابة، ويجيدها، ولا يبذلها إلا في مواطنها، وكان صافي النفس، وفيًّا محبب العشرة، شهم الإخاء، سريع النجدة كريمها، وكانت له مسامرات ومحاورات تفيض ذوقًا وعذوبة نفس مع صديقه الصفي وأخيه الكريم الشيخ محمد الحامد، وإن الإنسان قد يعجب- ولا عجب- حين يقرن بين وقار النابغة السباعي في مواطن الجد، ومخاشنة لأعداء الله والأمة، وانقباض نفسه عن المنافقين والنفعيين، وبين شفافية روحه، وانطلاق جنانه، وتلطف لسانه في معاشرة أحبائه وإخوانه، ولكن لا عجب فهو للإسلام والعمل به على بصيرة»، انتهى.
وفاته
وفي يوم السبت 1384/5/27هـ - 1964/10/3م انتقل المجاهد العامل والداعية الصابر الأستاذ الدكتور مصطفى حسني السباعي إلى جوار ربه بمدينة حمص، بعد حياة حافلة بالجهاد المتواصل، وقد شيعت جنازته في احتفال مهيب، وصلي عليه في الجامع الأموي بدمشق، وتوالى الخطباء يؤبنون الفقيد بكلمات مؤثرة، وهم الدكتور حسن هويدي، والأستاذ محمد المبارك، والأستاذ محمد المجذوب، والأستاذ مشهور حسن، والشيخ عبد الرؤوف أبو طوق، والدكتور محمد أديب الصالح، والشاعر محمد الحسناوي، وغيرهم، ولقد كتب سماحة مفتي فلسطين الحاج محمد أمين الحسيني كلمة نقتطف منها «فقدت سورية علمًا من أعلامها، ومجاهدًا من كبار مجاهديها، وفقد العالم الإسلامي عالمًا من علمائه الأجلاء، وأستاذًا من أساتذته الفضلاء، وداعية من دعاته البلغاء، ولقد عرفته، فعرفت فيه الصدق والإخلاص، والصراحة، ومضاء العزيمة، والاندفاع في سبيل العقيدة والمبدأ، وكانت له قدم صدق، ويد بيضاء في خدمة القضايا الإسلامية والعربية، وفي طليعتها قضيتا سورية وفلسطين، وكان على رأس كتيبة مجاهدي الإخوان المسلمين دفاعًا عن بيت المقدس عام ١٩٤٨م»، انتهى.
ويذكر أبو الحسن الندوي عن لقاءاته مع السباعي حين زار سورية عام ١٩٥١م فيقول: «لقد أعطاني الحاج محمد أمين الحسيني كتاب تعريف للشيخ السباعي، وأثنى عليه ثناء عاطرًا، فلما زرت مركز الإخوان المسلمين في السنجقدار بدمشق، كان لقائي الحار بالأستاذ السباعي، وقد حضرت مع السباعي جلسات البرلمان السوري، كما زرت معه الجمعية الغراء، والتقينا معظم علماء سورية كالأستاذ عمر بهاء الأميري، والأستاذ محمد المبارك، والشيخ محمد نمر الخطيب، والشيخ أحمد الدقر، والشيخ عبد الرؤوف أبو طوق، والشيخ محمد بهجت البيطار، والشيخ أمجد الطرابلسي، والأستاذ سعيد الأفغاني، والأستاذ أحمد مظهر العظمة وغيرهم، وقد استضافني أكثر من مرة في بيته، كما ذهبنا معه إلى مصيف الأشرفية، وزرت معه حمص؛ حيث ألقيت محاضرة بمركز الإخوان المسلمين، وزرنا مسجد خالد بن الوليد، والشيخ عبد العزيز عيون السود، والشيخ محمد توفيق الأتاسي، حتى غادرت سورية حيث كان في وداعي بالمطار»، انتهى.
أما الأستاذ حسني أدهم جرار فيقول في كتابه القيم «مصطفى السباعي قائد جيل ورائد أمة» والذي استفدت منه كثيرًا: «كان السباعي علمًا بارزًا من أعلام الفكر والدعوة والجهاد في زماننا المعاصر، وكان منارة من منارات الإسلام الشامخة، ونموذجًا مشرقًا على امتداد تاريخنا الطويل، وكان عالمًا متفتح الذهن، آتاه الله علمًا واسعًا، وذكاء حادًا، وبديهة حاضرة، وأسلوبًا في الحوار نادرًا، وجرأة في الحق، وقدرة على التصدي للباطل، وقوة في الإيمان، ويقظة في الضمير».
ويقول العلامة الكبير محمد أبو زهرة: «إنني لم أر في بلاد الشام أعلى من السباعي همة، وأعظم منه نفسًا، وأشد منه على الإسلام والمسلمين حرقة وألمًا» انتهى.
ومن قصيدة للشاعر محمد الحسناوي يرثي فيها السباعي قال:
کم جاء يخطب كل عملاق ودا *** دك بالمنى والأصفر الرنان
كم دولة كبرى دعتك فما استجبت *** لغير صوت الحق والإيمان
وسخرت بالإغراء والتهديد لا *** قرت بفقدك مقلة الخوان
ومشيت إذ قعد الورى لتغيث أرض*** الأنبياء بغيثك الرباني
بكتائب الرحمن تجتاح اليهو*** د تذود عن دين وعن أوطان
ورجعت صلب العود عالي النفس *** ترسي الأس فيما انهار من بنيان
ورجمت أصنام الخيانة والهوى *** ودمغت كل مداور وجبان
فيك الأبوة والقيادة والتقى *** والعلم والإخلاص للرحمن
فيك الجهاد شجاعة وريادة *** لله كم أصفاك من إحسان
أو لست من هز المنابر والعرو ***ش وزلزل الطاغوت بالإيمان
رحم الله أستاذنا الجليل الدكتور مصطفى حسني السباعي، فلقد كان رجلًا في أمة، وكان زينة الدعاة في عصره، وقرة عين ديار الشام، وابن حمص، الذي تفخر به وتعتز، لقد كان السباعي ملك الإسلام والمسلمين، وكانت وفاته خسارة على الإسلام والمسلمين.
تنبيه
هذه الحلقات خواطر من الذاكرة، قد يعروها النقص والنسيان، لذا أرجو من إخواني القراء إمدادي بأي إضافة أو تعديل لتداركه قبل نشرها في كتاب مستقل، وعنواني: ص. ب: 93650- الرياض 11683.
(*) الأمين العام المساعد لرابطة العالم الإسلامي سابقاً
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل