; العالم ينتظر البديل | مجلة المجتمع

العنوان العالم ينتظر البديل

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر الجمعة 13-أبريل-2012

مشاهدات 64

نشر في العدد 1997

نشر في الصفحة 66

الجمعة 13-أبريل-2012

في منتصف الخمسينيات بلغت الحضارة الغربية قمة منحناها، وكانت مقولة «أرنولد توينبي» حول تفوقها واحتمالات ابتلاعها للحضارات المنهارة التي تدور في فلكها، ومن ضمنها الإسلامية، أمرًا معقولًا, وكانت قيادتها قد آلت إلى أمريكا، التي بدت بالمقارنة مع الدول الاستعمارية العتيقة كبريطانيا وفرنسا، اللتين سامتا الشعوب المستضعفة المر والعذاب والابتزاز وبالمقارنة مع الاتحاد السوفييتي بقسريته وآليته العاتية، بمثابة الدولة المحررة الواعدة بالخلاص!!

كانت بالنسبة للكثيرين من المبهورين بالحضارة الغربية، تمثل الوجه الجميل، وكانت أمريكا نفسها، من أجل التحقق بزعامتها وإغواء دول العالم الثالث والحلول محل الاستعماريات القديمة تحرص على تلميع هذا الوجه، بحيث إن كتابا كـ «أمريكا التي شاهدت» للشهيد سيد قطب، كتب في تلك المرحلة - بداية الخمسينيات - قامت المخابرات المصرية بحجبه ومنع نشره. 

لم تكن أمريكا مستعدة لتشويه وجهها الجميل، وهى مقبلة على تدشين قيادة العالم، وإخراج منافساتها من الساحة. 

لكن بعد مرور أقل من عقد فحسب، وبخاصة في أعقاب اغتيال «كيندي»، وتسلم «جونسون» السلطة، ومجازفة فيتنام، وانكشاف الوجه القبيح لأمريكا، واكتشاف دورها في العديد من الانقلابات العسكرية في دول العالم الثالث تغيرت الصورة، ولم تعد أمريكا نفسها تكتم تشويه صورتها، بعد أن تحققت بالقوة والسيطرة بحيث إن رواية تؤلف بعنوان « الأمريكي البشع» تحكي عن مخازيها في فيتنام، تأخذ طريقها للنشر دون أن تكترث الجهات الأمريكية. 

ثم تجيء المرحلة التالية، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وتفرد أمريكا بقيادة العالم، تحت مظلة النظام الدولي الجديد، حيث لم تعد تكترث بأي صورة مشوهة قد تعطى عنها، بل على العكس، إنها تتعمد، كما حدث في عهد «بوش» الابن، أن تكشف عن هذا الوجه لكى تقول للناس: ليس ثمة ما يتهددني, فأنا سيدة العالم !!

على المستوى الحضاري تغيّرت المعادلة بعد إذ وصلت الحضارة الغربية إلى الطريق المسدود, والآن فإن العالم ينتظر البديل قصر الوقت أم طال، ولن يكون هذا البديل سوى إسلامي، أو في الأقل مشاركة إسلامية في إعادة صياغة مصير العالم، فيما يعترف به ويؤكده مفكرو الغرب وكتابه وفلاسفته، بعد إذ درسوا كل صيغة واستعرضوا كل بديل فلم يجدوا فيها الجواب. 

فنحن إذن مطالبون بصياغة المشروع الحضاري البديل وتقديمه للبشرية، بعد أن أخفقت كل النظم والمبادئ الغربية الواحدة تلو الأخرى نظرية تفوق الرجل الأبيض، الاستعماريات العتيقة الشوفينيات الكبرى الوجودية، الماركسية اللينينية، ثم ها هو ذا النظام الرأسمالي يتعرض لاهتزازات عنيفة، ويصل إلى طرق مسدودة.

وإذا كان عالم الإسلام في خمسينيات القرن الماضي يلفظ أنفاسه، ويكاد يتلاشى في حضارة الغرب، فإنه اليوم يجد ذاته، أو - بعبارة أدق - يتحتم أن يجد ذاته، لأن العالم ينتظر منه إشارة الخلاص، وتلك هى سنة الله في خلقه، ومداولة الأيام بين الناس. إن محفزات المحاولة كثيرة، ومن بينها وصول الحضارة الغربية إلى الطريق المسدود، وعجز النصرانية المحرفة، وانقفال اليهودية ولا واقعية البوذية والأديان الشرق أقصوية، وانهيار الوضعيات الاستعمارية، والشوفينية والوجودية والشيوعية والهزات العنيفة التي أصابت الرأسمالية، فضلًا عن وحدة العالم والتبادل السريع للتأثير في ظل العولمة، وازدياد الوعي وتراكم الخبرة، وتطابق مؤشراتها مع المعطى الإسلامي، وقوة الجذب في الإسلام، وانسجامه مع مطالب الإنسان.

هذا إلى قيمة التوحيد الكبرى في هذا الدين باعتبارها عملًا تحريريًا في مجابهة كل صنوف الضغط، والابتزاز والاستلاب والقهر والحتميات بأشكالها وصنوفها كافة.

ولكن وبالتأكيد فإن هناك في المقابل عوائق كثيرة لا يكاد يحصيها عد تقف أو ستقف في مواجهة المحاولة، بعضها يجيء من الداخل من مثل التشبث بالمظهرية الدينية بعيدًا عن الجوهر والمغزى، وانعدام الثقة بالذات، وغياب الفقه الحضاري، وعدم اختيار عناصر التأثير في العقل والوجدان الغربي، وضياع أولويات العمل وخطط وبرامج التنفيذ، وإعاقة النخب المتغربة والزعامات المعادية للدين في الديار الإسلامية.

وبعضها الآخر يجيء من الخارج، متمثلًا بدور الاستعمار الجديد والغزو الثقافي والجهود الأسطورية التي تبذلها وترسم لها القوى الدينية المضادة؛ صليبية وصهيونية. 

لكن هذا كله لا يبرر الكف عن المحاولة، ولا يدفع إلى وقفها عن المضي إلى أهدافها المشروعة لصالح الإنسان في العالم كله, فقط إذا خلصت النية وأحسنت صيغ العمل.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1114

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان

نشر في العدد 9

125

الثلاثاء 12-مايو-1970

حذار من لعنة الأجيال