العنوان العبرة الواجبة بعد حرب العراق
الكاتب الدكتور محمد علي الهاشمي
تاريخ النشر السبت 07-يونيو-2003
مشاهدات 48
نشر في العدد 1554
نشر في الصفحة 42
السبت 07-يونيو-2003
لا يماري عاقل شهد أحداث الحرب على العراق، وما سبقها من حرب نفسية شُنّت على الأمة العربية كلها، وما تبع ذلك من غزو أجنبي، أسقط دولة، واحتل أرضاً، وفرض واقعاً استعمارياً متحكماً في كل شيء، والأمة بملايينها وإمكاناتها وقدراتها تقف عاجزة مكتوفة الأيدي أمام الغازي المغير، بصرف النظر عن الموقف من صدّام.
لا يماري عاقل في أن ما جرى على ساحة العراق وساحة الأمة العربية محنة كبيرة، تدعو كل فرد يعيش في هذه البقعة من العالم إلى العبرة والعظة، وبخاصة ممن بيدهم القرار التنفيذي، والعلماء والمفكرون وأصحاب الأقلام، ممن يعول عليهم في إسداء النصح وتقديم المشورة وتحمل المسؤولة.
ذلك أن الأمم والشعوب التي تتعظ بما يمر بها من أحداث، وتستفيد من تجاربها، هي الأمم والشعوب التي تستحق الحياة الحرة العزيزة الكريمة، وهي التي تخرج من الفتن والمحن التي ألمّت بها أقوى عزيمة، وأكثر صموداً وحيوية.
إن المحنة التي تمر بنا في العراق لتضع أمامنا صُوى النجاة، وعلامات النجاح، وعوامل الخلاص مما نتخبط فيه من فرقة وضعف وتخلف، إن أردنا أن نتخلص من ذلك التخبط المقيت الذي أزرى بنا، وأضاع هيبتنا، وجعلنا لقمة سائغة لكل طامع مغير، كما صور ذلك الحديث الصحيح: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها»، قالوا: أو من قلة يومئذ يا رسول الله؟ قال:« لا، بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن »قال قائل: یا رسول الله، وما الوهن ؟قال:« حب الدنيا وكراهية الموت».
وصُوى النجاة وعلامات النجاح واضحة لكل من كان له قلب، أو القى السمع وهو شهيد، وتتلخص في النقاط الآتية:
١- الاعتصام بحبل الله: ولا يكون الاعتصام بحبل الله كلاماً واعظياً عاطفياً يسمعه الناس كثيراً من الخطباء، وإنما تطبيقاً عملياً لقوله تعالى:﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل عمران :۱۰۳)، فالاعتصام بحبل الله في حقيقته دعوة إلى وحدة العقيدة، والتلاحم ورص الصفوف، بحيث يغدو المسلمون في كل مكان «كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وكالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، كما جاء في الهدي النبوي الصحيح.
ويوم تغدو هذه الحقيقة واضحة في حياة المسلمين، لا يستطيع عدو مهما بلغ من القوة والجبروت أن ينفرد بطائفة منهم، يغير عليها، ويذيقها الويلات.
٢-الاحتكام إلى الشريعة الغراء: وهذا يعني أن يقيم المسلمون حياتهم في كل مكان على أساس من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهذا هو الأصل العظيم والأساس المتين لنهضة المسلمين وقوتهم وتقدمهم، ذلك أن شريعة الله إذا حكمت حياة المسلمين دولاً وشعوباً انتقى من حياتهم كل عوامل الفرقة والفساد والضعف والتخلف، وحل محلها عوامل الوحدة والصلاح والقوة والتقدم.
ذلك أن الأمة التي تحكم بما أنزل الله، لا يمكن أن يتربع على سدة الحكم فيها طاغية مثل صدام وغيره من طواغيت هذا العصر؛ لأن هدي الإسلام يعد كل من ساعد أو ولّى على المسلمين رجلاً وفيهم من هو خير منه، فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين.
ولا يمكن لهذه الأمة أن ترضى بالفرقة، و دستور حياتها يهتف بها: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (آل عمران:103) .
ولا تسكت على فساد وهدي قرآن يعلن «إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا» (المائدة: ٣٣)
«وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ» (البقرة:٦٠)
«وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» (القصص:٧٧)
ولا ترضى الأمة - المستنيرة بهدي دينها الحق -بالضعف، وفي هدي دينها : «وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ» (الأنفال: ٦٠)
«المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف»
إن أمة الإسلام حين تستوحي هدي دينهـا تبني القوة التي ترهب العدو، وتجعله يحسب ألف حساب لاقتحام حرماتها، ولا ترضى إلا أن تكون عزيزة، كما وصفها الله بقوله تعالى: «وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ» (المنافقون:٨)
ولا ترضى بالتخلف، وقرآنها يعلن أن الله أراد لها أن تكون خير أمة أخرجت للناس، وهذه الخيرية لا تتحقق إلا إذا أخذت بكل أسباب القوة المادية والمعنوية والثقافية، بحيث تغدو متقدمة راقية مستغنية عن غيرها في كل جوانب الحياة.
وهكذا نجد أن الاحتكام الصادق الصحيح إلى الشريعة الغراء يجنِّب الأمة المآسي والنكبات، ويقودها إلى حياة العزة والرفعة والسؤدد والتقدم والسعادة.
٣-التمسك بأخوة الإسلام: وهذا التمسك بأخوة الإسلام يكون نتيجة حتمية لتطبيق الشريعة السمحة في حياة الأمة، فلا تجد فيها تفرقة بين
عربي وكردي وتركماني، بل تجد كل من نطق الشهادتين أخاً محباً لأخيه، عملاً بقوله تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» (الحجرات : ۱۰ )
ذلك أن الرابطة التي تربط المسلم بأخيه المسلم مهما كان جنسه ولونه ولغته ومذهبه هي رابطة الإيمان، وأخوة الإيمان أوثق روابط النفوس، وأمتن مرى القلوب، وأسمى صلات العقول والأرواح.
وحين تسود هذه الرابطة في حياة المسلمين، لا ينشأ فيهم حزب أو تجمع أو اتجاه يقوم على جاهلية جهلاء كالتي قام عليها حزب البعث العربي الاشتراكي في هذا العصر، الذي أدخل إلى حياة بعض العرب «أيديولوجية» جاهلية علمانية عرقية، تقوم على تعظيم الجنس العربي وتقديس العروبة!.
إنها عروبة أبي جهل وأبي لهب وعتبة وشيبة، تلك التي نادى بها البعثيون في هذا العصر حينما خلعوا أخوة الإسلام من حياتهم، ولو أنهم مسكوا بأخوة الإسلام لنادوا بعروبة أبي بكر وعمر وخالد وأبي عبيدة رضي الله عنهم أجمعين.
إن أخوة الإسلام هي الضمانة الوحيدة للتعايش الأخوي بين الأناس واللغات والقوميات والمذاهب، وهذا ما نحسه اليوم بعمق، إذ نرى التحركات العرقية والمذهبية في العراق، بين الأكراد التركمان والعرب وبين السنة والشيعة، ولا يدخل طمأنينة إلى النفوس إلا سيادة اخوة الإسلام على هؤلاء جميعاً، فها وحدها تُغسل الصدور، وتزول الأحقاد وتختفي النزعات والعصبيات.
٤-إطلاق الحريات العامة والالتزام بالشورى: وهاتان النعمتان الحريات والشورى من النتائج الحتمية أيضًا لتطبيق الشريعة الغراء في المجتمع، فالمواطنون الذين يتمتعون بالحرية يحسون بكرامتهم الإنسانية، ويذكرون نعمة الله عليهم فيهبون للعطاء والتثمير والإبداع في السلم والرخاء، وينتفضون للبذل والتضحية والفداء أيام المحنة والشدة والعدوان.
وإذا ما رأوا انحرافًا أو جورًا أو فسادًا سارعوا إلى النقد والتسديد والنصيحة، ولم يدفنوا رؤوسهم في الرمال خشية الكبت والسحق والتشريد؛ لأنهم يعيشون في جو الحرية الطليق، وليسوا رازحين تحت وطأة نظام حكم فردي شمولي ظالم، يصادر الحريات، ويكمم الأفواه، ويقطع الألسنة، ويكسر الأقلام. ومن هنا ينتفي الطغيان من حياة المسلمين حاملي لواء الحرية فما ارتفعت شعلة للحرية إلا وانهار عرش للطغيان، وما كان للطغيان أن يعيش في مجتمعات المسلمين، ورسول الله ﷺ يقول:« أفضل الجهاد كلمة حق تقال عند سلطان جائر».
ولقد بقيت كلمة عمر بن الخطاب محفورة في ذكرة التاريخ: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا »؟تخدر بها الدساتير ومواثيق حقوق الإنسان، ويقال: إن جان جاك رسو كان يستشهد بها.
أما الشورى فقد عدّها الإسلام من المكونات المهمة لحياة الأمة، وذكرها في أوصاف المؤمنين الأساسية التي لا يتم إسلامهم ولا إيمانهم إلا بها، وذلك في سورة خاصة اسمها سورة الشورى، فقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (الشوری :۳۸)
ولعظم مكانة الشورى أمر الله رسوله بها فقال:﴿ وَشَاوِرۡهُمۡ فِی ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِینَ﴾ (ال عمران:١٥٩).
إن الإسلام الذي أقر مبدأ الشورى وألزم السلطة الحاكمة به، وحرم الاستبداد والتسلط الفردي، ترك للبشر تحديد الطريقة والأسلوب اللذين تتم بهما الشورى، توسعة ومراعاة لاختلاف الأحوال والأزمان، ولهذا يمكن أن تكون الشورى في أشكال متعددة وصيغ مختلفة باختلاف العصور والشعوب والأقوام والأعراف، والمهم أن تكون ممارسة الحكم ورسم سياسة الدولة والإدارة بإشراك الشعب وجمهور الأمة أو من يمثلها من أولي الأحلام والنهي، وهم الذين اصطلح على تسميتهم بأهل الحل والعقد، بحيث تكون السلطة الحاكمة مقيدة بقيدين، هما الشريعة والشورى، أي بحكم الله، ثم رأي الأمة.
٥-توحيد السياسات والمواقف: وهذا لا يكون إلا بالوصول إلى صيغة من صيغ الاتحاد الممكنة بين الدول العربية تجعلها متعاونة متضافرة متكافلة، إذا حزبها أمر وقفت موقفًا موحدًا، وإن دهمتها مصيبة سارعت جميعاً إلى دفعها، وإذا تعرض بعضها لخطر وقفت جميعاً في وجهه كالبنيان المرصوص يشد بعضها بعضًا. وإذا كانت الوحدة الاندماجية هي الحلم الكبير الذي يتمنى العرب جميعاً أن يتحقق من المحيط إلى الخليج - لكنه متعذر الآن، بل يكاد يبدو مستحيلًا، لأسباب كثيرة لا مجال لسردها الآن - فلا أقل من تحقيق شكل من أشكال الاتحاد، يُبقي على الكيانات القائمة، ويفتح باب التعاون والتكافل وتبادل المنافع بما يحقق الخير والنمو والرخاء والتقدم والقوة للأقطار العربية جميعًا.
إنها لخيبة أمل كبيرة أن تعلن الأمة العربية عن نيتها إقامة السوق العربية المشتركة عام ١٩٥٣م، قبل أن تعلن أوروبا عن عزمها على إقامة السوق الأوروبية المشتركة، ثم تمر السنون، فإذا بأوروبا تنفذ ما أعلنته، بل إنها حققت الاتحاد بين دولها، وأصدرت عملتها الموحدة «اليورو»، ونحن معشر العرب لا نزال نغط في نومنا العميق لم نحقق شيئاً!!.
إن الأمة العربية بما حباها الله من عقيدة وقيم وخيرات ونعم وطاقات، لجديرة بحياة العزة والشرف والكرامة، إن هي أقامت حياتها على أساس قويم من هدي كتاب الله وسنة رسوله وأخذت بأسباب القوة والعلم والثقافة الحديثة.
ويوم نصل إلى هذا المرتقى العالي لن تجرؤ دولة على أن تقتحم حماها، مهما كانت قوية متفوقة، ومهما كانت طامعة في خيراتها، وستتجنب كثيرًا من المأسي والنكبات، وإن فيما حل بالعراق من محن شديدة لعبرة لأولي الألباب، ما أحوجنا إلى تأملها والوقوف عندها طويلًا.