العنوان العبرة بالخواتيم.. التطور الفكري للدكتور طه حسين 1-2
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 02-سبتمبر-2006
مشاهدات 57
نشر في العدد 1717
نشر في الصفحة 38
السبت 02-سبتمبر-2006
كان الدكتور طه حسين (١٣٠٦ - ١٣٩٣هـ ۱۸۸۹هـ -۱۹۷۳م) أحد أعظم بلغاء اللغة العربية، على امتداد العصر الذي عاش فيه.. أجمعت على ذلك كل تيارات الفكر والأدب، سواء منها من اتفقوا معه أو كانوا معه على خلاف أو اختلاف... ولقد توجته الأمة. على امتداد أوطانها، واختلاف شعوبها-عميدًا- للأدب العربي.. حتى لقد اشتهر بلقب «الأستاذ العميد» كما اشتهر من قبله الشيخ محمد عبده بلقب «الأستاذ الإمام».
لكن الناس اختلفوا اختلافًا شديدًا-وأحيانًا حادًا- حول بعض كتابات طه حسين عن الإسلام.. ولم يكن الاختلاف مع طه حسين في بعض كتاباته عن الإسلام بسبب تمرده الشهير والمبكر على العقلية الأزهرية، ونمط الدراسة في الأزهر-الذي درس فيه.. فكثيرون من شيوخ الأزهر وخريجيه قد انتقدوا مناهج الدراسة الأزهرية، وخاضوا المعارك لتطوير هذه المناهج، حتى نجحوا في ذلك إلى حد كبير.. ولقد تبلور في حياتنا الفكرية تيار عريض لإصلاح الأزهر، بلغ ذروته بجهود الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده (١٢٦٥ - ١٣٢٣هـ - ١٨٤٩ - ١٩٠٥م).. واستمر عبر تلاميذه العظام الذين شهد الأزهر على أيديهم درجات من الإصلاح والتطوير، من مثل الشيوخ: محمد مصطفى المراغي (١٢٩٨ - ١٣٦٤هـ - ١٨٨١ - ١٩٤٥م)، ومصطفى عبدالرازق (١٣٠٢ - ١٣٦٦هـ - ١٨٨٥ - ١٩٤٦م) وعبد المجيد سليم (۱۲۹۹ - ١٣٣٤ هـ - ١٨٨٢ - ١٩٥٤م)، ومحمود شلتوت (۱۳۱۰ - ۱۳۸۳هـ - ١٨٩٣ - ١٩٦٣م)..
فلم يكن نقد الأزهر-من قبل طه حسين- رغم حدته- هو السبب في اختلاف علمائه مع الدكتور طه حسين.. كما أن هذا الاختلاف لم يقف عند علماء الأزهر، وإنما امتد بامتداد ساحات الإسلام وميادين الفكر الإسلامي..
ولعل أولى الأفكار، التي اختلف فيها الكثيرون من علماء الإسلام ومفكريه مع طه حسين، في حقل الإسلاميات، كتاباته التي حاولت علمنة الإسلام، والدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، وذلك إبان المعركة الفكرية الكبرى التي دارت حول كتاب الشيخ علي عبد الرازق (١٣٠٥ - ١٣٨٦هـ - ١٨٨٧- ١٩٦٦م) «الإسلام وأصول الحكم» سنة ١٩٢٥م.. فلقد جاء في هذا الكتاب- تحت عنوان: «رسالة لا حكم، ودين لا دولة»:
«أن محمدًا صلى الله عليه وسلم ما كان إلا رسولًا لدعوة دينية خالصة للدين، لا تشوبها نزعة ملك ولا حكومة.. ولم يقم بتأسيس مملكة، بالمعنى الذي يفهم سياسة من هذه الكلمة ومرادفاتها، ما كان إلا رسولًا كإخوانه الخالفين من الرسل، وما كان ملكًا ولا مؤسس دولة، ولا داعيًا إلى ملك.. وظواهر القرآن المجيد تؤيد القول بأن النبي لم يكن له شأن في الملك السياسي، وآياته متضافرة على أن عمله السماوي لم يتجاوز حدود البلاغ المجرد من كل معاني السلطان.. لم يكن إلا رسولًا قد خلت من قبله الرسل.. ولم يكن من عمله شيء غير إبلاغ رسالة الله تعالى إلى الناس.. وليس عليه أن يأخذ الناس بما جاءهم به، ولا أن يحملهم عليه.. كانت ولاية محمد على المؤمنين ولاية الرسالة غير مشوبة بشيء من الحكم.. هيهات هيهات، لم يكن ثمة حكومة أو دولة، ولا شيء من نزعات السياسة ولا أغراض الملوك والأمراء»!!(1)
وكانت هذه هي المرة الأولى التي يكتب فيها شيخ أزهري- وقاض شرعي- مثل هذا الكلام.. بل إن كتابات المستشرقين أنفسهم قد أجمعت على تميز الإسلام على النصرانية بأنه دين ودولة، وعبادات ومعاملات، وأخلاق وشريعة، وقيم وقانون.. وأنه- كما قال الإمام محمد عبده : «... إن للإسلام دولة.. فهو دين وشرع، كمال للشخص، وألفة في البيت، ونظام للملك.. وضع حدودًا ورسم حقوقًا.. ولا تكتمل الحكمة من تشريع الأحكام إلا إذا وجدت قوة لإقامة الحدود وتنفيذ الأحكام.. والإسلام لم يدع ما لقيصر القيصر، بل كان من شأنه أن يحاسب قيصر على ماله، ويأخذ على يده في عمله»(۲).
بل إن التحقيق العلمي لتأليف كتاب «الإسلام وأصول الحكم» قد أثبت أن لطه حسين نصيبًا في تأليف هذا الكتاب.. فلقد اعترف- بعد وفاة علي عبد الرازق- فقال:
«لقد قرأت أصول كتاب الشيخ علي عبد الرازق قبل طبعه، ثلاث مرات، وعدلت فيه كثيرًا»!!(٣).
وهكذا مثلت هذه المعركة الفكرية الكبرى- حول العلمانية.. وعلمنة الإسلام- أولى محطات الخلاف الحاد مع طه حسين في كتاباته حول الإسلام.
****
وفي العام التالي لقيام هذه المعركة الفكرية- أي سنة 1926م- أصدر الدكتور طه حسين كتابه «في الشعر الجاهلي»، الذي استخدم فيه نهج الشك الديكارتي في تحقيق نسبة كثير من الشعر الجاهلي إلى الشعراء الذين نسبت إليهم قصائده، وما كان لهذه القضية أن تثير جدلًا يذكر، ولا أن يمس الجدل حولها الدراسات الإسلامية مسًا مباشرًا، ولكن الدكتور طه حسين ذهب فشكك في عقائد ووقائع وردت في القرآن الكريم من مثل الرحلة الحجازية لأبي الأنبياء الخليل إبراهيم، وولده إسماعيل- عليهم السلام- وإقامتهما قواعد البيت الحرام!!
ولقد اعترف طه حسين نفسه بهذا التشكيك فقال: «لقد انتهيت إلى رفض قدر كبير من هذا الشعر الجاهلي. وفي إطار ذلك المسعى شككت في بعض المعتقدات.. التي ذكرت في القرآن أو في الأحاديث النبوية، وكانت الصدمة قاسية والاستنكار واسع النطاق»(٤).
وبعد معركة فكرية حامية الوطيس - صدر فيها العديد من المؤلفات التي ترد على طه حسين أفكاره، وتشكيكه، وشارك فيها أعلام من أمثال الشيخ محمد الخضر حسين ( ١٢٩٣ - ١٣٧٧ هـ - ١٨٧٦ - ١٩٥٨م) ومحمد فريد وجدي (١٢٩٥ - ١٣٧٣م - ۱۸۷۸ -١٩٥٤م) «بل وأسهم فيها زعيم الأمة، ابن الأزهر الشريف، سعد زغلول باشا (۱۲۷۳ - ١٣٤٦ هـ - ١٨٥٧ - ۱۹۲۷م) الذي علق على هذا الذي كتبه طه حسين بقوله: «وماذا علينا إذا لم يفهم البقر»؟!!
بعد هذه المعركة الفكرية الحامية والخصبة، حذف طه حسين السطور الثمانية والعشرين التي أثارت هذه الصدمة القاسية والاستنكار واسع النطاق.. وغير عنوان الكتاب فصدر معدلًا مزيدًا بعنوان «في الأدب الجاهلي».
وكانت تلك هي المحطة الثانية في الاختلاف مع طه حسين حول ما كتب عن الإسلام....
أما المحطة الثالثة في معارك هذا الخلاف، فكانت سنة ١٩٣٨م.. عندما أصدر طه حسين كتابه «مستقبل الثقافة في مصر»، وهو الذي تحدث فيه حديثًا جميلًا وعميقًا عن التعليم في مصر، لكنه أثار الجدل والخلاف عندما أسس ونظر وفلسف للتغريب والتبعية الفكرية للغرب والحضارة الأوروبية، وذلك بحديثه عن أن العقل الشرقي قد كان ولا يزال وسيظل «عقلًا يونانيًا»، وأن الإسلام والقرآن لم يغيرا من يونانية عقلنا الشرقي، كما لم تغير النصرانية وإنجيلها من يونانية العقل الأوروبي!!.. بل وذهب الدكتور طه حسين-في هذا الكتاب - إلى أننا ملزمون بأن نسير سيرة الغرب في الحكم والإدارة والتشريع.. وجاءت عباراته هذه لتقول:
«إن العقل الشرقي هو كالعقل الأوروبي، مرده إلى عناصر ثلاثة:
1. حضارة اليونان وما فيها من أدب وفلسفة وفن.
٢.وحضارة الرومان وما فيها من سياسة وفقه.
3.والمسيحية، وما فيها من دعوة إلى الخير وحث على الإحسان.
...وأن السبيل واضحة بينة مستقيمة ليس فيها عوج ولا التواء، وهي واحدة فذة ليس فيها تعدد، وهي أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم.. في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، ما يحب منها وما يكره، ما يحمد منها وما يعاب.. وأن الإسلام قد تقبل الحضارة اليونانية، فلم لا يتقبل الحضارة الفرنسية-والحضارة الغربية والفرنسية قائمتان على أساس واحد هو الحضارة اليونانية اللاتينية؟..ولقد التزمنا أمام أوروبا أن نذهب مذهبها في الحكم، ونسير مسيرتها في الإدارة، ونسلك طريقها في التشريع..ولو أننا هممنا أن نعود أدراجنا، وأن نحيي النظم العتيقة، لما وجدنا إلى ذلك سبيلًا، ولوجدنا أمامنا عقابًا لا تجاز ولا تذلل، عقابًا نقيمها نحن، لأننا حراص على التقدم والرقي وعقابًا تقيمها أوروبا لأننا عاهدناها أن نسايرها ونجاريها في طريق الحضارة الحديثة..»!!(5).
وفي نص آخر بالفرنسية. ترجم بعد وفاة الدكتور طه حسين. أخذ يسفه من الجهود التي بذلها الإمام محمد عبده في الإصلاح الديني، والتوفيق بين العلم والدين الإسلامي.. ذاهبًا إلى أننا نتجه نحو الغرب في سرعة وابتهاج، دونما التفات إلى الدين!!.. فقال: «إن العالم الإسلامي قد أصابه التغيير.. ولم يعد محمد عبده مواكبًا للعصر.. لقد صارت كل أفكاره بشأن العلم والدين بالية.. متخلفة وغير صالحة للبقاء.. وقليلون هم المسلمون الذين يهتمون بالتوفيق بين إيمانهم والمعارف التي حصلوها، وهم يندفعون بابتهاج نحو الحضارة الغربية ويتخذونها مثلًا أعلى»!!(٦).
كانت تلك هي المحطات الثلاث، التي أثمرت أهم المعارك الفكرية الكبرى بين الإسلاميين والدكتور طه حسين حول ما كتبه عن الإسلام. علاقته بالدولة.. ومرجعيته لمشاريع النهضة والتقدم والإصلاح... والتي بدأت بعدها-تدريجيًا-وفي صمت استدعاه الكبرياء الذي كان عليه عميد الأدب العربي. بدأت التحولات الفكرية الكبرى في عقل ووجدان طه حسين.. والتي أثمرت مواقف فكرية يجهلها. مع الأسف الشديد-كثير من الإسلاميين.. ويتجاهلها... مع أسف أشد. كثير من العلمانيين. الأمر الذي يستدعي تتبع التطور الفكري لهذا العلم من أعلام أدبنا وفكرنا الحديث والمعاصر... وذلك لإنصاف الحقيقة.. ولإنصاف الرجل من أنصاره وخصومه على السواء!.
الهوامش
(۱) علي عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم) ص ٦٤ - ٨٠. طبعة القاهرة، سنة ١٩٢٥م.
(۲) (الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده) دراسة وتحقيق د. محمد عمارة طبعة
القاهرة، سنة ١٩٩٣م.
(۳) د. محمد الدسوقي (طه حسين يتحدث عن أعلام عصره) ص ۷۰، ۷۱ طبعة دار المعارف، سلسلة «اقرأ». القاهرة سنة۱۹۹۲م.
(٤) د. طه حسين (من الشاطئ الآخر) ص ٦٣ ترجمة عبد الرشيد الصادق محمودي، طبعة بيروت سنة ١٩٩٠م.
(٥) د. طه حسين (مستقبل الثقافة في مصر) ج۱، ص ٢٩، ٤٥، ٢٦، ٣٧، طبعة القاهرة سنة ١٩٣٨م.
(٦) من الشاطئ الآخر، ص 36، 37.