; العبور إلى المستقبل السياسي للهند عبر الانتخابات العامة | مجلة المجتمع

العنوان العبور إلى المستقبل السياسي للهند عبر الانتخابات العامة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 01-يناير-1985

مشاهدات 51

نشر في العدد 698

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 01-يناير-1985

أسفرت نتائج انتخابات الهند العامة عن فوز حزب المؤتمر الوطني بمعظم مقاعد البرلمان كما كان من المتوقع في ضوء الظروف التي مرت بالهند في الآونة الأخيرة وخاصة بعد اغتيال أنديرا غاندي، ولا بُدَّ لنا في ضوء هذه النتائج من تقديم تحليل للعوامل التي أدت لتلك النتائج خصوصًا وأن غياب المعارضة القوية لم يكن في صالح الأقليات بمن فيهم المسلمون.. ترى ماذا سيكون موقف الهند من القضايا الدولية والمحلية؟ وكيف نستطيع تشخيص موقف المسلمين من القضايا المختلفة في ضوء الانتخابات؟ وهل يفي رئيس الوزراء الجديد بالوعد الذي أعلنه أثناء حملته الانتخابية بأنه سيعمل على توفير الأمن لكافة المواطنين بعيدًا عن النزعات العرقية والطائفية؟

سوف يستمر حزب المؤتمر الوطني في الحكم بالهند بزعامة/ راجيف غاندي بعدما فاز في الانتخابات البرلمانية العامة التي عقدت في أعقاب مقتل أنديرا غاندي. وكانت هناك ثلاثة عوامل رئيسية بارزة تشير إلى نتائج الانتخابات بوضوح، وهي:

1- مقتل أنديرا غاندي على أيدي حراسها من أفراد طائفة السيخ، ثم انفجار موجة العنف ضد السيخ من قبل الهندوس (أغلبية سكان الهند) أعطى حزبه تعاطفًا شعبيًا كبيرًا لصالح الوريث الوحيد من أسرة نهرو على الرغم أنه لم يكن ليتمتع بشخصية قوية أو حنكة سياسية تؤهله لاستلام الحكم.

2- الشعور العام لدى الهندوس بأن الخطوات الأخيرة لزعيمة حزب المؤتمر في البنجاب وكشمير بصفة خاصة تنصب في صالح الهندوس على حساب حقوق الأقليات، حيث إن العملية العسكرية في البنجاب كانت ضربة قوية لطائفة السيخ، وإسقاط حكومة فاروق عبد الله في كشمير (الولاية الوحيدة ذات الأغلبية الإسلامية) كانت تمهيدًا للقضاء على الامتيازات الخاصة الدستورية للولاية بسبب الخلاف مع باكستان في موضوع الاستفتاء الشعبي حول مصير الولاية، كما تجلت واضحًا في عدة مواقف حكومية رغبة استمالة الأغلبية ولو على حساب الأقليات.

3- انعدام الجبهة المعارضة الموحدة بسبب تناحر الأحزاب السياسية المستمر فيما بينها منذ فوزها في الوصول إلى الحكم عام 1977م وفقدان مصداقيتها بهذا السبب ومخاوف المسلمين المتزايدة بصفة خاصة نحو الأحزاب التي تتكون من عناصر متطرفة إرهابية تنادي بقتل المسلمين وتشريدهم من الهند علنًا كمنظمتي أرايس آيس وجن سنغ ويتكون منهما «حزب بهارتيه جاناتا بارتي».

هذا إلى جانب ما كان يملكه الحزب الحاكم من أجهزة النشر والدعاية والإمكانات المالية الوفيرة والسلطة الكاملة للإشراف على عملية الاقتراع وفرز الأصوات.

مستقبل الأوضاع السياسية:

والآن بعدما أصبح استمرار الحزب الحاكم في السلطة أمرًا واقعًا ماذا سيكون مستقبل الوضع في الهند؟ ثم ماذا سيكون مستقبل المسلمين الذين يشكلون أكبر عدد بعد الهندوس بين سكان الهند البالغ عددهم «730» مليون نسمة، ويعانون من مشاكل سياسية واقتصادية كثيرة، وماذا سوف يكون موقف الهند من القضايا الدولية؟

السياسة الخارجية:

على الأغلب لن يحدث أي تعديل جوهري في مواقف الهند الخارجية، فهي تبقى زعيمة حركة عدم الانحياز رغم تحالفها العسكري مع الاتحاد السوفيتي، ودون أن يكون لها دور مؤثر في مأساة الشعب الأفغاني أو حرب الخليج. كما أن علاقاتها تبقى متوترة مع باكستان إذ هي الورقة الرابحة في يد كل هندوسي يحكم الهند، وبها ترتبط مصالح القوى الكبرى في المنطقة، كما أن التحرشات ضد باكستان تصرف نظر الشعب الهندي عن واقع الفقر والجوع والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية الحادة التي يعاني منها.

القضايا الداخلية:

أما على الساحة الداخلية فسوف تكون معضلة البنجاب وأسام محك اختبار صعب لرئيس الوزراء الجديد، وإن الفوز الحالي في الانتخابات ليس له فيه أي دور يذكر، بل إن الرصاصة التي أودت بحياة أنديرا غاندي هي التي أوصلته إلى الحكم وغطت كافة الاعتبارات الأخرى.

المسلمون والانتخابات البرلمانية:

يشارك المسلمون في الانتخابات العامة، وما من حزب سياسي إلا وفيه عناصر مسلمة دون تخطيط مستقبلي سليم، وهذا يدل على فقد ثقة المسلمين بكل حزب من ناحية، وفقد الزعامة المخلصة التي تحرص على مصالح المسلمين وتحاول توجيههم توجيها سليمًا في القضايا السياسية من ناحية ثانية. اللهم إلا اللاعبون السياسيون الذين ينادونهم لإدلاء الأصوات لصالح هذا الحزب أو ذاك لتحقيق مصالحهم في إحراز المقاعد والحصول على المناصب حينما يجب توزيع الأصوات بشكل يضمن لهم الحفاظ على كيانهم ومواجهة عملية التذويب في المجتمع الهندوسي والحكومة ذات الأغلبية الساحقة لأي حزب كانت لن تكون في صالح المسلمين أو صالح سائر الأقليات، وإن بقاء المعارضة القوية هو الحل الوحيد لمشاكل الأقليات في بلد كالهند ذات الأديان والأعراف المتضاربة المتنافرة.

اتجاهات المسلمين في الانتخابات الحالية:

من المؤسف حقًّا أن يكون ما يزيد عن «70» عضوًا في برلمان الهند من المسلمين ودون أن يكون لهم صوت قوي أو تأثير في مجرى الأحداث، وفي الانتخابات الحالية تجلت اتجاهات المسلمين كالتالي وكانت الغالبية من أصوات المسلمين قد ذهبت لصالح حزب المؤتمر بطبيعة الحال.

1- نادي القوميون التقليديون من أعضاء حزب المؤتمر الوطني من المسلمين بالتصويت في صالح الحزب الحاكم دون قيد أو شرط وبالغوا في القول بأنه هو الحزب الوحيد الذي يراعي مصالح المسلمين، وموقف هؤلاء القوميين له جذور تاريخية، يعرفها كل من له إلمام بتاريخ الهند، فهم عارضوا نشأة دولة باكستان، وتغنوا طويلًا بالقومية الهندية وما زالوا يشاركون زعماء الهند في تفويض باكستان والقضاء عليها، ولهم تأیید مطلق لحزب المؤتمر سواء في قضية كشمير أو أمر فصل الجناح الشرقي من باكستان، ولا يسمع صوت هؤلاء الزعماء إلا قبيل الانتخابات. أما في الاحداث الدامية ضد المسلمين فهم يلتزمون الصمت ويبررون مواقف الحكومة ويبرئونها من كل المسئوليات وكان من المنادين إلى هذا الاتجاه عضو مجلس الشيوخ النائب أسعد مدني كما نقلت الصحف الهندية.

2- قام بعض الزعماء المسلمين وفي طليعتهم إمام المسجد الجامع في دلهي السيد/ عبد الله البخاري بالدعوة إلى رفض ومقاطعة الحزب الحاكم نظرًا إلى استمرار المذابح طوال فترة حكمه، غير أن عدم اقتراح البديل وتجربة المسلمين المريرة مع بعض أحزاب المعارضة جعلت هذا الصوت كصرخة في واد.

3- برز لأول مرة تجاه ثالث من خلال إعلان المجلس الإسلامي الاستشاري لعموم الهند الذي يتكون من جماعات إسلامية مختلفة تدعو لانتخاب الأشخاص دون الأحزاب عملًا بمبدأ «أهون الشرين» وهذا الإعلان وإن كان مناسبًا غير أنه لم يجد جهدًا كافيًا لتحقيق هذا الهدف، وبقي كتوجيه ليس وراءه نشاط مكثف، وكان المجلس قد أعلن أسماء «67» شخصًا من الأحزاب المختلفة. «32» منهم من المسلمين.

على أن الأيام القليلة القادمة سوف تكشف حقيقة الحكومة الجديدة بزعامة راجيف غاندي ومدى حديثه في توفير الأمن لكافة المواطنين وإيقاف المذابح التي تدبر بحق المسلمين، ويجب ألا يغيب عن البال أن غياب المعارضة القوية يشكل خطرًا لحقوق الأقليات كما يشكل تهديدًا للخط الديمقراطي نفسه الذي ترى الهند أنها اختارته عن قناعة. وقد شاهد رئيس وزراء الهند بأم عينه أن الظلم لا يدوم وأن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، وأن الخط المعادي للأقليات يعطي الفرصة للمعارضة خاصة في الولايات الثلاث كشمير، وأندرابراديش وبنغال الغربية التي كانت نتائج الانتخابات فيها في صالح المعارضة.. إلى جانب ولايتي بنجاب وأسام، حيث أجلت فيها الانتخابات بسبب الوضع المتفاقم.

وفي النهاية لا يسعنا إلا أن نناشد إخواننا المسلمين في الهند العمل على توحيد صفهم والحفاظ على كيانهم المتميز واضعين مصالح المسلمين فوق كل الاعتبارات.

الرابط المختصر :