العنوان العداء اليهودي للرسالة والرسول ﷺ
الكاتب علي تني العجمي
تاريخ النشر الثلاثاء 11-نوفمبر-1997
مشاهدات 69
نشر في العدد 1275
نشر في الصفحة 59
الثلاثاء 11-نوفمبر-1997
يهود بني قريظة يقترفون أبشع أنواع الخيانة العسكرية في التاريخ
ذكرنا في الحلقة الماضية أن جموع الأحزاب التي ألبها اليهود قد حاصروا المدينة التي حفر الصحابة حولها خندقًا فيما عدا جهة بني قريظة المعاهدين غير أن أمرًا ما قد حدث فما هو يا ترى بالضبط.
خرج عدو الله حيي بن أخطب حتى أتي كعب ابن أسد القرظي وكان وادع رسول الله على قومه، فأغلق كعب دونه باب حصنه، وأبي أن يفتح له، وقال ويحك يا حيي إنك امرؤ مشؤوم وإني قد عاهدت محمدا، فلست بناقض ما بيني وبينه، فإني لم أرَ منه إلا وفاءً وصدقًا، ولم يزل به حتى فتح له فقال: ويلك يا كعب جنتك بعز الدهر، جنتك بقريش حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال ومن دونه غطفان وقد عاهدوني على ألا يبرحوا حتى نستأصل محمدًا ومن معه، فقال له كعب: جئتني والله بذل الدهر، وبجهام (۱) قد هراق ماؤه، يرعد ويبرق وليس فيه شيء، ويحك يا حيي، دعني وما أنا عليه فإني لم أر من محمد إلا صدقًا ووفاءً ولم يزل به يقتله في الذروة والغارب حتى نقض عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله (۲).
الرسول يتأكد من غدرهم
بعث رسول الله الزبير بن العوام ليأتيه بخبر القوم ولما علم بغدرهم أراد أن يتأكد أكثر ويستوثق ليحتاط للأمر فبعث سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ومعهما عبد الله بن رواحة وخوات بن جبير ليستطلعوا الخبر وما أن رأى اليهود الوفد حتى بدأوا يجاهرون بالعداوة ويسبون النبي ويبراون مما بينه وبينهم من العهود والمواثيق، فعاد الصحابة وقد وجدوا اليهود على أخبث ما هم عليه فأخبروا النبي ولحنوا له لحنًا فهم منهم مرادهم.
وتتجلى في هذا الموقف حكمة النبي في جانبين؛ أولهما حسن اختيار الوقد إذ بعث إلى اليهود حلفاهم ومواليهم من الأنصار الذين أصبحوا سادة المجتمع المدني، حتى إذا أخذوا بغدرهم كان أخذهم بيد من كانوا يرتبطون بهم ويدافعون عنهم.
والجانب الثاني هو حرص النبي في عدم تسرب الخبر إلى الجيش حتى لا يؤثر على معنويات المقاتلين فقد طلب منهم أن يلحنوا له لحنا يعرف به حال اليهود في هذه الأثناء التي بلغت القلوب فيها الحناجر كما صورها القرآن كان نعيم بن مسعود الأشجعي قد أسلم دون علم المشركين فمشى بين قريش وغطفان وأبلغ هؤلاء عن هؤلاء كلامًا، وهؤلاء عن هؤلاء كلامًا، يرى كل حزب منهم أنه ينصح له فقبلوا قوله، واستوحش كل حزب من صاحبه، وطلبت قريظة من قريش الرهن حتى يخرجوا فيقاتلوا معهم، فأبت قريش واتهموهم وتعللت قريظة بالسبت، وقالوا لا نقاتل فيه، وبعث الله الريح السبت ففعلت بالمشركين ما فعلت لا تقر
لهم بناء ولا قدرا (۳).
وبعد أن ولت جموع الأحزاب إلى غير رجعة قال النبي : «الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم» (٤) ثم إن جبريل قد أتى النبي ظهر اليوم التالي يأمره بالمسير إلى بني قريظة لإنزال قصاص الله العادل فيهم فأمر النبي الصحابة بالمسير إليهم قائلًا: «ألا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» رواه البخاري عن ابن عمر، وفي رواية مسلم عن عبد الله أن «لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة»، فسارت الجموع المؤمنة لتنزل بالخونة قضاء الله العادل فأدركتهم صلاة العصر في الطريق فمنهم من صلاها ومنهم من آخرها حتى وصلوا إلى بني قريظة بعد غروب الشمس.
إن قمة العدالة تتجلى في هذا الدين حتى مع أعدائه فقد نزل النبي على رغبة بني قريظة حين اختاروا سعد بن معاذ زعيم الأوس حلفائهم التقليديين في الجاهلية، ليحكم فيهم وكان جريحًا رضي الله عنه وأرضاه من سهم أصابه في الخندق فأتي به محمولًا على حمار فلما دنا قال رسول الله : (قوموا إلى سيدكم)، فجلس إلى رسول الله لا ينظر إليه إجلالًا ومحبة ومهابة فقال له: «إن هؤلاء نزلوا على حكمك قال: فإني أحكم أن تقتل المقاتلة وأن تسبي الذرية، قال: لقد حكمت فيهم بحكم الملك» متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري، وأمر بيهود بني قريظة بعد نزولهم من الحصن فكتفوا ونحوا ناحية، والنساء والذرية ناحية، فأدخلوا المدينة وحفر لهم أخدود في السوق، وجلس عليه الصلاة والسلام ومعه أصحابه، وأخرجوا إليه فضربت أعناقهم، ضربها علي والزبير وأسلم الأنصاري.
ولم يقتل من نساء بني قريظة إلا امرأة واحدة كانت قد طرحت الرحى على خلاد بن سويد فقتلته كما قال ابن هشام، وكان بنو قريظة المحتجزون في السجن مع سيدهم كعب بن أسد كلما استدعى الحرس منهم جماعة لإعدامهم، لاذوا بسيدهم كعب يسألونه في جزع ما تراه يصنع بناء فيجيبهم أفي كل موطن لا تعقلون ألا ترون الداعي لا ينزع وأنه من ذهب منكم لا يرجع هو والله القتل.
وقد نجا من بني قريظة رجل واحد قد أبي الاشتراك في جريمة خيانة المسلمين، وأسلم واسمه عمرو بن سعد القرظي.
الرد على مثيري الشبه
آثار بعض المصطادين في الماء العكر شبهة مفادها أن إعدام بني قريظة على ذلك النحو ينم عن وحشية، وهذا الحكم لا يصدر إلا ممن يؤثرون عزل المقدمات عن نتائجها فيتعاملون مع النتائج وينسون أسبابها وسنكتفي في الرد على هؤلاء بشهادة كبار منصفي الغرب وتتناول أحدهم وهو «مونتجمري وات»؛ حيث يقول: «لقد انتقد بعض الأوروبيين الحكم الصادر بحق بني قريظة ووصفوه بالهمجية وقد اندهش بعض معاصري محمد لعدم اكتراثه بالعواقب التي قد تنتج عن قتل بني قريظة إلا أن عمل هذه القبيلة أثناء محاصرة المدينة كان يعتبر ناقضًا للمعاهدة المبرمة مع محمد ولا داعي للافتراض بأن محمدًا قد ضغط على سعد بن معاذ لينزل هذه العقوبة ببني قريظة فإن رجلا بعيد النظر كسعد لا بد أنه أدرك أن طغيان الولاء القبلي على الولاء الإسلامي سيجدد المعارك الدموية التي جاءوا - يقصد الأوس والخزرج - بمحمد لينقذهم منها ويقال إنه عندما مثل أمام محمد لينفذ حكمه أشار سعد إلى أن قرب نهايته يحتم عليه أولًا القيام بواجبه تجاه ربه والجماعة الإسلامية حتى على حساب الأحلاف القديمة»(٥).
وهناك أمر يجدر الالتفات إليه وهو إبقاؤه ليهود خيبر في المدينة وذلك أنه يدل على أن الإسلام لا يأخذ المسالم بجريرة المعتدي فالذين اعتدوا هم بنو قريظة؛ لذا استحقوا هذه العقوبة القاسية التي كانت تقابل جرمهم الذي كان شنيعًا لو سارت الأمور كما يريدون فهل هناك جرم أكبر من استئصال دولة بأكملها بلا ذنب ولا جريرة، وهذا ما أشرنا إليه أنفًا من الحكم على النتيجة وترك السبب الذي أدى إليها، ويبدو بعد ذلك أن يهود خيبر قد داخلهم في أنفسهم شيء من مقتل إخوانهم وهذا ما دعا النبي الله إلى المبادرة إليهم للقضاء على آخر معاقل اليهود في الجزيرة العربية.
الهوامش
(۱) هو السحاب الخفيف لا ماء فيه.
(۲) اليهود والخيانة د. سعد المرصفي، ص ١٢ بتصرف
(۳) المرجع السابق ص ٣٣ بتصرف.
(٤) البخاري عن سليمان بن صرد رضي الله عنه.
(5) محاكمة اليهود د. سعد المرصفي، ص ٣٤
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل