العنوان العدوان الروسي على الشيشان نيات مبيتة سبقت ثورة داغستان
الكاتب عبدالباقي خليفه
تاريخ النشر الثلاثاء 02-نوفمبر-1999
مشاهدات 62
نشر في العدد 1374
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 02-نوفمبر-1999
بشاعة العدوان تستهدف القضاء على حلم الدولة المستقلة وإعادة مسلمي القوقاز إلى حظيرة موسكو
الغرب متورط في العدوان من خلال قروضه التي أحيت الجيش الروسي من موات
استمرار العدوان الروسي على الشيشان حتى هذه اللحظة بهذا الشكل من البشاعة والإجرام يجعل المراقبين يتشككون في نيات موسكو من وراء هذا العدوان الغاشم ويربطون ما بينه وبين تطورات الساحة العالمية التي تستهدف إعادة تقسيم مناطق النفوذ في العالم بحيث يساق مسلمو القوقاز مرة أخرى إلى حظيرة موسكو، ويجهض حلم المسلمين في المنطقة بالتحرر من نير الروس، وإقامة الدولة المستقلة فضلاً عن إفقار المنطقة وإذلالها في وقت يطرح فيه كثير من الساسة الغربيين فكرة إعادة الاستعمار العسكري لدول العالم الإسلامي مرة أخرى.
في عام ١٩٩٦م أجرى الجنرال ألكسندر ليبيد محادثات مع الزعيم الشيشاني أصلان مسعادوف تمخضت عن اتفاقية ٢٣ نوفمبر ١٩٩٦م التي كان الرئيس الروسي بوريس يلتسين آنذاك مضطرًّا لتوقيعها والتي تضمنت الانسحاب من الأراضي الشيشانية وتهيئة الأوضاع الاستقلال الشيشان بنهاية هذا العام ١٩٩٩م.
ثم لم تكن روسيا صادقة في قناعاتها حين وقعت اتفاقية ١٢ مايو ۱۹۹۷م والتي تؤكد أن حق تقرير المصير بالنسبة للشيشان يجب أن يتم قبل عام ٢٠٠١م على أساس القانون الدولي كان الروس ومنهم الرئيس يلتسين يمارسون الخداع مع أصلان مسعادوف والشعب الشيشاني، إذ أوهم مسعادوف بأن روسيا لا تنوي الاحتفاظ بالشيشان بعد الهزيمة المرة التي منيت بها القوات الروسية واضطرتها للانسحاب تجر خلفها أذيال الخيبة والخسران، كان مسعادوف يظن أنها مسألة وقت ثم تحصل الشيشان على استقلالها، وكان الروس يلعقون جراحهم بعد فقدهم ثمانين ألف جندي في الشيشان (١٩٩٤م . ١٩٩٦م) ويسرون في أنفسهم نية العدوان ويعدون للانتقام عدته بدقة، إذن العدوان مبيت وليس- كما يقال- رد فعل تلقائيًّا على أحداث داغستان وتفجيرات موسكو التي تبدو من حيث توقيتها ومن حيث تكتيكها مختلفة ومصطنعة، ومن المحتمل أن يكون المخلصون لمبدأ الجهاد ضحايا فخ نصب لهم بعناية فوقعوا فيه بحسن نية.
وربما كانت التفجيرات من صنع المخابرات الروسية لإثارة الرأي العام وحشده وراء مغامرة بوتين في الشيشان، برغم أن مسعادوف أعلن منذ اليوم الأول أن بلاده لا تتحمل مسؤولية ما يحصل في داغستان، وأن شامل باسييف مجرد متطوع لا يمثل حكومة الشيشان، فمسعادوف غير مقتنع بأي عمل يكون نتيجة رغبة جامحة أو بتنسيق مع مناوئين للحكومة الروسية من داخل روسيا بدون تقدير للزمان والمكان والإمكانات.
تبرير غير مقبول
ومهما يكن من أمر فإن التبرير الروسي ليس مقبولًا، إذ إن مجرد وجود مقاتلين شيشانيين في أراضي داغستان لا يحمل الشيشان وقيادتهم المسؤولية، حيث لم تدفعهم ولم ترض بعملهم ولم تدعمهم، ولو تم دعمهم من قبل حكومة مسعادوف لما استطاعت روسيا الدخول بالسرعة والقوة الغاشمة التي داهمت بها الشيشان، وربما انحسر القتال في داغستان ولم يتجاوزه إلى جروزني، لكن القيادة رفضت التورط ودعت مواطنيها للانسحاب على لسان مسعادوف في التاسع من سبتمبر، الأمر الذي لم تفعله روسيا تجاه المتطوعين الروس في البوسنة وكوسوفا ومعروف أنه في حروب التحرير - كالتي حدثت في القوقاز والبلقان واسيا - يشارك متطوعون في الحروب ولم نسمع أن دولًا أعلنت الحرب على دول شارك مواطنوها بمحض إرادتهم في تلك الحروب وإلا لكانت روسيا واحدة من هذه الدول التي تستحق العقاب، إذ إن ألافًا من مواطنيها تطوعوا لمشاركة الصرب في عدوانهم على المسلمين في البوسنة وكوسوفا ضد الألبان ثم ضد حلف الناتو، ولا يمكن أن تطالب روسيا الشيشان بما لم تلتزم هي به لقد أرادت روسيا من مسعادوف أن يتحول إلى عرفات والشيشان إلى سلطة الحكم الذاتي.
ومما يكشف فرضية ربط الغزو الروسي للشيشان بأحداث داغستان وتفجيرات موسكو تلك التحذيرات التي أعلنتها جروزني في أواخر شهر يوليو قبل الأحداث التي أفادت بأن روسيا على وشك غزو الشيشان بناء على مصادر تلقتها من داخل المؤسسات السيادية في موسكو، فمنذ عام ١٩٩٦م كانت روسيا تعد للعدوان الجديد برصد الإمكانات المادية والمالية لهذا الغرض ومراقبة الأوضاع الاقتصادية والعسكرية والسياسية وحتى الثقافية والاجتماعية في الشيشان ورصد نقاط القوة والضعف في المجالات المذكورة لاستغلالها أو ضربها.
الإعداد للعدوان
في أغسطس الماضي حشدت روسيا قوة عسكرية تتألف من ٧٥ الف جندي مدججين بالسلاح تدعمهم ٦٠٠ دبابة و ٢٢٠٠ عربة مصفحة وألف راجمة صواريخ 12.B.M ومدافع ثقيلة ووضعت تلك القوات في حالة استنفار، ثم بدأت روسيا كأنها ستواجه الأطلسي (الناتو) بعد الحشود الهائلة التي كانت تجمعها من مختلف أنحاء القوقاز وروسيا، وتدفع بها في اتجاه الحدود مع الشيشان، فهل بقي بعد ذلك أدنى شك في النيات المبيتة للروس وهل تم الآن فك الارتباط بين أحداث داغستان وتفجيرات موسكو، إذ يمكن اعتبار أحداث داغستان ردًا على الحشود الروسية وليس سببًا لها .
وهذا ما يؤكده تسلسل الأحداث وبالتالي فالمجاهدون ليسوا إرهابيين ولامتهورين ولا عملاء وإنما مناضلون من أجل الحرية والاستقلال والكرامة الإنسانية التي مرغها الروس في التراب من خلال القصف والتهجير والإبادة وعوض أن تمضي روسيا في تعهداتها ومنها الاعتراف باستقلال الشيشان تعلصت من التزاماتها وعادت لسياساتها العسكرية ودشنت عدوانها الجديد بغارات جوية تنفذها أقوى المقاتلات الروسية وذلك منذ الخامس من سبتمبر الماضي وحتى هذه اللحظة، صابة جام عنفها وإرهابها وجبروتها وهمجيتها الوحشية على الأحياء والمطارات و معطيات الإرسال الإذاعي والتلفازي، ومصافي النفط، والمباني السكنية. والجسور والمصانع، والأسواق، والمحلات العامة مما أسفر عن مقتل ما يزيد على الفي قتيل وثمانية آلاف جريح وتشريد ما لا يقل عن مائتي ألف نسمة وتتزايد الأعداد كل دقيقة ما بين قتلى وجرحى ومشردين، وظهرت الأهداف الروسية الحقيقية وهي إعادة احتلال الشيشان، وليس تعقب المقاتلين ثم القضاء على حلم الاستقلال وليس (الإرهاب) وعلى الحريات العامة وعلى الدعوة الإسلامية في الشيشان.
أهداف العدوان الروسي
تدور التفسيرات الدولية في فلك التعمية وتمارس نوعًا من التعتيم الإعلامي بدعوى الحيرة بخصوص الأهداف الروسية في الشيشان هل هي الإقامة حزام أمني أم احتلال إسقاط أصلان جروزني أم الشيشان أم! مسعادوف وإقامة حكومة عميلة بديلة أم ذلك كله حسب ما تسمح به ظروف الحرب؟ أم لإعادة الإمبراطورية الروسية التي انطلقت قبل نحو مائتي سنة تعيث فساداً في القوقاز وتسيل انهار الدماء وتقضي على المساجد والمدارس والحرث والنسل وتخضع الملايين من المسلمين لسلطانها الغاشم، أم لتحقيق أهداف انتخابية وكسر شوكة المسلمين في الشيشان والتغطية على الفضائح المالية البالغة ٢٥٠ بليون دولار والمتورط فيها الرئيس يلتسين وعائلته ورئيس وزرائه بوتين ولاشك في أن كل ما ذكرناه حاضر في استراتيجية العدوان الروسي الجديد إلا أن أهداف الروس برغم فظاعتها وجسامتها لا تقف عند هذه الحدود بل تتعداها إلى أبعد من ذلك وهو بسط نفوذها على كامل منطقة القوقاز والحد من سلطات الحكومات المحلية وإعادة الحكم المركزي الذي كان سائدًا إبان الحكم الإمبراطوري والشيوعي مع فارق هو جعل الروس أصحاب الكلمة الأولى والأخيرة في تلك المقاطعات وذلك لتحقيق أهداف عدة منها:
أولًا: القضاء على الصحوة الإسلامية في تلك المناطق التي شهدت نموًّا لفت نظر المراقبين فبعد ٧٥ سنة من الشيوعية وقبلها ما يزيد على قرن من الاحتلال الإمبراطوري الروسي ترتفع أصوات تلك الشعوب تنادي بالوحدة وإقامة الدولة الإسلامية، لذلك رفعت روسيا مؤخرًا شعار القضاء على الإرهاب الدولي، وهو ما أصبح مطلبًا عالميًّا.
ثانيًا: إعادة السيطرة على مقدرات الشعوب الإسلامية وإفقارها ونقل خيرات بلادها لإنعاش اقتصاد الروس، والوضع المعيشي للروس فقط وتأهيلهم للمشاركة في النهب خاصة أن الشعوب الإسلامية تزخر أراضيها بالمواد الخام كالنفط والذهب والألماس والأحجار الكريمة والحديد واليورانيوم بكميات تجارية ومنها ما اكتشف حديثاً، وقد أعلن عن وجود مخزون كبير من النفط في الشيشان.
ثالثًا: القضاء على تطلع المسلمين للوحدة في منطقة القوقاز مما يجعل لهم دولة إسلامية كبيرة يحسب لها حساب في المعادلات الدولية خاصة أنهم يتطلعون لإعادة تأسيس دولة الشيشان التاريخية الكبرى التي أقامها الإمام شامل.
رابعًا: الاقتراب الروسي من الدول الإسلامية المتاخمة والتدخل في شؤونها الداخلية بالتنسيق مع الهندوس واليهود وربما الاتحاد الأوروبي وأمريكا من أجل إضعاف الدول الإسلامية والنيل من اقتصادها واحتواء قراراتها وابتزازها وحتى القضاء عليها كما تفعل روسيا في الشيشان، وكانت دول إسلامية قد احتلت تحت ذريعة سداد الديون وأخرى تحت ذريعة الحماية وكل ذلك لا يزال قائمًا إضافة الحقوق الإنسان والديمقراطية والقضاء على الإرهاب ولا يخفى مستوى العلاقة الروسية الهندية والروسية اليهودية، وغيرها من الأدوار التي يمكن أن تسند لروسيا مستقبلًا كعدو تاريخي للمسلمين وهو السيناريو نفسه في البلقان والقوقاز والمشرق الإسلامي.
الوجه الآخر ل “المؤامرة”
يعتبر عدم اعتراف العالم بدولة الشيشان مشاركة في مؤامرة العدوان، فلو اعترف العالم بدولة الشيشان دولة مستقلة لحسبت روسيا حسابها، ولا متنعت من غزو دولة مستقلة والمتمعن في مواقف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يرى بونًا شاسعًا بين مواقفها من الشيشان ومواقفها من قضية تيمور فهناك انحياز ضد المسلمين وإجحاف في حقهم فكوسوفا التي تبلغ مساحتها أضعاف مساحة تيمور ويفوق عدد أفراد شعبها عدد سكان تيمور عشر مرات تقريبًا يضن عليها بالاستقلال وتأتي زيارة ساعي البريد الدولي، كوفي عنان الكوسوفا لتؤكد هذا الموقف الغربي وهي أنه لا مجال الاستقلال كوسوفا مع أن كوسوفا مؤهلة لتكون دولة أكثر من تأهل تيمور وكذلك الأمر لاثني عشر مليونًا من المسلمين في كشمير بينهم نصف مليون جندي هندوسي فالغرب لا تحركه إلا مصالحة الخاصة التي تأخذ شكل مؤامرات في أغلب الأحيان، حتى وإن تقمص عباءة الديمقراطية وحقوق الإنسان والدفاع عن المدنيين فها هم المدنيون في الشيشان يقصفون ويقتلون ولكن لا حياة لمن تنادي.
ولعلنا نذهب إلى أبعد من ذلك فنؤكد أن صندوق النقد الدولي الغربي قد مول عمليات الجيش الروسي في الشيشان بمنح روسيا ١٥ بليون دولار بعدما كاد الجيش الروسي يهلك جوعًا وثار بعضه وقتل ضابطًا وقادة وأخليت بواخر عسكرية وحاملات طائرات وخفض عدد جنود الأساطيل وتوقف سداد الرواتب فمن أعاد الحياة للجندي الروسي والآلة العسكرية الروسية لتحصد المسلمين غير الغرب ومما يؤكد تورط الغرب أن يعقد اجتماع الدول الصناعية السبع واللجان الأمنية الغربية في موسكو للتدليل على أن ما يحدث في الشيشان يؤيده الجميع.