العنوان العراق اليوم
الكاتب ا. محمد سالم الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يوليو-2014
مشاهدات 131
نشر في العدد 2073
نشر في الصفحة 82
الثلاثاء 01-يوليو-2014
يعيش العالم العربي موجة من التغييرات الثورية والتحولات في ميزان القوى لا تكاد تشتعل منطقة منها بالأحداث وينشغل الناس بها وهم لا يعرفون ما هي نهايتها ومساراتها، إلا وتشتعل بقعة أخرى بنار أشد اشتعالاً وتفجيراً واحتراباً بالمجتمع والناس، وهي كالسفينة في بحر تتقاذفها الأمواج والرياح في يوم عاصف.
في العراق اليوم ثورة على الطغيان الطائفي الذي أنتجه «المالكي» ومليشياته منذ أن ولي رئاسة الحكومة، هذه التحولات الثورية الجديدة في العراق تترك الحليم حيران، فتقدُّم المجاميع الثورية السُّنية العشائرية ومنها قوى المقاومة وما أطلق عليه «داعش» (دولة العراق والشام)، وتقهقر الجيش العراقي الذي أسسه الحكم الطائفي في العراق، وأنه يصعب فهمها وما يحدث عن هذا التغيير الثوري المسلح، وأيضاً تعذر فهم المواقف السياسية الداخلية والفتاوى الدينية في العراق تجاه الحدث، وما هو الموقف الدولي للولايات المتحدة والأطراف الدولية والمواقف الإقليمية لدول الخليج وتركيا وإيران.
لقد اختلطت الرواية عند المشاهدين والمؤيدين والمعارضين على جميع الجهات، انهيار لمنظومة عسكرية وسياسية تم تأسيسها منذ عام 2003م عند احتلال الولايات المتحدة للعراق وتعيينها للشيعة والتيار الديني السياسي .......... مفوضاً لمصالح الولايات المتحدة، ولفك التشابك ومحاولة تسكين المشهد سياسياً وميدانياً لا بد من فرز الموقف وتحليله وفق المستويات الثلاثة:
الأول: فهم الحالة السياسية في العراق.
والثاني: فهم المعادلة السياسية.
والثالث: النظر في الرؤية الإستراتيجية للعراق.
أولاً: الحالة السياسية في العراق:
منذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003م وإلى اليوم لم تستقر الحالة السياسية في العراق في إطار نظام سياسي مستقر، وإنما تم تشكيل حالة من «الصندقة السياسية» أي حالة احتواء وتطهير سياسي - احترابي محلي»، ولكن في إطار التدافع المنضبط تحت إطار صراع النفوذ «الأمريكي - الإيراني».
يعني حالة سيولة سياسية احترابية يقوم بها المكون السياسي والديني الشيعي، لتطهير الدولة وبأدوات الدولة وتحت ظلال الثورة من المكون الاجتماعي السُّني الذي حكم العراق الحديث عقوداً من الزمان واجتثاثه من عمق الدولة في الجيش والمؤسسات الحكومية والمدنية والقرار السياسي والتهميش اجتماعياً واقتصادياً، وتحويل المكون السُّني إلى مواطنين من الدرجة الثانية، وكانت بمراحل بدأها الجعفري، ثم المالكي الذي تصدى لهذه الغاية، ليجذر سيطرة الحزب الواحد «حزب الدعوة» كبديل عن «حزب البعث» مع جبهة واسعة من الأحزاب السياسية الشيعية وبعض المكونات السياسية السُّنية شبيهة بالجبهة الوطنية الديمقراطية في سورية، إذ إن حزب البعث السوري هو الحاكم الحقيقي بالاتكاء على الطائفة العلوية وهو النموذج القائد للمالكي.
وفي نفس الوقت، أرسى حالة من العلاقات المصلحية والتفاهم مع الولايات المتحدة تضمن مصالحها من حيث انسيابية النفط والأسعار المناسبة، وعدم تمكين العراق من جيش مهدد للمنطقة، وخصوصاً «إسرائيل»، ونظام متفاهم مع الإيرانيين.
ولكن حالة التهميش والاحتراب وُوجهت في مراحل متعددة من المقاومة العراقية تبعتها «القاعدة»، وقد ضعفت المقاومة بعد تأسيس الصحوات لمواجهة «القاعدة»، وتوقفت بعد الانسحاب الأمريكي عام 2011م ودخول القوى السياسية السُّنية الفاعلة في العملية السياسية التي أوصلت لحالة التهميش والعنف للمناطق السُّنية والمكون السُّني في العراق، واتبع المالكي سياسة الأرض المحروقة وقانون الإرهاب الذي صفى به كل الرموز السُّنية المعارضة، ثم اتجه نحو التمكين الميداني والسيطرة على الجغرافية السُّنية العراقية، وتحطيم الاقتصاد والخدمات الأساسية فيها، وصاحب ذلك سحق الشخصية السُّنية بالانتهاكات الأخلاقية، انطلاقاً لقبول السُّنة بالمواطنة من الدرجة الثانية، هذا أدى إلى انطلاق حراك شعبي مضاد عام 2013م في المناطق السُّنية في الأنبار وديالى والموصل، وكان هذا الحراك هو الورقة الأخيرة ليستعيد السُّنة حقوقهم السياسية والإنسانية كمواطنين عراقيين، إلا أن خطة المالكي في مواجهة هذا الحراك عسكرياً أدت لثورة العشائر، وتدخل «داعش»، في كر وفر بين الجهتين، وإلى حالة من الفوضى، إذ إن انطباق المصالح وتناقضها - من جهة أخرى - أدى إلى مد وجزر في استمرار الحالة الضبابية للموقف الميداني على الأرض، لكن هذا الموقف الميداني شكل حالة نهوض وفرصة للقوى العشائرية والثورية وكتائب المقاومة التي تأسست لتقوم بنهضة عسكرية وميدانية لمواجهة خطة المالكي.
والمفاجأة أن الجيش العراقي الذي أسسه المالكي قد انهار بسبب طبيعة تكوينه، إذ ينقصه الاحتراف الحقيقي، والعقيدة القتالية العسكرية، فانهزم في أول احتكاك ميداني حقيقي مع «داعش» في الموصل؛ مما شجع ثوار العشائر والمقاومة (فصائل دينية)، وجيش النقشبندية (بعث العراق) إلى الاستفادة من التحركات الميدانية والسيطرة على المواقع الحيوية في الموصل وديالى والأنبار وأطارف من حزام بغداد الجنوبي.
لقد أدى هذا الموقف إلى:
- تهميش الحالة السياسية والاتجاه نحو الحسم الميداني لكل الأطراف.
- تصعيد في الخطاب والحشد الطائفي في كل الجهات.
- استعداد جميع الأطراف إلى العسكرة لحسم معركة بغداد المتوقعة.
- تغيير نسبي طفيف في موازين القوى الميدانية لصالح المحتوى السُّني والكردي.
- استمرار حالة اللا استقرار السياسي والميداني في المناطق السُّنية والشيعية.
ثانياً: فهم المعادلة السياسية:
وهي نتاج تفاعل صراع أو تحالف القوى الإقليمية والدولية نحو المصالح المشتركة.
فالمعادلة السياسية في العراق تعني أن نتائجها تنصب في تحقيق:
1- المصالح الرئيسة للأطراف الكبرى الدولية والإقليمية.
2- استثمار التحولات والتغيرات الميدانية باتجاه سياسات جديدة لهذه المصالح.
3- توظيف الصراع أو الاستقرار للتمكن من المصالح.
وعليه، فإن ناتج مشروع عراق الاحتلال الأمريكي والحكومات الشيعية المستظلة بالغطاء الإيراني قد حصدت للطرفين الأمريكي والإيراني المصالح والتفوق على القوى الدولية الأخرى (كروسيا، والصين)، والقوى الإقليمية مثل (تركيا، ودول الخليج)، إذا اعتبرنا أن سورية أصبحت بعد الثورة أداة إستراتيجية في تحقيق السياسة الإيرانية في المنطقة العربية، وأوجدت نظاماً طائفياً شيعياً يحقق المصالح ويستثمر التحولات ويوظف الصراع للتمكن من المصالح.
لكن هذا النظام فشل في استيعاب المكونات الاجتماعية الأخرى؛ لأنه بالَغَ في طائفيته، واستبد سياسياً، وانتهج الإرهاب والتصفية والتهجير؛ فحرق المراحل التدريجية بخطوات سريعة، معتقداً أن الظروف والدعم الأمريكي الإيراني قادر على عزل المؤثرات الإقليمية بدرجة كافية لمنع أي ثورة في الجغرافية السُّنية، أما الأكراد فإن لعبة المصالح تستهويهم، ويمكن احتواؤهم في إطارها.
وكان المخطط هو أن تكتفي إيران بحكم شيعي للحالة السياسية، وجغرافية شيعية تستهلك المنتجات الإيرانية في الجنوب وبغداد، لكن واقعياً وجدوا أن المكون السُّني ضعيف وممزق، ولا يجد راعياً إقليمياً، فكان التفكير بأن يصبح العراق كله تحت المظلة الإيرانية في مقابل توفير المصالح الأمريكية ورعايتها، فتقوم إيران بالحرب على الإرهاب «أي مقاومة عسكرية سُنية» نيابة عن الأمريكيين بأدوات دولة المالكي والاتفاقيات الأمنية مع تسهيل انسياب النفط.
لكن المعادلة السياسية اختلت حالياً بسبب نمو حراك سُني صلّب التحديات أمام «المصالح الإيرانية والأمريكية» التي يحاول المالكي استيفاءها ليعيد النظر في ترتيب لعبة المصالح من جديد، وليعيد كل من الأمريكيين والإيرانيين النظر في تلك المعادلة؛ مصالح مستقرة ومضمونة بوجود قوة سُنية متوازنة مع قوة دولة المالكي؛ مما يعيد للسُّنة وضعاً سياسياً وأمنياً واجتماعياً كمواطنين حقيقيين أفضل من انتقاص أو ضياع تلك المصالح في استمرار الصراع.
لذا، فإن المعادلة السياسية سيعاد تشكيلها وفق التطورات الميدانية، ومدى قدرة الثوريين وحركات المقاومة و«داعش» في إيجاد معادلة متماسكة يتكئ عليها الأمريكيون للتفاوض مع الإيرانيين لجلب حالة الاستقرار السياسي.. هذا ما سنراه في الأيام القادمة.
إن تلك المعادلة السياسية لن تتغير بشكل جذري أيضاً ما لم يكن للأكراد موقف في هذه التحولات نحو مكتسبات ميدانية، وعلى الأقل تثبيت الحدود الكردية في الإقليم واستقلاليته كاملة، كما أن تلك المعادلة ستواجه تحدي مواقع القوى الإقليمية الأخرى كتركيا ودول الخليج وخصوصاً السعودية والكويت.
فهم الحالة الإيرانية الإستراتيجية
يشكل العراق موقفاً إستراتيجياً في مشروع الشرق الأوسط الكبير بالنسبة للولايات المتحدة، حيث إن الاحتلال عام 2003م قد نجح في إضعاف العراق كقوة عسكرية إستراتيجية، تشكل تحدياً لـ«إسرائيل»، وهو هدف إستراتيجي للسياسة الإقليمية في المنطقة، كما أنها أيضاً نجحت في إبقاء العراق في صندوق الأمن القومي الأمريكي باتفاقية أمنية وحافظة على الحصول بأسعار مقبولة للنفط العراقي.. وهذه أيضاً أحد الأهداف الإستراتيجية للولايات المتحدة.
أما إيران، فقد حصدت نتائج موقفها من احتلال العراق، وحققت أهدافها الإستراتيجية؛ وهي أن يكون العراق الشيعي منضوياً تحت العباءة السياسية الدينية لإيران، وأن يكون الحديقة الخلفية للمنتجات الإيرانية، والممر الإستراتيجي للبحر الأبيض المتوسط عبر سورية ولبنان، وحرصت أن تظل هذه الجغرافية تحت السيطرة، وساهمت بشكل كبير في إبقاء حمص ممراً متصلاً مع العراق إبان الاحتراب بين الثورة السورية والنظام السوري، وما زالت مستمرة في الدعم لإبقاء هذا الممر الإستراتيجي الحيوي لها.
أما «إسرائيل»، فإنها مع حلول عام 2017م، تقترب من هدفها الإستراتيجي في إتمام عملية التفتيت الإستراتيجي (أمنياً وجغرافياً واقتصادياً) للمنظومة العربية المحيطة بها، والعراق الموحد جغرافياً وسياسياً كان يشكل تهديداً لها.
فالرؤية الإستراتيجية «الإسرائيلية» للعراق هو إبقاؤه ضعيفاً، فأي سيناريو يبقي العراق مجزءاً أو محترباً أو موظفاً، يتفق مع الرؤية «الإسرائيلية»، وعليه فإن القوى الثلاث (إيران، والولايات المتحدة، و«إسرائيل») تتفق في رؤية إستراتيجية موحدة؛ وهي دفع الحالة السياسية والميدانية في العراق نحو الوصول للسيطرة والتجزئة والتفتيت، وتأتي المطالبات بإيجاد أقاليم ثلاثة؛ «للشيعة، وللسُّنة، وللأكراد» حالة ديمجرافية وسياسية متوافقة، وتلك الرؤى الإستراتيجية، إذ تبقى المكونات الديمجرافية تحت السيطرة وسهل دفعها للاحتراب أو المصالحة وبالاتجاهات التي تريدها تلك الأطراف، وإنما الخلاف هو على حجم المصالح لكل طرف من هذا السيناريو.
لقد كان ابتداء المكون السُّني يعارض هذا التوجه ويسعى لعراق موحد، ولكن حصاد الاحتراب الطائفي لدولة المالكي وإفساده في الأرض السُّنية أدى إلى اقتناع المكون السُّني بأن الحل في الإقليم السُّني بما فيها ما يسمى بـ«داعش»، إذ تعتقد «داعش» أن لديها القدرة على السيطرة على جغرافية السُّنة بما يتوافر لديها من قوة وعتاد ومال، وأما العشائر وقوى المقاومة فأيضاً راضون بالإقليم السُّني؛ لأنه يحقق لهم إعادة توطينهم سياسياً واقتصادياً ويحررهم من دكتاتورية السلطة الشيعية المركزية، وأما مواجهة «داعش» فيمكن عزلها عن الحاضنة الاجتماعية السُّنية بعد ذلك.
لذا كل التوقعات والتوافقات تؤيد الاتجاه نحو إقامة أقاليم ثلاثة وتعديلات دستورية وحكومة توافق وطني تدير الحالة السياسية للدولة.
وهذا يقتضي على المستوى الداخلي:
1- تغيير ميداني عسكري حاسم إلى حدود بغداد يشكل ضغطاً على المالكي والتحالف الشيعي بقبول بفكرة الإقليم السُّني.
2- إعطاء الأكراد مطالبهم في كركوك وخريطتهم المستقلة.
3- تفاهم القوى الثورية الميدانية السُّنية على رؤية الإقليم السني وعلاقته بالدولة الاتحادية.
على مستوى التفاهم الإقليمي والدولي:
1- التفاهم الإيراني - الأمريكي على حدود المصالح، ودور إيران في إطار التفاهمات الداخلية وخصوصاً فيما يتعلق بالممر الإستراتيجي إلى سورية.
2- التفاهم مع تركيا ودورها في العراق المتفاهم، وموقع التركمان العراقيين في المعادلة السياسية.
3- التفاهم مع دول الخليج حول تأثير الإقليم السُّني والشيعي عليها.
فاليوم غالبية الأطراف الداخلية والخارجية تحت ضغط الواقعات الميدانية وقصف التدافع الطائفي وعسكرة الخطاب الإعلامي لا تفكر بالعراق الموحد الإستراتيجي بقدر ما تفكر بالأقاليم الثلاثة، وكيفية إنتاجها وتشكيلها في إطار عراقي سياسي تحت السيطرة والنفوذ الدولي والإقليمي.