العنوان العراق وفرض عودة الحكم الملكي
الكاتب عارف المشهداني
تاريخ النشر السبت 28-يونيو-2003
مشاهدات 57
نشر في العدد 1557
نشر في الصفحة 38
السبت 28-يونيو-2003
أثارت عودة الشريف علي بن الحسين رئيس الحركة الملكية الدستورية من لندن إلى بغداد مؤخرًا تساؤلات لدى مراقبي الشأن العراقي حول مدى احتمال عودة الحكم الملكي للعراق، بعد سقوطه بثورة ١٤ يونيو ١٩٥٨ التي قادها كل من عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف، والتي شهدت نهاية مأساوية لذلك العهد تمثلت في قتل وسحل كل من الملك فيصل الثاني ملك العراق آنذاك، وخاله الوصي وولي عهده عبد الإله، ورئيس وزرائه نوري السعيد، والتمثيل بجثثهم.
الشريف علي في أول خطاب له بعد عودته لبغداد ومن أمام المقبرة التي تضم رفات العائلة الملكية التي حكمت العراق، بمعاونة الاحتلال الإنجليزي منذ تأسيس الحكم الوطني فيه عام ۱۹۲۱ -طالب بإجراء استفتاء شعبي لتحديد طبيعة نظام الحكم الجديد ما بين جمهوري وملكي.
وقد بدأت التساؤلات تثار من جديد عن إمكان عودة العراق للحكم الملكي ثانية خاصة بعد النتائج المثيرة للدهشة للاستطلاع الذي أجرته جامعة بغداد والذي جاءت نتائجه خلاف كل التوقعات، حيث صوت ما يقارب ثلثي من استطلعت آراؤهم لصالح عودة الحكم الملكي الهاشمي، ومع أن نتائج الاستطلاع -في ظل الظروف التي يعيشها العراقيون اليوم ومحدودية الرقعة الجغرافية والشريحة الاجتماعية التي شملها هذا الاستطلاع، لا تمثل وجهة نظر يعول عليها كثيرًا إلا أنها تبعث الآمال من جديد لمؤيدي عودة الحكم الملكي وهنا برز فريقان على الساحة العراقية أحدهما مؤيد لهذه العودة وآخر معارض لها، وكل له أسبابه التي تجعله يندفع بشده لتأييد وجهة نظره ومحاولة إقناع الآخرين بها.
وجهات نظر المؤيدين
تتلخص وجهات نظر المؤيدين لعودة الحكم الملكي الهاشمي فيما يلي:
1- حظي الحكم الملكي الهاشمي بقبول شعبي عراقي معقول من كل أطياف المجتمع سواء من ألسنة كون الملك سنيًا، أو من الشيعة الإمامية الإثنى عشرية، كون الملك من آل البيت، كما أنه لم يعمد إلى استفزاز الأكراد.
2- شهد العراق في ظل الحكم الملكي الهاشمي نوعًا معقولًا من الاستقرار السياسي لم تشهده الساحة العراقية في أي من أزمان الحكم الجمهوري سواء في ظل حكم الرئيس عبد الكريم قاسم، الذي انتهى بانقلاب دموي شنه عليه رفيق دربه السابق عبد السلام عارف انتهى بإعدام عبد الكريم قاسم وعرضه معدومًا أمام شاشات التلفاز في 8 فبراير ١٩٦٣، أم في ظل الرئيس عبد السلام عارف والذي انتهى بتفجير طائرته في الهواء عام ١٩٦٦، أم في ظل حكم شقيقه الرئيس عبد الرحمن عارف الذي انتهى بانقلاب البعثيين عليه عام ١٩٦٨ الذين شهدت فترة حكمهم مجازر لا تخفى على أحد.
3- كانت كل الانقلابات التي شهدها العراق أيام الحكم الملكي بدون حمامات دم أي أشبه ما تكون بتغييرات حكومية لا غير، سواء أكان انقلاب بكر صدقي أم ياسين الهاشمي أم غيرهما.
4- شهدت فترة الحكم الملكي حياة برلمانية تمثلت في انتخابات نيابية وأحزاب معارضة، لم يشهدها العراق من بعد طيلة أيام الحكم الجمهوري الذي كان أشبه بالحكم العسكري أو أشد، حيث كان أربعة من الزعماء «الجمهوريين» قادة عسكريين في الجيش العراقي «عبد الكريم قاسم، عبد السلام عارف، عبد الرحمن عارف، أحمد حسن البكر»، أما خامسهم صدام حسين، فغني عن التعريف.
5- في ظل الحكم الملكي الهاشمي، شهد العراق صحافة حرة إلى حد ما، مثلت كل التيارات السياسية والثقافية الموجودة على الساحة العراقية آنذاك، وعلى العكس من صحافة الأنظمة الجمهورية التي لم تكن سوى صحافة سلطة وبوقًا للأنظمة الحاكمة.
وجهات نظر المعارضين
لكن هذه الأسباب لا تقنع الكثيرين من أبناء الشعب العراقي، الذين يعارضون بشدة العودة للحكم الملكي، وتتلخص أهم أسباب معارضتهم فيما يلي:
1- الوريث الوحيد للعائلة الملكية الهاشمية، الشريف علي بن الحسين العائد للعراق منذ أيام لا يعرف من العراق وطبيعة شعبه شيئًا، فقد غادر العراق عام ١٩٥٨ يوم كان عمره سنتين فقط وعاش ٤٥ سنة متغربًا، جلها في لندن، ولا يمكن لمثله أن يحكم العراق بتركيبته المعقدة، وكل ما يعرفه عن العراق هو ما يطالعه من خلال وسائل الإعلام الغربية في الغالب وليس المخبر كالمعاين.
2- فترة الحكم الملكي لم تكن بعيدة عن شبهة التواطؤ والعمالة للإنجليز وخاصة من قبل رئيس الوزراء نوري السعيد الذي رأس الحكومة العراقية عدة مرات، ولعل حلف بغداد سيئ الصيت مع الإنجليز -والذي لقي معارضة شعبية عراقية وعربية واسعة- خير دليل على ذلك، ولعله أهم أسباب ثورة ١٤ يوليو ١٩٥٨، على حد زعم قادة الثورة.
3- الأنظمة الملكية في عالمنا العربي بما تحمله معها من معالم الاستبداد والقهر لشعوبها من أجل البقاء في السلطة للأبد لا تشجع بالمرة على مجرد التفكير بالعودة لمثل هذا نوع من الحكم.
4- فكرة الحكم الملكي بحد ذاتها تجد معارضة شديدة من قطاعات واسعة من الشعب العراقي، فبأي حق -استنادًا لهم- تحتكر عائلة معينة، مهما كان شأنها، حكم العراق الذي يضم أكثر من ۲۰۰ عشيرة عراقية؟ فبعد حكم العائلة التكريتية «أحمد حسن البكر التكريتي وصدام حسين التكريتي» منذ عام ١٩٦٨ ثم سيطرة عائلة صدام حسين وحدها منذ عام ۱۹۷۹ «صدام حسين وولديه عدي وقصي وابن عمه علي حسن المجيد وابن خاله عدنان خير الله وزوج ابنته حسين كامل حسن وإخوته غير الأشقاء وطبان وبرزان وسبعاوي إبراهيم الحسن» على مقاليد حكم العراق، لا يمكن لفكرة الحكم العائلي أن تجد قبولًا لدى العراقيين الذين يتطلعون لحكم واسع يمثل شرائح المجتمع العراقي كافة.
5- يشكك الكثير من العراقيين في عراقية الشريف علي بن الحسين.
وقد تدخل بعض أفراد العائلة الهاشمية في الأردن مثل الأمير الحسن بن طلال ولي العهد الأردني السابق في شؤون العراق، کمشاركته في اجتماع المعارضة العراقية «سابقًا» في لندن، مما أثار امتعاضًا لدى الكثير من العراقيين، ومرد امتعاضهم أن الأمير الحسن لم يؤتمن من قبل أخيه الحسين بن طلال على حكم الأردن من بعده، فكيف يأتمنه العراقيون على حكم بلدهم؟
والشكوك الكامنة لدى عموم أفراد الشعب العراقي حول نزاهة وإخلاص المعارضة سابقًا، ذات التوجه العلماني والتي كانت تقيم في لندن وصلاتها المشبوهة بالحكومتين الأمريكية والبريطانية ماديًا وسياسيًا واستخباراتيًا تجعل من الصعب على الشعب العراقي القبول بها لحكم العراق، ومنها بالطبع الحركة الملكية الدستورية.
ويقينًا فإن الشعب العراقي -الذي يعاني الأمرين اليوم تحت الاحتلال الأنجلو -أمريكي من إذلال واضح ومتعمد وانعدام أبسط مقومات الحياة بعد تدمير البنية التحتية بالكامل- يرنو قبل كل شيء، إلى نيل استقلاله الثاني بعدما نال استقلاله الأول عن الاحتلال الإنجليزي عام ۱۹۳۲، ومثل هذا الاستقلال لن يتحقق بالتأكيد بسواعد «معارضة لندن» التي التقت الخريف الماضي في لندن ومن بعد في أربيل «شمال العراق» لتلقى الإملاءات الأمريكية. وعندما يتحقق مثل هذا الاستقلال فإن الشعب الذي عانى طويلًا من ويلات الأنظمة السابقة على اختلاف توجهاتها ومشاربها لن ينخدع ثانية بالشعارات الرنانة والبراقة التي ينادي بها أغلب الأحزاب العائدة من الخارج والتي بدأ بعضها يوزع مبلغ ۲۰۰ دولار لكل من ينضم إليه والبعض الآخر بدأ بتوزيع الهواتف النقالة أو البدلات لأعضائه الجدد على أمل كسب المؤيدين لهذا الحزب أو ذاك ومع ذلك لم تفلح هذه الأحزاب في تكوين أية قاعدة شعبية لها، فالشعب العراقي اليوم لن يحيد عن العودة إلى أصوله وجذوره والبحث عن المخرج له من كل هذه المآسي والفتن وذلك لن يكون إلا بعدل الإسلام وصفائه الذي يتسع بسموه وعالميته لكل الأطياف العراقية عربًا كانوا أم أكرادًا أم تركمانًا، وهذا ما نراه جليًا في المساجد العراقية التي تكتظ بمصليها الذين هم على اختلاف ألسنتهم -إخوة أحبة.