; اليمن: شروط مالية وإدارية قاسيه وتبقي الأزمة محدودة الصحافة | مجلة المجتمع

العنوان اليمن: شروط مالية وإدارية قاسيه وتبقي الأزمة محدودة الصحافة

الكاتب مالك الحمادي

تاريخ النشر الثلاثاء 31-مارس-1998

مشاهدات 55

نشر في العدد 1294

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 31-مارس-1998

• الحملات الصحفية الساخنة ضد الفساد الإداري والاقتصادي وراء تفعيل الحكومة لقانون الصحافة.

لا يمكن الحديث عن تاريخ الصحافة  اليمنية دون الاضطرار إلى تجزئته بحكم واقع التشطير الذي كان سمة اليمن طوال ١٥٠ عامًا، اختلفت فيها تجارب التطور السياسي والاقتصادي والثقافي لكلا الشطرين، وتنوعت باختلاف وتنوع النظم السياسية التي خضعلها كل شطر.. وكان للوجود العثماني الثاني في اليمن الشمالي، دور في إدخال أول مطبعة تعرفها الجزيرة العربية، إذ جلب العثمانيون مطبعة «الولاية» عند عودتهم إلى اليمن عام ۱۸۷۲م، وأصدروا نشرة «يمن» في العام نفسه، التي تطورت إلى صحيفة أسبوعية باسم صنعاء عام ۱۸۷۹م ناطقة باللغة التركية ثم صدرت باللغتين العربية والتركية عام ١٨٩١م، وظلت كذلك حتى توقفت عام ۱۹۱۸م بعد خروج الأتراك من اليمن وتسليم السلطة إلى الإمام يحيى حميد الدين.

وابتداءً من ١٩٣٦م بدأ الظهور الحقيقي للصحافة اليمنية بإصدار صحيفة «الإيمان» التي كانت الصحيفة الرسمية لنظام الإمام يحيى، ثم تلاها صدور مجلة «الحكمة اليمانية» عام ١٩٣٨م التي أدت دورًا إسلاميًا رائدًا شبيهًا بدور مجلة «المنار» في القاهرة، ومهدت لقيام حركة المعارضة ضد الإمامة بما بثته من وعي تغييري يستند إلى - الفكر الإسلامي المتأثر بكتابات الشيخ محمد عبده  و رشيد رضا، والأستاذ حسن البنا الذي حرص القائمون على المجلة على وضع وصاياه وعباراته الشهيرة على الغلاف الداخلي للمجلة.

وفي منتصف الأربعينيات صدرت صحيفة صوت «اليمن المعارضة» لنظام الإمامة، وكان صدورها في «عدن» في أعقاب هروب عدد من رموز المعارضة بقيادة الزبيري، والذين شنوا أعنف حملة دعائية ضد الإمام يحيى لم تنته إلا بقيام ثورة ١٩٤٨م والتي سرعان ما فشلت وقضت معها على مرحلة من تاريخ الحركة الوطنية اليمنية

 وظلت الصحافة في «اليمن الشمالي» طوال الخمسينيات محصورة في عدد محدود من الصحف لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، وتخضع كلها لهيمنة الإمام، حتى جاءت مرحلة ثورة سبتمبر ١٩٦٢م فبدأت انطلاقة جديدة للصحافة تعد متقدمة بالنسبة لما قبلها، لكنها ظلت تعاني من قصور رهيب في النواحي الفنية والتحريرية، فيما انعكست عليها ظروف القلق السياسي والحرب الأهلية ۱۹٦٢ – ۱۹۷۰م، لكن اليمن عرف آنذاك الصحف اليومية وصحافة الأفراد التي عكستالانتماءات الفكرية لأصحابها.

وبلغت حركة انتشار الصحافة مدى لا بأس به في النصف الأول من السبعينيات حين أصدرت الحركات السياسية صحفًا تعبر عن أفكارها مثل «مأرب» الناصرية، و«صوت اليمن» الإسلامية إضافة إلى صحف أفراد قبل أن يتعرض معظمها

للإغلاق أو التوقف لكن الفترة التالية شهدت تأسيس صحافة يمنية أكثر تطورًا إلى حد ما، وهو ما شكل أساس الفورة الصحفية التي ظهرت بعد قيام الوحدة وإعلان حرية الصحافة جنبًا إلى جنب حرية تشكيل الأحزاب السياسية.

وطوال تلك السنوات ظلت الصحافة تعاني من حالات التضييق والإيقاف والتدخلات الرسمية، وقد ساعد على ذلك حالات الاضطراب السياسي التي شهدتها اليمن طوال الستينيات والسبعينيات، فيما انعكست حالة الاستقرار النسبي في الثمانينيات على الوضع الصحفي الذي شهد تطورًا نوعيًا ملحوظًا ومختلفًا عما كان عليه سابقًا وإن ظلت الحريات الصحفية مقيدة بالتزام جهات الإصدار بالخط العام للدولة إلى حد كبير مع وجود هامش للتيارات السياسية في الاختلاف، كان ينصب غالبًا على القضايا الخارجية.

اليمن الجنوبي أما في اليمن الجنوبي فقد بدأت الصحافة حياتها في نهاية الثلاثينيات مع صدور صحيفة «فتاة الجزيرة»، لكن الازدهار الحقيقي للصحافة كان في الخمسينيات  مع السماح بتشكيل الأحزاب السياسية والنقابات العمالية، واستمر كذلك حتى عام ١٩٦٧م عندما أدى مجيء سلطة القوميين العرب ثم الشيوعيين إلى القضاء على ازدهار الصحافة وفرض نظام قمعي، وتعد مرحلة الخمسينيات والستينيات في عدن أكثر مراحل الصحافة الجنوبية تطورًا وتنوعًا وتأثيرًا  حيث أصدر كل التيارات السياسية والفكرية صحفًا ومجلات أسهمت في إثراء وتسخين حركة المجتمع آنذاك، كما كانت تلك الصحافة نتاج تطور تعليمي وثقافي طبيعي، لذلك جاء تعبيرًا عن ذلك بما لا يقاس مع حالة الصحافةفي المناطق الشمالية.

شكلت الصحافة إحدى الظواهر المتفجرة لمرحلة ما بعد تحقيق الوحدة اليمنية، حيث شهدت اليمن صدور أكثر من ثمانين صحيفة ومجلة عكست حالة التفاعل والصخب السياسي والقلق الاجتماعي الناجمين عن عملية توحيد شطري اليمن في مايو ۱۹۹۰م، وسمح توازن الرعب بين الحزبين

الحاكمين آنذاك – المؤتمر الشعبي والحزب الاشتراكي – بازدياد هذه الظاهرة بدعم منهما لاستخدامها في الصراع والتنافس اللذين كانا سمة مرحلة ١٩٩٠ – ١٩٩٤م.

وباستثناء إيقاف صحيفة واحدة بحكم قضائي أيدته جميع القوى السياسية، فإن الصحافة اليمنية تمتعت خلال تلك الفترة بحرية غير مسؤولة قانونيًّا انعكاسًا لحالة الخلخلة والتفتت السلطوي الذي ميز النظام الحاكم آنذاك، لكن الصحافة في المقابل كانت ساحة جذابة شهدت صراعًا فكريًا

وسياسيًّا نادرًا ولاسيما خلال الأزمة السياسية ۱۹۹۳ – ١٩٩٤م  بل لا نبالغ إن قلنا إن الصحافة اليمنية أسهمت بدور بارز في الصراع السياسي والعسكري خلال الأزمة، واستخدمها كل طرف للتمهيد لمواقفه والدفاع عنها والهجوم على الطرف الآخر بصورة حطمت أية إمكانية لوأد الأزمة أو التخفيف منها.

الحرب الأهلية

وفي أعقاب الحرب الأهلية في صيف عام ١٩٩٤م، تغيرت الخارطة الصحفية قليلًا، وعادت صحف أحزاب المعارضة المؤيدة للحزب الاشتراكي للصدور تباعًا، لكن كان من الواضح أن الدعم الذي كان يمثله الحزب الاشتراكي سابقًا قد انتهى مع هزيمة الحزب، وبالتالي فإن صحف المعارضة أعادت تشكيل خطابها الإعلامي في ضوء حقائق القوى الجديدة، وإن لم يمنع ذلك عددًا منها من شن حملات صحفية مؤلمة للسلطة الحاكمة، لكن الخطوط الحمراء الذاتية تغلبت في الأخير بعد أن وجدت صحف المعارضة أن السلطة قادرة _باستخدام القانون فقط_ على إيذائها وعرقلة مسيرتها.

والحقيقة أن الحسابات الخاصة بكل حزب يمني هي الرقيب الأول في أية صحيفة حزبية وينطبق الأمر على صحف الأفراد كذلك، وكلها تحرص على ألا تستفز السلطة إلى درجة تدفعها لإيذائها أو وضع العراقيل أمامها، لكن ذلك لا يعني أن الصحافة قد فقدت جزءًا كبيرًا من حريتها، فالواقع أن هامش الحرية لايزال كبيرًا وصحف المعارضة لا تتردد في توجيه نقدها العنيف إلى كل ممارسات السلطة التي لا تتفق معها، لكن جميع الصحف -تقريبًا- ابتعدت عن ممارسات محددة كانت سمة لمرحلة الصراع بين الاشتراكيين والمؤتمريين مثل التعرض لشخص رئيس الجمهورية بالاسم، وحيث تحرص الصحف على التركيز على نقد السياسات العامة ولو كان هو مسؤولًا عنها، ولكن دون المساس بالرئيس، أما غيره من القيادات المدنية والعسكرية فلا توفر الصحف نقدها لها بأي أسلوب. 

وكالعادة في عالمنا الثالث فإن السلطات يزعجها أن تتحول الصحافة إلى أداء دور قوي مؤثر في الرأي العام، وتنتهزالأنظمة بعض الممارسات الخاطئة للصحف للبحث عن مبرر لتشديد قبضتها، بحيث لا تتجاوز الصحافة مستوى معينًا من التأثير والإزعاج. 

الخطاب الإعلامي المعارض -على حالته التي وصفناها آنفًا -يعد أبرز مظهر للمعارضة المؤثرة وبخاصة في ظل هزالة الصحافة الرسمية أو الحزبية المؤيدة للسلطة، كما أن صحف المعارضة تشن -أسبوعيًا -حملات ساخنة ضد السياسات الحكومية المختلفة ومظاهر الخلل الإداري والماليالتي عجزت الحكومة عن التصدي لها بجدية. 

وفي هذه الأجواء أقدمت وزارة الإعلام في نهاية العام الماضي على خطوة لتفعيل قانون الصحافة الصادر في أعقاب قيام دولة الوحدة، وقررت إصدار لائحة مالية لتنفيذ الإجراءات المالية والإدارية على الصحف والمجلات، وقد أثارت هذه الخطوة مخاوف عديدة من رغبة السلطة في تضييق الهامش الديمقراطي والحريات الصحفية، ونشر بعض الصحف اعتراضات قوية ولاسيما صحيفة «الأيام» المستقلة والمتعاطفة مع قيادات المعارضة في الخارج.

ويقول المعارضون لخطوة الوزارة إن الهدف من إصدار اللائحة المالية هو فرض رقابة على الصحف تمهيدًا لعرقلتها تحت مبررات مالية وإدارية، وبخاصة أن اللائحة تشترط شروطًا مالية وإدارية تعد قاسية في مجتمع مثل اليمن، ولعل أبرز هذه الشروط هو وضع ضمان مالي كبير في البنك باسم أية مطبوعة، كما تسمح اللائحة الجديدة للوزارة بالإشراف الفعلي على المصادر المالية للصحف ومراجعة دفاترها المالية وحساباتها وأسعار إعلاناتها، والتأكد من التزام الصحف والمجلات بقانون الصحافة الذي يعطي للوزارة هذه الحقوق.

ويبدو أن المتضرر الأكبر من هذه الإجراءات صحف الأفراد، لأنها في معظمها تقوم على أسس هشة: إداريًّا وماليًّا.. كما أن هذه الترتيبات تتيح للسلطة حق فرض رقابة مباشرة- ستكون مزعجة بلا شك- على الصحف المشاكسة التي تتهمها السلطة أنها تتلقى دعمًا خارجيًّا من قيادات المعارضة في المنفى.

ويشعر عدد من الصحف اليمنية أن الهدف الأكبر من إحياء قانون الصحافة وتوابعه هو تسليط سيف القانون عليها عند اللزوم، وهذا اللزوم صار واضحًا كلما أرادت السلطة الإقدام على بعض الخطوات الاقتصادية القاسية، فالواقع أن صحافة المعارضة نجحت إلى حد كبير في نزع «الهالة الوطنية» التي أرادت السلطة إضفاءها على إجراءاتها في رفع الأسعار وإلغاء الدعم تحت شعار برنامج الإصلاح الاقتصادي، كما أنها نجحت في تأليب السخط الشعبي ضد تقاعس الحكومة عن محاربة الفساد المستشري في الجهاز الحكومي والتسيب الإداري. 

أما الجانب الحكومي الذي يتبنى صدور اللائحة المالية فلا يبدو منزعجًا من الانتقادات فهو يستند في مواقفه إلى قانون الصحافة الذي صدر في ظل حكومة شارك فيها الاشتراكيون بعد الوحدة، ومن الناحية القانونية لا يوجد غبار على موقف وزارة الإعلام... لكن الحكومة حرصت على استيعاب ردود الأفعال ضد اللائحة رغم قلتها تحاشيًا لإثارة ضوضاء سياسة ضدها خارج البلد بتهمة التراجع عن النهج الديمقراطي والحريات الصحفية التي تعدهما الحكومة اليمنية ضروريين لتحسين علاقتها بالغرب.

ولعل مما يؤكد قوة موقف وزارة الإعلام أن الأصوات المعارضة لصدور اللائحة ظلت محدودة ولم يرتفع الأمر إلى مستوى أزمة حقيقية حتى الآن، وبخاصة أن معظم الصحف القوية في المعارضة تابعة لأحزاب سياسية تعفيها اللائحة المالية من بعض الشروط القاسية، ثم إن كثيرين يعلمون أن تطبيق القوانين في مجتمع كاليمن ليس بالأمر السهل في ظل خصوصية العلاقات السياسية والقبلية التي تشكل واقعًا متميزًا في هذا الجانب، بل إن كثيراً من الصحف المتضررة –توقعًا- من تطبيق قانون الصحافة هي في الأخير موالية للحزب الحاكم الذي سيكون عليه الاختيار بين المضي في تطبيق قانون يضر أنصاره أو تجاوزه لكيلا تخلو الساحة إلا من صحافة المعارضة القوية التي تستطيع - غالبًا– التعامل معالقانون بأية صورة.

مستقبل الصحافة

أما تأثير هذه التطورات على مستقبل حرية الصحافة والعمل السياسي فيبقى مرتبطًا بحقائق توازن القوى أكثر من قانون الصحافة نفسه أو لائحته المالية، ويبقى مرتبطًا باتجاهات أحزاب المعارضة في المستقبل تجاه السياسات الحكومية وطبيعة العلاقة بين الطرفين ومدى تحمل الحكومة لوجود صحافة قوية، لكن الذي لاشك فيه أنه في حالة التطبيق الحازم لقانون الصحافة ولائحته المالية فإن الأجواء التي تعيشها الصحافة اليمنية سوف تتغير سلبًا دون معرفة مدى هذه السلبية، لأن الفيصل المهم في هذا الأمر قدرة الصحف المعارضة والمؤثرة على تكييف أوضاعها وفقًا للقانون، فإن نجحت في ذلك –وهو أمر متوقع– فإن الوضع هو فيالقانوني الجديد ربما يمدها بقوة أكثر لم تكن السلطة نفسها تتوقعه.

الرابط المختصر :