العنوان العرب بين «خيار السلام» وخطر الحرب
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-2000
مشاهدات 65
نشر في العدد 1424
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 31-أكتوبر-2000
«إذا أردت السلام فاستعد للحرب». مثل قديم عرفته شعوب الأرض قاطبة، وأيده قول أحمد شوقي:
دعموا على الحرب السلام وطالما حقنت دماء في الزمان دماء
وهو ليس مجرد مثل يُقال للتسلية، ولكنه سياسة تطبقها الدول والحكومات بأشكال مختلفة من قبيل توازن القوى، الردع، الردع النووي، الرعب النووي... إلخ.
لكن دولًا عربية يبدو أنها مُصرة على خرق كل المألوف ونحت مصطلحات جديدة وإرساء قواعد حديثة في عالم السياسة الدولية عبر إعلان «السلام خيار إستراتيجي»، مهما كانت التهديدات الحالية والمستقبلية التي يواجهها الشعب الفلسطيني، وتواجهها الأمة العربية من الكيان الصهيوني.
لقد كانت أول استجابة من الجانب اليهودي لقرارات القمة أن أعلن إيهود باراك وقف عملية التسوية، وعاود قصف المدن والقرى الفلسطينية بالدبابات والصواريخ، كيف لا وهو يأمن تمامًا ألا تهديد يواجهه من العرب وأنه مهما فعل، فإن العرب متمسكون بخيار «السلام».
*ما معنى الإصرار على خيار السلام الإستراتيجي وإبطال مفعول الجيوش.. فيما الصهاينة يواصلون الإعداد الإستراتيجي للحرب المقبلة؟
*وما الحنكة السياسية وراء ذلك رغم سيل الدماء وأسلوب الاستهتار الصهيوني والأمريكي، وما يراق من ماء وجه بعض المسؤولين؟
*الحرب قد تكون مفروضة.. والاستعداد لها واجب ومسؤولية.
*التمسك بخيار السلام وتنحية خيار الاستعداد للحرب لم يمنع النكبات العسكرية التي حلت بالأمة، بل شجع العدو وحلفاءه على انتهاك حقوقنا.
لا يكمن الخطر الحقيقي الذي يواجه قضية فلسطين وما يرتبط بها عربيًّا وإسلاميًّا في إسقاط شعارات الحرب، وإنما يكمن في أن إسقاط «الخيار الإستراتيجي» للحرب من طرف واحد، يعني ترسيخ الكيان الباطل على جزء من الأرض، كما يفتح الباب أمام احتمالات تحقيق أهداف المحتل فيما يريد من سيطرة وهيمنة على أقصى ما يمكنه اغتصابه من أرض أو من ميادين صناعة القرار السياسي والأمني والاقتصادي وغيره.
لا حاجة إلى الوقوف عند ادعاء من يدعي أننا في عصر السلام وعولمته، والمفاوضات بين العقلاء، فالسياسة الواقعية، والنظرة المنهجية المجردة تكشف دون بحث طويل أننا نعايش الآن عالمًا لم تحقق الدول القيادية فيه -لا سيما الولايات المتحدة- شيئًا من «الهيمنة والسيطرة» -ناهيك عن السيادة الذاتية والاستقلال- إلا حربًا أو تهديدًا بالحرب، أو عبر توظيف تفوقها العسكري لانتزاع ما تنتزعه سياسيًّا واقتصاديًّا من منافسيها وخصومها.
تلك هي لغة العصر المشهودة دون مرايا محدبة أو مقعرة للتهويل من شأنها أو التهوين، وذاك ما يبدو أن الشعب العربي يدركه ويستوعبه ويرى السبيل الأصح للتعامل معه في هذه الأيام أكثر من رجل السياسة.
ولا حاجة إلى الوقوف طويلًا عند الادعاء بأن «الشارع العربي» يطالب بحرب فورية، فيما الدول عاجزة عن ذلك، فالجواب أن العجز هو ما صنع ما يجعلونه الآن تبريرًا لما هو أخطر مما وصلت إليه البلاد نتيجة للعجز، والأبعد من ذلك أن الشارع على مستوى رفيع من الوعي، جعله يقدر أن الحرب الواجبة الآن غير ممكنة في ظل الظروف القائمة داخل بلادنا، فهو لا يطالب الحكومات بما تعجز عن تحقيقه أو ترفض تحقيقه، بل يطالبها بوقف التدهور على طريق العجز والإعداد للخروج من قاع المنحدر.
وإذا كانت الحرب الفورية غير متوقعة فلا يعني ذلك رفض «الإعداد» الممكن والواجب بذريعة «انعدام الواقعية» في مطلب غير مطروح.
القمة العربية رفضت المطالبة الشعبية الملحة بأن تعتبر «الحرب» خيارًا إستراتيجيًّا، بمعنى الاحتمال المستقبلي.
وبالتالي الاحتمال الذي يوجب العمل والإعداد لمواجهته إذا وقع. وذاك هو الحد الأدنى إلى جانب ما سمي «خيار السلام الإستراتيجي». ويبدو أن بعض الأنظمة العربية ترى في الإصرار عليه «حنكة سياسية» رغم سيل الدماء وأسلوب الاستهتار الصهيوني والأمريكي، وما يراق من ماء وجه بعض المسؤولين فيها جهارًا نهارًا.
امتنعت القمة العربية عن تبني «الخيار الإستراتيجي للحرب، ولكن هل يعني ذلك أن الحرب لن تقوم؟ إن الحرب هي الاحتمال الأرجح في قادم الأيام، ومن أسباب ترجيحها:
1 - أن الطرف الصهيوني زاد -أثناء عملية السلام الموهوم- حجم إعداده العسكري لمعركة مقبلة أضعافًا مضاعفة، ولم يسقط هذا الخيار ويرفض الاستغناء عن الخيار العسكري، وهو لا يصنع ذلك سرًّا، بل علنًا، ولا يقول به نظريًّا فقط، بل يصر على ممارسته عمليًّا كما كان في لبنان وما يجري الآن من حرب ضد شعب أعزل.
2 - الطرف الأمريكي -وهو في ذلك مع الطرف الصهيوني كالجسد الواحد- لا يخفي أن هدف «التفوق العسكري الإسرائيلي إقليميًّا» هو من أهدافه «الإستراتيجية»، كما أن «المحاور» التي يمكن أن تدفع صانع القرار الأمريكي إلى اتخاذ قرار الحرب يومًا ما، أوسع نطاقًا من إمكان تجنب الحرب بالتفاهم وبالمصالح المتبادلة، وهي محاور تبدأ عند الأبعاد الإستراتيجية للثروة النفطية، وتصل إلى الأبعاد المستقبلية للصراع الحضاري. فإذا تفاقم حجم «الخطر» بالموازين الأمريكية تلك، فلن تتردد الولايات المتحدة عن العمل على تدبير حرب يشنها الكيان الصهيوني لمد دول المنطقة، فهو في نهاية المطاف وعلاوة على كونه استعمارًا استيطانيًّا، الثكنة العسكرية الأمريكية المتقدمة، وفق الاندماج العضوي بين المصالح والمطامع الأمريكية واليهودية العالمية.
3 - ثم إن نوعيات الأسلحة التي يطورها العدو مما يتطلبه الإعداد «الإستراتيجي» لحرب هجومية على أكثر من جبهة، أي هي الجولة المستقبلية مع الدول العربية، الأقرب جغرافيًّا بالتالي المعرضة للخطر العسكري منذ الآن، كذلك الأبعد جغرافيًّا المعرضة لألوان أخرى من الخطر الآن، وربما العسكري في المستقبل المنظور لا سيما للحيلولة دون أن تكون عمقًا إستراتيجيًّا للدول الأقرب جغرافيًّا.
قد لا يصح اعتماد «التصعيد الانفعالي والحماسي» في اتخاذ القرارات السياسية -كما ردد بعض الرؤساء قبل القمة وأثناءها- ولكن الأخطر منه اتخاذ القرارات السياسية على أساس أسلوب «التبريد» والتهوين القاصر عن رؤية الخطر.
إن ما ينبغي تثبيته قبل السؤال الذي يجري تضخيمه والتخويف منه، بشأن إعلان الحرب أو مجرد الحديث عنها، أو الإعداد المنهجي لها، هو صورة حقيقية غير موهومة عن الوضع الراهن والاحتمالات المستقبلية وجميع الدلائل والمؤشرات، كما تشير الأمثلة القليلة السابقة وتؤكد أن الخطر الصهيوني المستقبلي خطر «عسكري» يهدد الأقطار العربية عمومًا، والإسلامية إذا وضعنا التعاون العسكري الصهيوني -الهندي- الأمريكي بعين الاعتبار، إنه خطر «الحرب» وليس خطر اضطهاد شعب والفتك به على أرضه المغتصبة.
السلام المسلح
ويعني ما سبق فيما يعنيه: أن اقتصار القمة العربية على تثبيت «خيار السلام الإستراتيجي» العربي مقابل «الإعداد الإستراتيجي العسكري الصهيوني» يؤدي على الأقل إلى أمرين:
تعريض البلدان العربية إلى نكبات عسكرية أخرى أكبر من سابقاتها بعد حروب تفرض عليها دون إعداد.
وكذلك إلى حصول العدو -دون حرب أحيانًا- على كثير مما لا يستطيع الحصول عليه بالحرب.
ولكن إذا افترضنا جدلًا الوصول إلى حالة «سلام» فإنه لن يكون سلامًا:
من حيث الخلل القائم في موازين القوىباتجاه تقويضه.
ومن حيث مفهوم السلام في القانون الدولي.
إن صناعة القرار في بعض البلدان العربية كانت منذ النشأة الأولى لقضية فلسطين محصورة بين أصحاب اتجاه واحد، وإن تعددت الألوان والأسماء، واليوم يتخذ صانعو القرار من التفوق العسكري الصهيوني النسبي الذي تحقق بسبب عجزهم أو تقصيرهم حجة لتبرير رفض «خيار الحرب مستقبلًا».
والواقع أن هذا التبرير لمواقف التخاذل أو العجز، وهو ليس بجديد، لم يمنع اجتياح لبنان وحصار بيروت ومسلسل المذابح في جنوب لبنان وفلسطين وأحداث الفتك الراهن بأهل فلسطين ومقدساتها، لم يمنع تلك الكوارث كما لم يمنع الكارثة الراهنة، فهل يتوقع إذن في فترة «سلام» یزداد في ظله التفاوت «الإستراتيجي» العسكري، إلا المزيد من الاجتياح الصهيوني سواء بالاحتلال المباشر للأرض، بل عبر سيطرة إرادة الأقوى على الأضعف أو الأعزل، وفي ميادين صناعة القرار سياسيًّا وأمنيًّا واقتصاديًّا، وتوجيه القرار وتنفيذه فكريًّا وتربويًّا وثقافيًّا، فمن هذه يبدأ التحكم بصناعة الدبابة وبتحريك الحجر على السواء.
إن التحذير من مثل هذه الأوضاع التي تقودناإليها سياسات «إستراتيجية» عرجاء لم يعد قاصرًا على المتحمسين وأقلامهم فقط كما يقال للتهوين، وإنما يتردد أيضًا داخل أروقة الجامعات التي شاع فيها استخدام مصطلح الهيمنة للتعبير عن تلك الحال، ويقابل عنصر «الهيمنة» تعبير الخضوع أو التسليم، أو الاستسلام، فليس وصف ما يجري بأنه تسوية استسلامية هو من قبيل الانتقادات الحماسية، أو «الحملات الهجومية» أو «النظرات المتطرفة» أو من نتاج من لا يريدون فهم هذا العصر وروحه «عصر الوفاق والسلام والمفاوضات» كما يزعمون.
وبالمقابل لا يفيد «الرد الغوغائي» القائم على الإيهام بوجود شرعي للكيان الصهيوني في فلسطين، بسبب اتفاقيات وتوقيعات ومفاوضات باطلة.
فليس مجهولًا أن من الممكن على أرض الواقع عقد اتفاقية استسلامية باطلة، إذ إن تطبيقها العملي يكون خاضعًا -فقط- لعوامل تمليها موازين القوى «الواقعية». وعلماء القانون الدولي في الغرب نفسه يرون في مثل تلك الاتفاقيات التي توقع تحت الإكراه أو نتيجة العجز، ما يشبه اللغم الذي يصنع مع مرور الزمن واقعًا مضادًّا في اتجاه آخر فور تبدل موازين القوى، ويقولون تبعًا لذلك إن الطرف الأضعف الآن سيسعى غدًا لتبديل موازين القوى لإرغام الطرف الآخر على واقع جديد، ولهذا ففي تلك الاتفاقيات الانهزامية نواة إشعال الحرب وليس إقرار السلام.
ومما يعتبره المتخصصون في القانون الدولي سببًا لإطلاق وصف «استسلامية» على معاهدة ما واعتبارها باطلة، ألا يكون فيها بند يضمن انتهاء مفعولها، إما في موعد محدد نصًّا، أو عند زوال شرط أو أكثر من الشروط الموضوعية المبررة لبقائها، بينما نجد أن المعاهدة المنبثقة عن كامب ديفيد الأولى مع مصر من نوع «المعاهدات الأبدية» أو يراد لها أن تكون كذلك بسائر بنودها، بما في ذلك الانتقاص من السيادة العسكرية والأمنية المصرية في سيناء، أو اعتبار «إلغاء العلاقات الدبلوماسية» بمثابة خرق للاتفاقية بوزن إنهاء حالة السلام وإعلان حالة الحرب.
في قضية فلسطين لا يمكن عقد اتفاقية تكتسب صفة «الشرعية» دون تزييف «كالتزييف القائل إن الشرعية الدولية هي قرارات مجلس الأمن فحسب»، إذا ما تضمنت إقرارًا بوجود الكيان اليهودي الباطل وجودًا قائمًا على مخالفة أسس القانون الدولي وثوابته، ولا ينوب عن هذه الأسس والثوابت أي قرارات من أي هيئة من «الهيئات التنفيذية» مثل مجلس الأمن الدولي أو سواه من الأجهزة.
ولا يقبل القانون الدولي إعطاء صفة المشروعية إلى كيان قام على أرض يمتلكها شعب آخر، إلا إذا تنازل أصحاب الأرض الأصليون تنازلًاقانونيًّا دوليًّا عن تلك الأرض لصالح ذلك الكيان.
ولا يكون التنازل «قانونيًّا دوليًّا» إلا إذا جرى إقراره في استفتاء شعبي شامل، أو عن طريق ممثلين منتخبين يمثلون الشعب المعني.
ولا يكتسب الاستفتاء أو الانتخاب صفة المشروعية بمفهوم القانون الدولي إلا إذا وفر -علاوة على شمول سائر الأفراد المعنيين به- ثلاثة شروط أساسية منصوص عليها، وهي:
عدم وجود ضغوط مسبقة كالحصار مثلًا، أو تزييف المعلومات، أو حجر التعبير عن الرأي.
عدم وقوع تزوير في التصويت، بما في ذلك توفير ضمانات كافية لمصداقية التصويت دون تزوير.
عدم تزييف نتائج التصويت بأي وسيلة.
إن السلام بمختلف الصور والأشكال التي طُرحت ونُفذت أو طرحت ولم تنفذ فيما يخص قضية فلسطين، لا يوفر عنصرًا واحدًا من عناصر الشرعية الدولية على الإطلاق، إنما هو الاستسلام الذي يفرضه طرف قوي على طرف ضعيف، وذاك أيضًا هو «الاستسلام» المتمثل في الوقت الحاضر، في إسقاط خيار الحرب على المستوى الرسمي، ويقابله رفض الشعب الفلسطيني، صاحب الأرض بمفهوم القانون الدولي، لذلك الخيار.. ومِن ورائه الرافضون في الشارع العربي.
بين الغضب والموقف المنهجي
ليس قرار الحرب هو القرار الحكيم دائمًا، ولاقرار «طلب السلام» هو القرار الحكيم دائمًا.
إن في هذا التبسيط للسؤال ما بين حالة الحرب المطلقة وحالة السلام الشامل الكامل -وهو وصف حديث ابتُكر لقضية فلسطين- سطحية في التفكير أو التعبير لا تستحق الوقوف عندها، إلا لأن اللجوء العلني لها يعد ضربًا من ضروب التضليل، أو لمجرد تبرير مواقف العجز ومواقف الامتناع عن اتخاذ خطوات عملية وحاسمة في المنطقة العربية والإسلامية بمجموعها، وليس لمجرد نصرة فلسطين وأبناء فلسطين والأقصى كما بات يتردد بإصرار تنصلًا من المسؤولية.
هذه «النصرة» واجب إسلامي وإنساني في الأصل لا يستهان بشأنه، ومع ذلك يتردد الحديث عنه بأسلوب لا يعبر عن المسؤولية، إذ يحاول أن يفصل فصلًا قاتلًا ما بين قضية فلسطين والخطر الصهيوني على شعبها من جهة، وبين القضايا المركزية الأخرى للعرب والمسلمين في عصرنا الحاضر من جهة أخرى، وبصورة تسعى للتوهم بأن الخطر الصهيوني على حاضر العرب والمسلمين ومستقبلهم صادر فقط عبر الخطر الصهيوني المحلي بفلسطين، فليس هو خطرًا شاملًا دون تمييز بين بلد عربي أو إسلامي وآخر، كما يراد التهوين من شأنه، إنهم يخفون أنه خطر متعدد المستويات لا يستثني أي ميدان.
وما أشد التناقض بين الدعوة لهذا الفصل الخطير لتبرير خطوة آنية ما، وبين دعوات الجهات ذاتها إلى «تنازلات السلام» بدعوى التشابك في العلاقات الدولية كافة، وعولمة مصير البشر جميعًا، وتأثير ذلك المتنامي على صناعة القرار، بما في ذلك ترسيخ مستقبل «مشروع شرق أوسطي» على أشلاء قضية فلسطين.
ويسري هذا التناقض بصورة خاصة على البلدان التي ارتفعت فيها نبرة المطالبة بالحرب في «الشارع العربي»، واستخدام هذا التعبير في هذه السطور مقصود ويستهدف الإعراب عن معاني التقدير، على نقيض استخدامه المتعمد على ألسنة ترفض تلبية مطالب «الشارع العربي» من منطلق التهوين من شأنه أو الاستهانة به. و «الشارع» هو الشعب، وخدمته وخدمة مصالحه وتنفيذ إرادته هو المبرر الوحيد لبقاء أولئك في مناصبهم.
على أن المسألة الحاسمة ليست مسألة «مصدر» المواقف والمطالب ومن يطلقها ويعلنها، فالأهم هو المضمون وما يعنيه على المدى القريب والبعيد، ورفض الرافضين لا يأتي لأن تلك المطالب صادرة عن «الشارع»، بل هو رفض لها في حد ذاتها، سيان عمن تصدر، وكما ذكرنا فإن رأي «الشارع العربي» التقى مع رأي خبراء ومفكرين من مستويات وتيارات وبلدان مختلفة.
ولا ينبغي هنا اختزال صناعة القرار في قضية جوهرية كالقضية الفلسطينية بعرض احتمالين فقط؛ ما بين مطالب «رأي عام» يوصف بالمتحمس، مقابل شخص يوصف بأنه مسؤول عن اللعبه وعن اتخاذ «قرار سياسي حكيم» وقد اعتبر نفسه الوحيد الذي يقرر أين تكون الحكمة، فلا عبرة عنده بما تريد غالبية الشعب.
ومما يؤسف له أن هذا ما يؤخذ من تصريحات تلفازية للرئيس المصري، قبل القمة العربية بيوم واحد وأثناءها مع ما يعنيه ذلك من تأثير على الآخرين بحكم وزن مصر في المحيط العربي.
وعلى أي حال فبغض النظر عن المنطلق الأصلي في قضية فلسطين، كقضية حق وباطل من الحديث حتى في حدود من جعل «المسيرة سلمية» خياره للتأكيد على أن تجارب التاريخ القديم والحديث، وكذلك ما استقر تدريسه في معاهد العلوم السياسية، وما تتحدث عنه معاهد البحوث في البلدان الغربية، يقول إن من الحكمة الجمع بين الخيارين: خيار «الاستعداد للحرب» وفقًا للطرف الآخر، وخيار عرض الاتفاق على السلام.. فهذا ما يمكن أن يوصل إلى «نتيجة» فيها التوازن على الأقل، ومن الأمثلة التي يكثر الاستشهاد بها بهذا الصدد، وبغض النظر عن التفاصيل المختلف عليها، ما صنع حلف شمال الأطلسي بزعامته الأمريكية في «القرار المزدوج» الشهير عندما عرض على المعسكر الشرقي ردَّا عن تفوقه في القوات التقليدية وفي نشر الصواريخ المتوسطة المدى في شرق أوروبا عرضًا مزدوجًا، يتضمن من جهة بدء سباق التسلح ونشر صواريخ «بيرشينج ٢» في أوروبا الغربية، ومن جهة أخرى الاستعداد لمفاوضات الحد من التسلح. إن «الشارع العربي» فيما دعا ويدعو إليه يبدو -بمنظور المنهجية والموضوعية- أشد حصافة وحكمة سياسية وأكثر واقعية في مواقفه ومطالبه من بعض صناع القرار.
السلام الداخلي الأهم
إن امتناع القمة العربية عن اتخاذ قرار بالإعداد لخيار الحرب يؤدي على المستوى الشعبي إلى عواقب أبعد تأثيرًا على المدى القريب والبعيد.
1 - فذلك يعني تعرض شعب فلسطين بأطفاله ونسائه وشيوخه وشبابه إلى استمرار انفراد القوة الصهيونية الأمريكية المتوحشة به، وإلى مزيد من المذابح و التنكيل، وهو ما حدث بالفعل عقب انتهاء القمة مباشرة إذ بدأ العدو حرب المدن ضد الفلسطينيين.
2- إن ما يسمى «خيار السلام الإستراتيجي» يتحول بذلك إلى إسفين بين القوى الشعبية والوطنية والإسلامية والفاعليات الفكرية والثقافية والفنية وغيرها من جهة، وبين بعض صانعي القرار السياسي والأمني من جهة أخرى.
3 - حتى في إطار منظور المتشبثين بمسيرة التسوية ما كان ينبغي أن يعملوا على تصوير قرار قمة ١٩٩٦م بصدد «خيار السلام الإستراتيجي» باعتباره قيدًا ذاتيًّا على قمة ٢٠٠٠م. ومن المعلوم أنه سبق أن خرجت قمة عربية تالية على قرارات قمة سابقة، والأصل هو الثبات على الثوابت، ولكن حالات الخروج على قرارات سابقة كانت غالبًاخروجًا على الثوابت، كما كان مثلًا مع «لاءات الخرطوم الثلاث» التي أسقطت التحرير الكامل بما يشمل أرض ٤٨ المحتلة، ثم كان إسقاط تلك اللاءات من بعد، فما الذي كان يبرر آنذاك مخالفة قرار قمة سابقة ويمنع من المخالفة الآن؟
4 - إن عدم التفاعل مع الأحداث الآن يعني مزيدًا من الكبت يضاعف خطر الانفجار، ولن يفيد آنذاك حظر المظاهرات والتجمعات، وحصار الجامعات، وتجنيد الشرطة في مواجهة المواطنين.
فرغم ذلك كله كانت الغضبة المشهودة في مستوى زلزال سياسي، ولا ينبغي زيادة الكبت حتى لا يزداد الخطر ويحدث «بركان سياسي» جارف، بل المفروض أن يقدر أولئك المسؤولون وعي «المتظاهرين»، فهم الذين يتجنبون الآن تحويل الغضب إزاء عدوان خارجي إلى «معركة شوارع» داخلية.
5 - وفي مقدمة ما كان ينتظر من القمة العربية، ولم تصنعه للأسف -وما فات الوقت بعد- أن توظف ما يعتبره بعضهم غضبة «انفعالية» في تعبئة الطاقات توظيفًا هادفًا ومتواصلًا يجعل مردودها يصب في دعم الأرضية التي تقف عليها حكومات بلادنا العربية والإسلامية عالميًّا، وأن يبدأ ذلك التوظيف الهادف الآن كيلا يتحول التفجّر المتوقع للطاقة المكبوتة إلى اتجاه مضاد يومًا ما، فذاك ما يخدم -إن وقع لا سمح الله- أهداف الأمريكيين والصهاينة، وقد شهدنا كيف كان من مخططاتهم في فلسطين أن تندلع «حرب أهلية»، وكان أشد ما فاجأهم في انتفاضة الأقصى الوحدة الشعبية الشاملة بدلًا من الحرب الأهلية.
وقد آن الأوان أن نسمي الأمور بمسمياتها، فما نواجهه في قضية فلسطين وما يتصل بها، أي هذا التحدي الصهيوني - الأمريكي، هو تحدٍّ استعماري استعبادي محض، ولو أطلق عليه وصف هيمنة تلطيفًا، أو وصف سلام إستراتيجي أو تعاون وصداقة تضليلًا.
وفي الوقت نفسه ظهر التحدي الشعبي، وهو تحدي الغضبة العارمة، وقد يكون بعض مظاهرها «انفعالية» وإنما هي كذلك نتيجة لسد الأبواب أمام تحويل مضمونها في اتجاه البناء والإعداد والتعبئة، ولا يوجد خيار يستحق وصف «الإستراتيجي» ما لم يضع في حسابه هذا التحدي الشعبي وتوظيفه القويم، ويجمع ما بين إمكان استعادة لحقوق المشروعة سلمًا -شريطة الالتزام بالمفهوم الأصلي الشامل للكلمة- وإمكان استعادتها حربًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل