; العرب.. عندما بزغ الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان العرب.. عندما بزغ الإسلام

الكاتب د. عبدالحليم عويس

تاريخ النشر الثلاثاء 24-أبريل-1973

مشاهدات 15

نشر في العدد 147

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 24-أبريل-1973


·        
كانت القومية في أوجها

يصور لنا الشعر العربي أغراض التعبير الثلاثة فيه: الفخر، والمدح، والهجاء.. أوج هذه القومية، وألقها، وازدهارها.

فلكل قبيلة شاعر أو شعراء.. يدافعون عنها، ويقدحون في أعدائها، وينشرون مفاخرها وأيامها.. وليس لنا أن نستهين بقيمة الشعر العربي التاريخية- فهو- في الحق- أصدق مرآة تعكس لنا صورة الحياة العربية في هذه الحقبة التي سبقت الإسلام، وعاصرت بزوغ فجره.

·         والأسلوب القومي الذي لا تحرسه عقيدة.. أسلوب تفرقة، وطريق صراع لا يهدأ مادام الجنس هو محور الدائرة، فلم لا يكون «الجنس الأقل» أو «وحدة الجنس» وهي القبيلة، أو الوطن مثلًا «المحور الأصغر» الذي تنطلق منه الأفضلية نحو استكمال أفضلية الجنس الأكبر «القومية»؟ وبالتالي تنطلق الصراعات الصغيرة.. نحو التوحد القومي.. وهل يمكن أن تكون نتيجة الخلافات وحدة؟! أو أن تعبر الوحدة عن طريق الصراع الدموي؟! اللهم إلا أن تكون هذه وحدة أشلاء ممزقة، ووحدة ألم ومصير مظلم حالك الظلام..

لقد كانت الحياة العربية قبل ظهور الإسلام؛ شبكة محبوكة من تراث وثارات فشت حبائلها في القبائل، وأوصى بها الآباء والأبناء، وحملت المعيشة البدوية وقلة أسباب الحياة، والطمع والجشع، والأحقاد والاستهانة بحياة الإنسان على الفتك والسلب والنهب؛ حتى كانت أرض الجزيرة كفة حابل لا يدري الإنسان متى يُغتال وأين يُنهب، وكان الناس يتخطفون من بين عشيرتهم في القوافل، حتى احتاجت الدول القوية إلى الخفارة الساهرة والحراسة القوية، فكانت عير كسرى تُبذرق (تحرس) من المدائن حتى تدفع إلى النعمان بن المنذر في الحيرة، والنعمان يبذرقها بخفراء من بني ربيعة (من العرب) حتى تدفع إلى هوذة بن علي الحنفي باليمامة، فيبذرقها حتى تخرج من أرض بني حنيفة، ثم تدفع إلى تميم، وتجعل لهم جعالة فتسير بها إلى أن تبلغ اليمن وتُسلّم إلى عمال كسرى باليمن(1).

ولم تكن الحرب التي وقعت بين بكر وتغلب ابني وائل، ومكثت أربعين سنة، فني فيها الحيان، وثكلت الأمهات ويتم الأولاد.. تلك الحرب التي عرفت بحرب البسوس (الناقة) إلا اعتزازًا زائدًا عن الحد بالشعور بالذات.. والشيء نفسه في حرب داحس والغبراء، بل الشيء نفسه يدور- كالعلة التي تدور مع المعلول- في كل المعارك التي دارت بين القبائل العربية.

·         ولا شك أن النزعة التي تصور للإنسان أفضليته- بمحض النشأة- ودون أي مجهود يبذله، أو قيم يعمل على تحقيقها أو مستوى حضاري يسعى إليه.. لا شك أن هذه النزعة- القومية- مسؤولة مسؤولية كبرى عن نواحي الخلل الكثيرة التي كانت تسود المجتمع العربي..

·         لقد كانت حرب «الأفضلية» لا تهدأ بين القبائل التي تضمها أرض العروبة. وكانت «أسواق الشعر» ومواسم العرب المختلفة، وحتى موسم حجيجهم.. كانت هذه كلها تكرس هذه النزعة وتدور حولها..

·         ولا شك أن أهل مكة كانوا يشعرون بأفضلية ما على سائر أهل شبه الجزيرة.. أليسوا أهل البيت وحماته وعندهم الرفادة والسقاية؟ وأليس لموقع مكة أهمية خاصة؟ ولم تكن المدن الأخرى تسكت على التحدي المكي، بل إنها كانت تحاول خلق أفضليات من نوع ما تتميز بها على أهل مكة..

·         لكن «مكة» تزخر بصراع «من أجل الأفضلية» أيضًا- في داخلها- وأضخم مظاهر هذا الصراع الأفضلي، الصراع البارد بين بني هاشم وبني أمية، ذلك الصراع الذي منع بعض الأمويين من دخول الإسلام، وكان عمرو بن هشام يقول مظهرًا سبب كفره برسالة الإسلام التي يحملها «محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم»: «راضينا بني عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يوحى إليه، والله لا نؤمن به، ولا نتبعه أبدًا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه».

·         وكان الوليد بن المغيرة يرفض الإسلام لهذا السبب أيضًا.. ولم تكن المدينة (يثرب) متماسكة قوميًا بأكثر من تماسك مكة، بل إن الصراع فيها بين الأوس والخزرج، والذي كان آخر مظاهره موقعة «بعاث»، لم يهدأ.. كما أن الصراع بين هؤلاء من ناحية واليهود المجاورين لهم من ناحية أخرى كان يجعل الحياة في يثرب أكثر حدة في صراعها، وأكثر بروزًا كذلك لنزعة القومية والأفضلية، وأمر المفاخرة والصراع بين القبائل العربية تحت راية الأفضلية أظهر من يطنب فيه.

·         فلما بزغ فجر الإسلام في العقد الثاني من القرن السادس الميلادي كان له منطق آخر قَلب مقياس الأفضلية القومي- بكل أبعاده- رأسًا على عقب، وظهَرت صورة جديدة لائقة بمعنى الحياة، ومغيرة لطعم الحياة.

الهوامش

(1) الطبري- تاريخ الأمم والملوك

الرابط المختصر :