العنوان سلامة الصدر وصلاح ذات البين أول الطريق لوحدة المسلمين (1من 2)
الكاتب حسين بن علي الشقراوي
تاريخ النشر السبت 21-أبريل-2001
مشاهدات 58
نشر في العدد 1447
نشر في الصفحة 56
السبت 21-أبريل-2001
المجتمع التربوي
نهى الإسلام عن التنافر والتدابر.. وأمر بسد جميع الأبواب المؤدية إلى فساد القلوب
حذر الله تعالى من حبس الرحمة عن الذين يجعلون الخصومة والشحناء سجية لهم
النزاع أمر لا مفر منه أحيانًا لكن ينبغي الترفع عنه إذا كان في أمور الدنيا
جاء الإسلام والعرب من أقل الناس شانًا، وأسواهم جوارًا، وأكثرهم تفرقًا تحركهم المثارات، وتجمعهم العصبية حتى قال قائلهم.
وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية ارشد
إذا تذكرنا تاريخهم وأيامهم ذكرت حرب البسوس، وداحس والغبراء، والفجار، وغيرها من الحروب الطاحنة التي كانت تنشب لأتفه الأسباب وشعارهم كما قال عمرو بن هند:
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
يصور لنا حال العرب قبل الإسلام - بأصدق وصف وأوجز عبارة - الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - حينما سأله ملك الحبشة النجاشي - يرحمه الله - عن سبب هجرتهم فقال: «يا أيها الملك، كنا أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام، ونسيئ الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف....
قوم هذا حالهم، لم يكن بمقدور أموال الدنيا كلها، ولا قوى البشرية جميعها عوضًا عن دعاوى القومية المتهافتة أو أفكار الاشتراكية والرأسمالية البالية، أن تجمع شتاتهم، أو توحد كلمتهم ليكونوا أمة واحدة فضلًا عن أن تؤلف بين قلوبهم.
أو تصلح ذات بينهم.. كما قال تعالى - مقررًا هذه ما ما الفت ا في الأرض جميعا ما أ الحقيقة:﴿لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ﴾ (الأنفال: ٦٣).
وفجأة - وفي معجزة أدهشت الأعداء قبل الأصدقاء. يشع نور الإسلام في جزيرة العرب وما هي إلا سنوات معدودة حتى يبسط سلطانه على قلوب العرب فتتحول تلك القلوب من العداوة إلى المحبة، ومن الفرقة إلى الألفة، وتتبدل أخلاقهم من سوء الجوار إلى كرم الضيافة، ومن قطيعة الأرحام إلى صلاح ذات البين، ومن الحسد والبغضاء إلى سلامة الصدر.
بل وتتجاوز هذه المعجزة الإلهية العرب لتربط قلب صهيب الرومي، وبلال الحبشي، وسلمان الفارسي بقلوب أشراف العرب وسادتهم بأعظم وأوثق عرى، ألا وهو رباط الأخوة الإسلامية الخالد في ملحمة ربانية شاهدة على عظمة هذا الدين على مر العصور.
يروي لنا القرآن قصة هذا التحول الكبير في حياة العرب، وهذه المئة العظيمة بعد الهداية للإسلام بقوله جل ذكره: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسلمونَ واعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ﴾ (آل عمران :102-103).
في الإسلام وحده لا بدعاوى القومية ولا الاشتراكية أو البعثية أو الديمقراطية أو غيرها من الدعوات استطاع الرسول الله أن يحول العرب وغيرهم من الأقوام إلى إخوة متحابين بجلال الله متواصلين في ذات الله على البر والتقوى.
وبهذه القلوب انطلق النبي يبني مجتمعًا ربانيًا مثاليًا في المدينة المنورة، تجاوز بصفاته حلم المدينة الفاضلة، في فكر أفلاطون، لأنه مجتمع قائم على أساس الإيمان بالله وحده، ثم الأخوة الإسلامية الأخوة في الله، تلك التي تجعل الجماعة المسلمة بنية حية قوية صامدة قادرة على أداء دورها العظيم في الحياة البشرية وفي التاريخ الإنساني دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحياة على أساس المعروف وتطهيرها من لوثة المنكره» (الظلال: ٤٤١١).
ركيزتا الأخوة
لقد قامت تلك الأخوة في الله على ركيزتين أساسيتين هما: سلامة الصدر، وإصلاح ذات البين بعد الإيمان بالله وحده.
وقد قدمت سلامة الصدر، لأنها الأساس الذي ينبني عليه إصلاح ذات البين، لذلك جعلها الله تبارك وتعالى من أخص صفات أهل الجنة في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ إِخۡوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ﴾ (الحجر:47)، وقال تعالى ﴿وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلّٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ﴾ (الأعراف: ٤٣).
وروى الإمام أحمد (١٦٦/٢)، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كنا جلوسًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فطلع رجل من الأنصار، تنطف لحيته من وضوئه قد تعلق نعليه في يده الشمال، فلما كان الغد قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل مقالته أيضًا، فطلع ذلك الرجل على مثل الحالة الأولى، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثًا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت؟ قال: نعم، قال أنس: فكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم الليل شيئًا، غير أنه إذا تعار وتقلب على فراشه ذكر الله عز وجل، وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبد الله غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرًا، فلما مضت الثلاث ليال وكدت أن أحتقر عمله، قلت: يا عبد الله: إنه لم يكن بيني وبين أبي غضب، ولا هجر، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك ثلاث مرات يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فطلعت أنت في الثلاث مرات، فأردت أن أوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي به، فلم أرك تعمل كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: ما هو إلا ما رأيت، فلما وليت دعاني فقال: غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًا، ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه، فقال عبد الله هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق.
ويضرب لنا ابن عباس - رضي الله عنه - مثالًا رائعًا في سلامة الصدر وحب الخير للآخرين.
فعن ابن بريدة قال: شتم رجل ابن عباس فقال ابن عباس: إنك تشتمني وفي ثلاث خصال: إني لآتي على الآية من كتاب الله عز وجل، فلوددت أن جميع الناس يعلمون منها ما أعلم، وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح به، ولعلي لا أقاضى إليه أبدًا، وإني لأسمع أن الغيث قد أصاب بلدًا من بلدان المسلمين فأفرح به، وما لي به من سائمة( صفة الصفوة ١/٧٥٤).
سد الأبواب لفساد القلوب
ولأهمية سلامة الصدر حرص الإسلام على سد كل باب يؤدي إلى فساد القلوب، ونهى عن كل فعل أو قول يقود إلى التدابر والتقاطع والتباغض.
ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة. رضي الله عنه - قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم له أن يبيع حاضر لباد، ولا تناجشوا، ولا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها، وفي رواية وأن يسام الرجل على سوم أخيه، ونهى عن النجش والقصرية.
والنجش الزيادة في السلعة وهو لا يريد شراءها، والقصرية ترك حليب الدابة حتى يجتمع اللبن في الضرع لتبدو كأنها دابة حلوب.
والنهي يقتضي التحريم لما في ذلك من الغش والخديعة للمسلمين ما ينافي سلامة الصدر.
وروى أبو داود - بسند فيه ضعف - عن ابن مسعود أنه قال: لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئًا، فإني أحب أن أخرج إليهم وأنا سليم الصدر.
بل حذر الإسلام أولئك الذين جعلوا الخصومة والشحناء سجية لهم من حبس الرحمة والمغفرة عنهم حتى يدعوا خصومتهم، ويصلحوا سرائرهم مهما عظمت أعمالهم، وكثرت طاعاتهم.
روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه - أن رسول الله ﷺ قال: «تعرض الأعمال على الله يوم الإثنين ويوم الخميس - وفي رواية تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين والخميس . فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا، إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحاء».
وعند ابن حبان - وهو صحيح بشواهده - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يطلع الله على خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن.
إن الاختلاف من سنن الله تبارك وتعالى في الخلق، كما قال عز من قائل: ﴿وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخۡتَلِفِينَ﴾ (هود:118)، والنزاع والخصومة صفة بشرية وأمر لا مفر منه أحيانًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَيۡنِهِمَا فَٱبۡعَثُواْ حَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصۡلَٰحٗا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيۡنَهُمَآۗ﴾ (النساء: ٣٥).
ولكنه يبقى مذمومًا ينبغي للمسلم الترفع عنه خاصة إذا كان خصومة في أمور الدنيا الفانية ويشتد كراهة إذا كان في فروع الشريعة أو سنن العبادات أو وسائل الدعوة التي يتسع مجال الاجتهاد فيها إجمالًا، فهذه الأمور لا ينبغي أن يخرج الخلاف فيها عن حدود آداب الاختلاف فيفضي إلى السب والشتم ثم القطيعة والإعراض والعداوة، وفساد ذات البين على حساب الأخوة الإسلامية.
روى البخاري ومسلم عن أبي أيوب - رضي الله عنه - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام».
ولما تحلى الصحابة - رضوان الله عليهم . بهذه الخصلة الحميدة، تجاوزوا بأخلاقهم حظوظ النفس والهوى والأنانية والحسد، فصلح ذات بينهم، وكونوا مجتمعًا ربانيًا فريدًا خلد الله به ذكرهم في محكم التنزيل في آيات كثيرة ليكونوا قدوة لمن بعدهم جيلًا بعد جيل، وشهودًا على قدرة هذا الدين بمنهجه الرباني الحكيم على صنع جيل قادر على قيادة البشرية كلها، ليس في زمن النبوة فحسب، بل في كل زمان ومكان تتجلى فيه مثل هذه الأخلاق الحميدة.
يرسم لنا الإمام الطبري في تاريخه (۲) (٣٥١) صورة حية لآثار صلاح ذات البين في مجتمع المدينة المنورة في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه - فيقول:« لما ولي أبو بكر - رضي الله عنه - الخلافة استعمل عمر بن الخطاب . رضي الله عنه - على القضاء فمكث سنة لا يتخاصم إليه أحد، وفي زيادة الآخرين - فجاء عمر بعدها إلى أبو بكر - رضي الله عنهما - فقال: أقلني من القضاء يا أبا بكر».
فقال أبو بكر: أمن مشقة القضاء يا عمر؟ قال: لا، ولكني مكثت سنة لم يتحاكم إلى رجلان لأنهم قوم عرف كل منهم ما عليه فأداه، وما له فلم يطالب بأكثر منه يرحم كبيرهم صغيرهم، ويعطف غنيهم على فقيرهم، ويحنو قويهم على ضعيفهم يأمرون بالمعروف ويتناهون عن المنكر ويتناصحون فيما بينهم قوم هذا حالهم لا يحتاجون إلى قاض يا أبا بكر.
قاعدة نفيسة
لقد أدرك النبي الله وصحابته من بعده، أهمية صلاح ذات البين في بناء مجتمع قوي، وتكوين جبهة متماسكة ضد أعداء الإسلام والمتربصين به في الداخل والخارج.. هذا مع استشعارهم العظيم الأجر والثواب في كل عمل يؤدي إلى ذلك.
روى الترمذي - بسند صحيح - عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ له الا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: صلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة.
لذا قال أبو أمامة - رضي الله عنه : امش ميلًا وعد مريضًا، وامش ميلين وزر أخًا، وامش ثلاثة أميال وأصلح بين اثنين.
فكل عمل يترتب عليه صلاح ذات البين والألفة بين المسلمين من مثل صلة الأرحام وقضاء حوائج المسلمين وزيارة الإخوان والإصلاح بين متخاصمين، وأمثالها من القربات ثوابها أعظم عند الله من نوافل العبادات كالصلاة والصيام، وقراءة القرآن، لأن هذه نفعها مقتصر على صاحبها، وتلك نفعها متعد للآخرين، وشامل للمجتمع.
وهذه قاعدة مهمة نفيسة في تفاضل الأعمال ينبغي التنبه لها.
قال ابن عباس - رضي الله عنه .. ولأن أعول أهل بيت من المسلمين شهرًا أو جمعة أو ما شاء الله أحب إلي من حجة بعد حجة، ولطبق بدائق أهديه إلى أخ لي في الله، أحب إلي من دينار أنفقه في سبيل الله.
قال المباركفوري في التحفة (۲۱۲/۷) عن حديث أبي الدرداء قال الطيبي فيه حث وترغيب في إصلاح ذات البين واجتناب الإفساد فيها، لأن الإصلاح سبب للاعتصام بحبل الله وعدم التفرق بين المسلمين، وفساد ذات البين ثلمة في الدين فمن تعاطى إصلاحها، ورفع فسادها نال درجة فوق ما ينال الصائم القائم المشتغل بخويصة نفسه.
فسلامة الصدر وصلاح ذات البين هما أول الطريق وأيسر السبل إلى وحدة المسلمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل