العنوان العقائد الوثنية في الديانة النصرانية العدد(855)
الكاتب محمد طاهر التنير
تاريخ النشر الثلاثاء 09-فبراير-1988
مشاهدات 60
نشر في العدد 855
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 09-فبراير-1988
الأقوام البائدة
والتثليث الديني
ذكرت العديد من الأمم الوثنية البائدة
في تعاليمها الدينية القول باللاهوت الثالوثي.
في العدد الماضي، نشرنا مقدمة كتاب
"العقائد الوثنية في الديانة النصرانية" للمؤلف محمد طاهر التنير. وفي
هذا العدد، نبدأ بنشر فصول الكتاب، ابتداءً من الفصل الأول، وسننشر الجزء الأول
منه هنا، على أن نتابع نشر تتمة الفصل الأول في العدد القادم إن شاء الله.
نفتتح هذا الفصل، كما افتتحه العلامة
دوان (1)، بآية من القرآن الكريم. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ
انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾ (سورة
النساء:171).
التثليث عند الوثنيين
لقد أصبح من الحقائق المؤكدة أن
الديانات الوثنية تتشابه جدًا، وأسباب ذلك عديدة. عندما كانت إحدى الحضارات المهمة
تنتشر في الأرض، كانت تنشر دياناتها وعلومها معها. وفي الوقت نفسه، كانت تدخل في
دينها أشياء من الديانات الأخرى. ونظرًا لما كانت عليه الأمم القديمة من الجهل،
كانت تقبل بلا تردد ما يقوله لها كهنتها. وإذا قام أحد رجال الدين بدين جديد – وفي
الحقيقة لم يكن جديدًا بل أخذه عن فرقة أخرى من الوثنية – كان يزيد عليه بعض عقائد
أمته ليسهل لهم قبول كل ما كان يقوله، كما جرى مع أحد الذين نشروا في المملكة
الرومانية إحدى الديانات العظيمة الباقية إلى يومنا هذا. وقد قال بريتشارد (2):
"لا تخلو كافة الأبحاث الدينية المأخوذة عن مصادر شرقية من ذكر أحد أنواع
التثليث أو التولد الثلاثي (أي الأب والابن وروح القدس)."
قال موريس (3): "كان عند أكثر
الأمم البائدة الوثنية تعاليم دينية جاء فيها القول باللاهوت الثالوثي (أي أن
الإله ذو ثلاثة أقانيم)." وجاء في كتاب "سكان أوروبا الأول" (4):
"كان الوثنيون القدماء يعتقدون بأن الإله واحد ولكنه ذو ثلاثة أقانيم."
علامة التثليث وأساسه لهما معنى آخر
نتحفظ عن ذكره الآن حتى لا يمس أيًا من الأديان.
قال العلامة دوان (5): "إذا نظرنا
نحو الهند، نرى أن أعظم وأشهر عباداتهم اللاهوتية هو التثليث، أي القول بأن الإله
ذو ثلاثة أقانيم."
ويدعون هذا التعليم بلغتهم "تراي
مورتي"، وهي جملة مركبة من كلمتين سنسكريتيتين: "تراي" معناها
ثلاثة، و"مورتي" معناها هيئات أو أقانيم، وهي "براهما وفيشنو وشيفا".
ثلاثة أقانيم غير منفصلة عن الوحدة، وهي
الرب والمخلص وشيفا. ومجموع هذه الأقانيم الثلاثة إله واحد، ويرمزون لهذه الأقانيم
الثلاثة بثلاثة أحرف: الألف والواو والميم، ويلفظونها "أوم". ولا ينطقون
بها إلا في صلاتهم، ويحترمون رمزها في معابدهم احترامًا عظيمًا. ولما أراد براهما
– خالق الوجود الذي لا شكل له ولا تؤثر فيه الصفات – أن يخلق الخلق، اتخذ صفة
الفعل وصار شخصًا ذكرًا وهو براهما الخالق. ثم زاد في العمل فانقلب إلى الصفة
الثانية من الوجود فكان فيشنو الحافظ. ثم انقلب إلى الصفة الثالثة الظلالية فكان
شيفا المهلك. ويدعون هذه الصفات الثلاثة أيضًا "تراي مورتي"، أي
الأقانيم الثلاثة، ويشبهونها بالنار، ويدعونها أيضًا "أغني وسوريا
وإندرا" وغير ذلك من الأسماء الثلاثية.
وجاء في كتب البراهمة المقدسة المعتبرة
لديهم أن هذا الثالوث المقدس غير منقسم في الجوهر والفعل والامتزاج، ويوضحونه
بقولهم: "براهما يمثل مبادئ التكوين والخلق، ولا يزال خلاقًا إلهيًا وهو
'الأب'."
وفيشنو يمثل مبادئ الحماية والحفظ، وهو
"الابن" المنفصل والمنقلب عن الحال اللاهوتية.
وشيفا هو المبدئ والمهلك والمبيد
والمعيد، وهو "روح القدس". ويدعونه كريشنا الرب المخلص والروح العظيم،
حافظ العالم المنبثق أي المتولد منه. فيشنو الإله الذي ظهر بالناسوت على الأرض
ليخلص الناس، فهو أحد الأقانيم الثلاثة التي هي الإله الواحد. وجاء في الكُبتيا،
وهو أحد كتبهم المقدسة الدينية، أن كريشنا قال: "أنا رب المخلوقات جميعها،
أنا سر الألف والواو والميم، أوم، أنا براهما وفيشنو وشيفا التي هي ثلاثة آلهة إله
واحد."
فالأقنوم الثالث، وهو في صفته المظلمة
"المهلك" وفي صفته الحسنة "المعيد"، يعبرون عنه بصورة حمامة،
ويقصدون بهذه الصورة الرمز عن الإعادة والخلق الجديد، وهو الروح الذي يرف على وجه
الماء. ويعبرون عن الأقانيم الثلاثة الأبدية الجوهرية بالألف والواو والميم، أوم،
كما ذكرنا، ويقولون عن هذه الأقانيم الثلاثة - الخالق، والحافظ، والمهلك - وأنها
تتناوب العمل، أي أن الابن يعمل عمل الأب وروح القدس، وروح القدس يعمل عمل الأب
والابن، والأب يعمل عمل الابن وروح القدس.
قال ألن (6): "يقول البراهمة في
كتبهم الدينية إن أحد الأتقياء واسمه أنيس رأى أنه من الواجب أن تكون العبادة لإله
واحد، فتوسل ببراهما وفيشنو وشيفا قائلًا: يا أيها الأرباب الثلاثة، اعلموا أني
أعترف بوجود إله واحد، فأخبروني أيكم الإله الحقيقي لأقرب له نذري وصلاتي. فظهرت
الآلهة الثلاثة وقالوا له: اعلم يا أيها العابد أنه لا يوجد فرق حقيقي بيننا، وأما
ما تراه من ثلاثة فما هو إلا بالشبه أو الشكل، والكائن الواحد الظاهر بالأقانيم
الثلاثة هو واحد بالذات."
قال العلامة موريس (7): "لقد وجدنا
في أنقاض هيكل قديم دكته مرور القرون صنمًا له ثلاثة رؤوس على جسد واحد، والمقصود
منه التعبير عن الثالوث."
قال المستر فاير (8): "وكما تجد
عند الهنود ثالوثًا مؤلفًا من براهما وفيشنو وشيفا، هكذا نجد عند البوذيين، فإنهم
يقولون إن بوذا إله، ويقولون بأقانيمه الثلاثة، وكذلك بوذي 'جينست' يقولون عن
'جيفا' إنه مثلث الأقانيم."
قال السير ويليام جونز (9) في تضرعات
وتوسلات الزاهد أمورا هذا نصها: "لك أقدم التعظيم والخشوع يا رب، أنت الإله
الرحيم، يا شافي الآلام والأتعاب، يا رب كل شيء، يا حافظ الكائنات، يا مصدر الرحمة
نحو عبادك، يا مالك كل شيء، يا حي، أنت براهما وفيشنو وشيفا. إني أعبدك، تميزت
بأسمائك الألف وأشكالك المختلفة وشكل بوذا إله الرحمة."
قال العلامة دوان (10): "البوذيون،
الذين هم أكثر سكان الصين واليابان، يعبدون إلهًا مثلث الأقانيم يسمونه 'فو'. ومتى
أرادوا ذكر هذا الثالوث المقدس يقولون 'الثالوث النقي فو'، ويصورونه في هياكلهم
بشكل الأصنام التي وجدت في الهند، ويقولون أيضًا – فو واحد لكنه ذو ثلاثة أشكال.
ويوجد في أحد المعابد المختصة ببيوتالا في منشوريا تمثال فو مثلث الأقانيم."
وقال مثله العلامة دافيس (11).
وقال المستر فابر (12): "والصينيون
يعبدون بوذا ويسمونه 'فو' ويقولون إنه ذو ثلاثة أقانيم، والألف والواو والميم كما
تقول الهنود تمامًا." قال العلامة دوان (13): "وأنصار لاو كومتنا، وهو
الفيلسوف الصيني المشهور وكان قبل المسيح عليه السلام بأربع سنين وستمائة، يدعون
'شيعة تاوو' ويعبدون إلهًا مثلث الأقانيم. وأساس تعليم فلسفته اللاهوتية أن تاوو،
وهو العقل الأبدي، انبثق منه واحد، ومن هذا الواحد انبثق ثانٍ، ومن الثاني انبثق
ثالث، ومن هذه الثلاثة صدر كل شيء. وهذا القول بالتوليد والانبثاق أدهش العلامة موريس
لأن قائله وثني."
وقد جاء في الكتب الدينية الصينية أن
أصل كل شيء واحد، وهذا الواحد الذي هو أصل الوجود اضطر إلى إيجاد ثانٍ، والأول
والثاني انبثق منهما ثالث، ومن هذه الثلاثة صدر كل شيء. والمصريون القدماء كانوا
يعبدون إلهًا مثلث الأقانيم مصورًا في أقدم هياكلهم، ويظن أهل العلم أن الرمز الذي
يصورونه وهو جناح طير وثعبان، إن هو إلا إشارة عن ذاك الثالوث واختلاف صفاته. قال
المستر هيلسلي ستيفنس (14):
"ويعتقد الهنود بإله
مثلث الأقانيم، ومتى أرادوا التكلم عنه بصفة -الخلاق- يقولون 'الإله براهما'. ومتى
راموا التكلم عنه بصفة -المهلك- يقولون 'شيفا' أو 'مهاديفا'. ومتى أرادوا وصفه
بصفة -الحافظ- يقولون 'الإله فيشنو'. ويقولون إن هذا الثالوث المقدس حاضر في كل مكان
بالروح والقدرة."
قال العلامة توما أنمن (15): "وهذه
الصورة تمثل براهما في وقت خلقه للمخلوقات وهو بحالتي الذكورة والأنوثة."
وقال في الصفحة 101: "وكافة الرموز
والإشارات المستعملة عند النصارى كانت للدلالة على عبادة أشياء يخجل منها وليس
بالإمكان نكران حقائقها."
ثم قال: "أتأمل أنه متى عرف الناس
معانيها يتركونها – ولربما يبقى بعض الناس متمسكين بهذه العبادة التي هي عندي
قبيحة ووثنية." وقد ذكر في كتابه أمورًا عديدة ذات بال سكتنا عن ذكرها ولم
نضع إحدى الصور التي جاءت فيه لما أنه ربما ينشأ عنها من إحساس كثير من الناس.
قال العلامة دوان (16): "وكان
قساوسة هيكل ممفيس بمصر يعبرون عن الثالوث المقدس للمبتدئين بتعلم الدين بقولهم إن
الأول خلق الثاني، والثاني مع الأول خلقا الثالث، وبذلك تم الثالوث المقدس."
وسأل توليسو ملك مصر الكاهن تنيشوكي أن
يخبره هل كان قبله أحد أعظم منه أو هل يكون بعده من هو أعظم؟ فقال له الكاهن:
"نعم يوجد من هو أعظم وهو أولًا الله - ثم الكلمة ومعهما روح القدس، ولهؤلاء
الثلاثة طبيعة واحدة وهم واحد بالذات، وعنهم صدرت القوة الأبدية فاذهب يا فاني يا
صاحب الحياة القصيرة."
"لا ريب أن تسمية
الأقنوم الثاني من الثالوث المقدس – كلمة – هو من أصل وثني مصري دخل في غيره من
الديانات كالديانة المسيحية. وأبولو المدفون بدلمي يدعى –الكلمة– وفي علم اللاهوت
الإسكندري الذي كان يعلمه أفلاطون قبل المسيح بسنين عديدة –الكلمة هي الإله
الثاني– ويدعى أيضًا ابن الله البكر" (17).
الهوامش
1.
دوان: كتابه
"خرافات التوراة والإنجيل وما يماثلها في الديانات الأخرى".
2.
بريتشارد: كتابه
"خرافات المصريين الوثنيين"، صفحة 285.
3.
موريس: كتابه
"الآثار الهندية القديمة"، المجلد السادس، صفحة 30.
4.
صفحة 197.
5.
دوان: كتابه المذكور
سابقًا، صفحة 366.
6.
ألن: كتابه
"الهند"، صفحة 382.
7.
موريس: كتابه
"آثار الهند القديمة"، المجلد الرابع، صفحة 372.
8.
فاير: كتابه
"أصل الوثنية".
9.
جونز: كتابه
"التنقيبات الآسيوية"، المجلد الثالث، صفحة 285.
10.
دوان: كتابه المذكور
سابقًا، صفحة 372.
11.
دافيس: كتابه
"الصين"، المجلد الثاني، صفحة 101 و103.
12.
فابر: كتابه
"أصل الوثنية" المذكور سابقًا.
13.
دوان: كتابه المذكور،
صفحة 172.
14.
هيلسلي ستيفنس: كتابه
"الإيمان والعقل"، صفحة 78.
15.
توما أنمن: كتابه
"الوثنيون القدماء"، صفحة 1.
16.
دوان: كتابه المذكور
سابقًا، صفحة 473.
17.
الآثار الهندية
المذكور سابقًا، صفحة 127.