; العقبات لا المشكلات | مجلة المجتمع

العنوان العقبات لا المشكلات

الكاتب محمد عبد الله السمان

تاريخ النشر الثلاثاء 20-نوفمبر-1984

مشاهدات 107

نشر في العدد 692

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 20-نوفمبر-1984

هل الأخذ بالإسلام لمجرد أن دساتيرنا تنص في المادة الثانية على أن دين الدولة هو الإسلام؟ مع أن الأيام الخوالي والحواضر تؤكد أن مثل هذه العبارة ليست أكثر من حبر على ورق عند كثير من الأنظمة والهدف منها ترضية عواطف الشعوب المسلمة، فهي عبارة معطلة إلى أجل غير مسمى، أو تمشيًا مع مصطلحات القضاء حكم مع وقف التنفيذ.

وهل الأخذ بالإسلام لمجرد أننا نحتفل بالمواسم الإسلامية، وأن أسماء حكامنا أسماء إسلامية؟

وهل الأخذ بالإسلام أن نترك إخوانًا لنا يذبحون ذبح الشياه بأسلحة صليبية، وصهيونية وشيوعية، وأن يأخذ أعداؤنا نساءنا وبناتنا سبايا حرب، حتى ندفع الجزية عن يد ونحن صاغرون؟ وكل ما نفعله أن نصلي صلاة الغائب على الشهداء!!

هل هذا هو المطلوب من الإسلام؟ أم المقصود من الأخذ بالإسلام، أن نأخذ به كلًّا لا يتجزأ، نظام حياة، ابتداء من العقيدة وانتهاء إلى إماطة الأذى عن الطريق، نظام حياة شاملة، يخضع له الحاكم قبل المحكوم، والقوي قبل الضعيف، والغني قبل الفقير... أن تكون شريعة الله هي الحكم العدل، وليست شريعة الجاهلية، ولا قوانين الرومان، ولا قوانين نابليون، ولا شريعة حمورابي...

والذي يثير كوامن الأسى أننا قد استمرأنا على كافة المستويات هذه الحياة المغرقة في الجاهلية، حتى أصبح بعضنًا يظن أنه من رابع المستحيلات أن نشهد حياة إسلامية خالصة، لا إيمانًا بما يزعمه بعض الأفاقين، من أن الدنيا قد تطورت، وأن ما كان يصلح- منذ أربعة عشر قرنا- في عصر الجمال والبغال والحمير، لا يصلح لعصر القرن العشرين، لا إيمانًا بمثل هذا الهراء، لاعتقادنا بأن الإسلام ليس- ولا يمكن أن يكون- حجر عثرة في طريق التطور. كيف؟ وهو الرسالة الخالدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولكن عجزًا منا عن أن نصحح مفاهيم هذه الحياة، ونصبغها بصبغة الإسلام، وحسبنا أن نردد منطق العجزة: «ليس في الإمكان أبدع مما كان».

هناك فرق بين المشكلة والعقبة، فالمشكلة قد تتدخل الظروف في خلقها، أما العقبة فهي من صنع البشر، وإن كان مثل هذا الحكم ليس على إطلاقه، فقد تسهم أيدينا في خلق المشكلة، وقد تسهم الظروف في صنع العقبة، لكن هذا أو ذاك لا يغير من القاعدة: المشكلة تخلقها الظروف. والعقبة من صنع أيدينا.

وقضية الإسلام اليوم، ليست قضية الوجود بالنسبة له؛ لأن الإسلام- منذ أن اكتمل بناؤه في يثرب، وقبل أن يلحق الرسول بر به- موجود، وما يزال موجودًا... وسيظل كذلك إلى أن تقوم الساعة، وإنما القضية هي قضية رد الاعتبار بالنسبة للإسلام، لكي يصح وجوده، فكل من السجين والأسير، وحتى المكبل في الأصفاد موجود بحكم القانون، ما دام يمارس عمليتي الشهيق والزفير، ولكن بلا اعتبار، كذلك الإسلام موجود بحكم الواقع، ولكن الذي يكيف وجوده هو الاعتبار أو عدم الاعتبار، فأي هذين الحكمين ينطبق على واقع الإسلام اليوم؟ وأعتقد أنه لا يوجد مسلمان واعيان يختلفان في أن عدم الاعتبار هو الحكم الذي ينطبق على واقع الإسلام اليوم، ونعني بالإسلام هنا الإسلام الذي رضيه الله لعباده دينًا، الإسلام الذي يعبر عن حركة الحياة، ويقود زمامها، ويرعى سائر شئونها، ويلزمها صراط الله المستقيم، وليس إسلام العجزة ولا إسلام الدراويش، ولا إسلام المتواكلين، ولا إسلام المخادعين أنفسهم، أو الذين غرتهم الأماني الذين قال عنهم الرسول -صلوات الله عليه-: «... وإن قومًا غرتهم الأماني، حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم. وقالوا: نحن نحسن الظن بالله... وكذبوا: لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل».

أجل: إذا نحن طرحنا العواطف جانبًا، وأخذنا بمنطق الواقع- ولو كان مريرًا- لما خالجنا أدنى ريب في أن الإسلام اليوم بلا اعتبار، ونحن في حاجة إلى مثل هذا الحكم لكي نعمد إلى القضية الرئيسية ونناقشها من خلال الإجابة عن هذا السؤال الذي يفرض نفسه علينا: هل الإسلام اليوم- في محنته، يواجه مشكلات يجب أن تحل، أم يواجه عقبات يجب أن تزول؟

يجب -قبل الإجابة عن هذا السؤال- ألا ننسى أننا بصدد قضية الاعتبار المفقود للإسلام، ما دمنا مقتنعين -ويجب أن نكون مقتنعين- بأن الإسلام اليوم بلا اعتبار، والواقع خير شاهد، أما الإجابة عن السؤال المطروح. فنحن نقول- وبلا تردد: إن الاسلام يواجه عقبات يجب أن تزول وليس يواجه مشكلات يجب أن تعالج وتحل. لماذا؟ لأن المشكلة بطبيعتها قابلة للمناقشة... للوصول الى حل لها، أما العقبة فليست قابلة للمناقشة: إما أن تبقى وإما أن تزول...

لنضرب مثلًا من الواقع: هب أن دولة تعاني أزمة اقتصادية مبعثها الظروف، فهي إذن أمام مشكلة يجب أن تبحث لها عن حلول، ولكن حين يكون مصدر تلك الأزمة الاقتصادية أن بعض رجال هذه الدولة ينهبون خيراتها، ويغتصبون أموالها؛ لتحول إلى المصارف اليهودية والصليبية في الغرب، فنحن إذن أمام عقبة يجب أن تزول، ولسنا أمام مشكلة يجب أن تحل، ومثلًا آخر من التاريخ القريب، لقد مرت أمريكا في الثلاثينيات من هذا القرن بأزمة اقتصادية طاحنة مبعثها الظروف الدولية يومئذ، لذا تصدى الرئيس روزفلت للأزمة يسانده رجال الاقتصاد لأنها مشكلة تبحث عن حلول ومرت فرنسا في القرن الثامن عشر بأزمة اقتصادية طاحنة، أصابت الشعب دون الملوك والأمراء والنبلاء الذين كانوا يرتعون في خضم الترف والبذخ، ولم يتصد علماء الاقتصاد في فرنسا للأزمة، لأنها ليست مشكلة، وإنما تصدت لها القوة باعتبارها عقبة.

وكان أن قامت الثورة الفرنسية في عام ۱۷۸۹ م فأطاحت بالعقبة.

ولدينا كتاب الله تعالى ينطق علينا بالحق: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ١١) والتغيير هنا يعني الازالة إزالة ما هو غير صالح، ليحل محله ما هو صالح، ففي سورة التوبة: ﴿إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. (التوبة: ٣٩) وفي آخر سورة محمد: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ 

لقد وضحت معالم القضية، وبعيدًا عن العاطفة من ناحية.. وبعيدًا عن الحياء الذي قد يكون مبعثه السلبية أو الخوف من ناحية أخرى، نؤكد -أولًا- أن الإسلام اليوم يعيش واقعه المرير بلا اعتبار يقام له وزن -ثانيًا- أن هذا الدين يواجه في محنته عقبات يجب أن تزول ولا يواجه مشكلات لا تنتهي المناقشات فيها، ولا ينتهي كثرة الجدل حولها إلى حل ومن مصلحة الذين يحرصون على أن يظل الإسلام بلا اعتبار سواء أكانوا من أتباعه المحسوبين عليه، أم من أعدائه المتربصين به، لأن مصلحتهما واحدة -من مصلحتهما معًا أن يتحول الإسلام بكل قضاياه إلى مجرد مشكلة تصول الخلافات والمناقشات وتجول، بينما قافلة العدوان على الإسلام وشعوبه تسير في أمان -ثالثًا- إن هذه العقبات التي يواجهها الإسلام اليوم، منها ما هو نابع من داخلنا، ومنها ما هو وارد من خارجنا، ولكننا أسهمنا بأنفسنا في استيراده إلينا -رابعًا- أن القضية قضية الخاصة من المسلمين، هم الذين يتحملون العبء الأكبر، إن لم يكن العبء كله هم الذين ضحوا وما يزالون مستعدين للتضحية، ولكن يجب ألا نتجاهل قدر العامة، ونتركهم بلا وعي، وإلا كنا كمن يحرث في البحر.

الرابط المختصر :