; العقد الفريد.. على مشارف «بني الوليد»! | مجلة المجتمع

العنوان العقد الفريد.. على مشارف «بني الوليد»!

الكاتب محمد خالد محسن

تاريخ النشر السبت 17-سبتمبر-2011

مشاهدات 67

نشر في العدد 1969

نشر في الصفحة 24

السبت 17-سبتمبر-2011

  • وقف الثوار على مشارف البلدة دون أن يدخلوها واختاروا مسجدا للتفاوض فكان السلام والعناق

قبل أن تحكموا على الموضوع من عنوانه أقول لكم لا تستعجلوا فليس لموضوعنا صلة بكتاب "العقد الفريد" لابن عبدربه الأندلسي، ذلك الكتاب الذي يعد واحدًا من أمهات كتب الأدب الموسوعية لمنثور الأخبار والأنساب والأمثال والأشعار والعلوم العربية منها والأعجمية.

سطورنا تتحدث عن عقد فريد من نوع آخر، لا يخرج عن جمال الأدب بل هو الأدب بعينه في ميادين السلوك والمعاملات والمفاوضات، هو نوع من أمهات العقود التي باتت نادرة في زماننا اليوم، حيث معالم النزاع والاختلاف الذي يعيشه عالمنا العربي والإسلامي.

عقدنا الفريد هنا هو الذي رسمه الثوار الليبيون القادمون إلى بلدة بني الوليد بحسن نواياهم وصدق مساعيهم، قبل أن تكتب بنوده أخبارهم وأقلامهم.. ذلك العقد الذي أسروا به قلوب أهليهم من بني الوليد» بحسن خلقهم فكان الأمن والأمان وأبوا أن يقتحموا البلدة ليملؤوا عجلاتهم ومدرعاتهم بالأسرى والمطلوبين؛ لأن ذلك لا يولد إلا الخيبة والخسران.

لقد كان مشهدًا فريدًا بحق، رغم بساطته وعفويته، وقد افترش الجميع الأرض رافعين أكفهم لله داعين بالتوفيق والسداد. ذكرنا ذلك المشهد العظيم بيوم فتح مكة، وإن اختلف الزمان والمكان وما رافقه من قيم خالدة ما زالت الأجيال تترنم بها حتى يومنا هذا بكل فخر واعتزاز.

لقد سار الثوار الليبيون الأخيار على هدي الرسول صلى الله عليه وسلم الأكرم محمد، واستحضروا نداءه الخالد في أصحابه وهو يدخل مكة مرفوع الرأس شديد البأس، ناهيا - رغم قدرته أن يُرفع على أهلها سيفًا أو فاسًا، مناديًا ألا يقطعوا شجرًا، ولا يؤذوا بشرًا، يرسل رسائل الأمن والسلام الواحدة تلو الأخرى، وهو القادر على أن يمحو آثار المدينة التي آذته وهو لها ناصح، وهجرته وهو لها محب ووصفته بأسوأ الأوصاف، وهو ما فتئ يذكر طيبها في كل مقام ومقال.

وقف الثوار على مشارف بلدة بني الوليد دون أن يدخلوها حتى لا يرهبوا أهلها واختاروا بيتا من بيوت الله ليكون محل اللقاء مع أعيان بني الوليد، وأشرافها، فكان السلام والعناق فغسلت القلوب من الغيض والغضب، ونقلوا لأهالي البلدة سلام إخوانهم الثوار من كل أنحاء ليبيا، فطابت الأنفس وحل الأمن الأمان.

ثم دار الحديث بين الأهل – بينما ذكر الله حاضر يبارك اللقاء ويسدده - الثوار ثوابتهم، وضربوا الأمثال بخير البشر محمد فرحب أهالي «بني الوليد بهذا الخطاب وتقبلوه قبولًا حسنًا.. ﴿وهْل جَزاءُ الإحْسَانِ إلا الإحْسَانُ ﴾ (الرحمن)، وقالوا: إن أكثر من ٩٠٪ من أهل البلدة أو يزيد هم مناصرون للثوار والـ 10% الباقية صنف من عباد المال والمناصب والمنتفعين وهؤلاء جبناء يعيشون على إغراء الآخرين والتغرير بهم، فلا تخافوهم، ولا تتوقعوا منهم قتالًا، أما الصنف الآخر فهم الشباب الصغار المغرر بهم.. وهنا أعلن الثوار ثابتا آخر أثلج صدور قوم مؤمنين من أنهم لن يمسوا أي مواطن بأذى، ولن يداهموا أو ينتهكوا حرمات البيوت، وإن القانون الذي يسري على الجميع - بما فيهم رأس هرم السلطة السيد مصطفى عبد الجليل، الذي أعلن أنه سيخضع نفسه للقانون مقابل عشر سنوات ماضيات قضاها مع نظام القذافي» - هو الفيصل في التعامل مع المطلوبين للعدالة ووفق الإجراءات المعتادة. 

ولعل من أهم عوامل نجاح هذا العقد الفريد بين المجاهدين الثوار وأهالي بلدة بني الوليد ما يلي: 

1- الاستعانة بالله تعالى والاقتداء بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم واختيار بيت من بيوت الله مكانا للتفاوض. 

2- الإخلاص والنية الصادقة، اللذان عمرت بهما قلوب المجتمعين.

3- التخلق بأخلاق الإسلام وقيمه السامية، وعلى رأسها الصبر والتسامح والإيثار.

4- غياب حظ النفس فلا مكان للانتقام ولا غضبة إلا لله ولحرمة الأوطان.

5- اختيار العقلاء وأهل الحكمة كممثلين للطرفين في جلسة التفاوض ممن يميزون الخبيث من الطيب.

6- ذم تدخل الغرباء والأجانب كوسطاء بين أهل البيت الواحد.

٧- عدم الاستعجال في القرارات، فالتمهل ليوم خير من عجلة يرافقها ألف ندم ولوم.

8- إرساء مفهوم العدالة في التعامل مع الآخرين وفي تقديم الخدمات.

9- عدم الغرور بالنصر والتحلي بخلق التواضع واختتم ذلك اللقاء الباهي - على لهجة أهل المغرب العربي - بين الطرفين، ورفض الثوار أن يسموه تفاوضًا؛ لأن التفاوض إنما يكون بين طرفين، ورأى الثوار أنهم وأهلهم في بلدة «بني الوليد»، طرف واحد وانتهى اللقاء بما يحب الله ويرضى.

وما إن خرج موكب الثوار المفاوضين من المسجد، في طريقهم للعودة إلى مواقعهم خارج بلدة «بني الوليد، حتى تعرضوا لوابل من الطلقات النارية من بقايا أزلام نظام القذافي» في حركة مكشوفة لإفشال ذلك العقد الفريد بين أهل البيت الواحد، فلم يكن من بد على الثوار إلا اقتحام البلدة لمواجهة أزلام القذافي، وتطهير تلك البلدة الطيبة منهم.

معادلة الفوضى والأمان.. والنفاق

سعد سعيد الديوه چي: كاتب عراقي

الفوضى تعقب الحروب... قالها نابليون سابقًا، والثورات الداخلية نوع من الحروب تجتاح المجتمعات والدول من داخلها، وهي مسألة طبيعية جدا الا تؤخذ كمؤشر لعدم حدوث الثورات ضد الظلم والإهانة، وتزداد الصورة اضطرابا عندما تتم مناقشة حالة هذه المجتمعات قبل الثورات وبعدها، حيث تبدو ساكنة وهادئة تنعم بالأمان، ثم ينقلب الأمر إلى هرج ومرج وقتل وتشريد.

هنا ينقسم الناس وخصوصًا من خارج الحلبة إلى معارض شديد لهذه الثورات ومؤيد لها على أساس تحول الوضع من السلام والأمان إلى الفوضى والاضطراب، ويتم وضع الصورة في إطار عاطفي فضفاض.

وهذا التحليل بحد ذاته سطحي وساذج إلى حد بعيد، وتبدو المعادلة فيه بسيطة إلى حد كبير.. ولكن الأمر ليس كذلك، فالأمان والهدوء في ظل الأنظمة الفاسدة والدكتاتورية والشمولية وذات البعد العائلي المغلف بأغطية جمهورية فضفاضة، هو أمان ناتج عن الخوف والرعب من ممارسات هذه الأنظمة وليس ناتجا من احترام الناس للقوانين والأعراف، فيكون الذل هدوءًا والإذعان نظامًا وهدوءا.

هذا المنطق رأيته غير مقبول عند كثير من الناس، ومع الأسف من بعض الأكاديميين ممن يحملون شهادات عليا كالماجستير والدكتوراه، ويمارسون واجباتهم الدينية بانتظام وهم بحالة مادية طيبة ولكن مصالحهم تصطدم بأي تغيير مهما كان لونه وشكله. 

وفي غمضة عين ومضت في خاطري الآية الكريمة: ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أَمْرُنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَق عَلَيْهَا الْقَوْلُ قَدَمَرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: 16).

هؤلاء هم قسم من المترفين الذين يعيشون تحت ظل أي نظام طالما توافرت متطلباتهم المادية المحصورة بين الفم والفرج.

ولكن من هم المترفون؟ هل هم الأغنياء والملاك أبدًا، فالترف هو إشباع حاجة غير ضرورية، والشخص الذي أترفته النعمة هو الشخص الذي أطفته النعمة والإنسان لديه الخيار الكامل بتأييد موقف أو رفضه، أو قبول فكرة أو رأي أو رفضهما!

ولكن أليس المؤمن بكيس فطن كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فكيف يكون المؤمن وهو غني ومثقف ثم ينحدر إلى منحدر المترفين؟

هذا الانحدار لا يمكن تبريره إلا بالنفاق، وهنا يكمن السر في حل هذه المعادلة، فالفوضى سببها الظلم أيا كان لونه وشكله، كما أن الترف قد يكون بعض في الأحيان سياسيا وفكريا يتخذ غطاء للترف المادي: فتظهر نظريات وآراء ملتوية وتافهة تبرر كل ظلم بالتلاعب بالكلمات والحقائق.

لقد رأينا على الشاشات كيف يُضرب الشباب ويقيدون ويهانون بطرق وأساليب لا تطبق حتى على الحيوانات وعندما تعي الحيلة أحدهم تأخذه العزة بالإثم فيقول: إنهم يستحقون أسوأ من هذا العقاب لأنهم حولوا عرس الهدوء والأمان إلى فوضى وقتل، ناسين أن من بدأ القتل هم الظلمة أنفسهم.

هذا ما يجول مع الأسف من أحاديث هنا وهناك في العراق أرض.... ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الرابط المختصر :