العنوان الأخيرة- العقل المسلم وتحديات ما بعد الحداثة
الكاتب د. مسفر بن علي القحطاني
تاريخ النشر السبت 13-أكتوبر-2007
مشاهدات 64
نشر في العدد 1773
نشر في الصفحة 66
السبت 13-أكتوبر-2007
كانت ثورة التنوير والعقلانية ضد الكنيسة والدين لم تتجاوز أوروبا إلا بعد أكثر من قرن من الزمان، وذلك لما بدأ الاستعمار الأوروبي يحمل أسلحته ويفرض أفكاره على شعوب العالم بقوة الغالب وتبعية المغلوب، ولم تتوان البعثات الدراسية الأولى إلى الغرب عن القيام بدورها في نشر الفكر العلماني والتبشير بالخلاص الليبرالي لمآسي الضعف والفقر والاستبداد الذي تعيشه أكثر شعوب العالم مع بداية القرن العشرين، ولا يزال الحراك الثقافي والفلسفي حتى اليوم ينمو ويتطور في أوروبا، ولكن بشكل مختلف عما سبق حدوثه في ثورة التنوير والعلم والمادة وتقديس العقل، فقد جاءت تلك الحقبة بعد عصور الظلام الكهنوتي والظلم السياسي والإقطاعي، ولكن معطيات التغيير الحالي لن تتأخر في وصولها إلى العالم - كما مضى - بل أصبحت المعرفة تدول في لحظات من انطلاقها من مهدها، وعندما تكون الفلسفة الجديدة متناغمة مع توجه الإعلام الهوليوودي على وجه الخصوص وسياسات النظام العالمي الجديد - كما هو حال الطور المعرفي الراهن - فإن عمق الأثر سيتجاوز النخب المثقفة إلى أفراد المجتمعات كل حسب رغبته اللحظية، وليس هناك اعتبارات ستكون أهم من المتعة والرغبة الجسدية. فالصعود المعرفي لسطوة المادة والطبيعة وصل إلى مرحلة النهاية التي يلزم بعدها النكوص من القمة نحو القاع، ولكن ما هو القاع الذي نتوقعه من واقع هذا الحراك الفلسفي في الغرب وإلى أين سينتهي؟ وما البديل المعرفي الحضاري لمادية سيطرت على شؤون العالم كله؟
كل تلك الأسئلة لا أحد يملك الإجابة عنها، وذلك لسرعة السقوط للقداسة الفلسفية التي تكونت وأخذت وهجًا عالميًا حلت به بديلًا عن الديانات العريقة التي آمنت بها شعوب كثيرة في أوروبا وأمريكا وبعض إفريقيا وآسيا.
إن قعر الهاوية بدا عند بعض الفلاسفة المعاصرين هو المآل الطبيعي للفكر العقلاني الغربي، ليس تبشيرًا بأفضلية البديل بقدر ما هو استشراف الأسوأ من حال الفكر المعاصر، من خلال بروز ظاهرة التهميش المتعمدة للفلسفات العريقة، والدخول إلى عالم الميوعة، أو كما سماها د. عبد الوهاب المسيري الدخول إلى المادية السائلة عقب المادية الصلبة.
إننا أمام معاول قوية تهدم كل ما هو حقيقة أو أساس مستقر أو قانون مطلق أو فكر شامل، هذه الحالة هي ما يسمى في الغرب (بما بعد الحداثة) أو ما بعد البنيوية أو ما بعد الليبرالية أو ما بعد العقلانية إلى غيرها من الما بعديات الفوضوية والعبثية واللاشيئية، هذا التنظير الجديد لما بعد الحداثة، بدأ مع نيتشه الذي لخص رؤيته العدمية في عبارته الشهيرة والكاذبة "لقد مات الإله!" ويقصد بعبارته تلك كما يقول هايدجر الفيلسوف الألماني أن الإله بالنسبة لنيتشه، هو العالم المتسامي العالم الذي تجاوز عالمنا - عالم الحواس - الإله هو اسم عالم الأفكار والمثاليات والمطلقات والكليات والثوابت والقيم الأخلاقية.
إنه التحرر الكامل للإنسان من أي سيطرة لقيم أو ثوابت أو مرجعيات عقلية بل هي دعوة منه أن نقبل بالعدمية زائرًا دائمًا بيننا على حد تعبير نيتشه نفسه وهايدجر وسارتر ولاكان وغيرهم من فلاسفة الغرب الذين دعوا إلى هذه الفوضوية، والتحويل من الحقائق الكبرى إلى القصص الصغرى التي يكونها الإنسان لنفسه ويؤمن بها بعيدًا عن أي معايير يمكن أن تحد من قبولها، وزاد من سعار النقد للعقلانية وهدمها نشر الفلسفة التفكيكية القاضية على كل المدلولات والحقائق الثبوتية، ولعل جاك دريدا وميشال فوكو وغيرهم من مفكري الغرب المعاصر قد ساهموا وبشكل كبير في تنظير التفكيكية كمرحلة بعد البنيوية تزيح ما علق في فلسفات الحداثة من معاني ودلالات ثابتة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل