العنوان العقل المسلم وتحديات «ما بعد الحداثة» (٣)الاستعمار الناعم
الكاتب د. مسفر بن علي القحطاني
تاريخ النشر السبت 03-نوفمبر-2007
مشاهدات 46
نشر في العدد 1775
نشر في الصفحة 66
السبت 03-نوفمبر-2007
(*) أستاذ التاريخ الإسلامي والأندلسي
تحدثنا في العدد الماضي عن ثلاثة ملامح لفكر ما بعد الحداثة في المجتمعات الغربية، واليوم نتحدث عن الملمح الرابع:
رابعًا: تؤكد سياسة ما بعد الحداثة، وهنا استخدم لفظة «سياسة» وليست فلسفة، لدخول هذا المؤشر إلى حيز الشريك الفلسفي والسياسي للنظام العالمي الجديد، والذي وجد في فكرة الهيمنة العسكرية خسائر، وإذكاءَ لجذوة المقاومة في الدول المستعمَرة، فتحولت مشروعاته الاستعمارية نحو الاستعمار الناعم، بالتركيز على ضرب الخصوصيات القومية وأنظمتها المرعية لضبط مصالح شعوبها؛ من أجل فتح الحدود للشركات العابرة، والمنتجات الاستهلاكية، وتحويل النخب السياسية في تلك الدول إلى شركاء في الاستثمار، وتحويل الشعوب إلى أدوات استهلاكية، فالهوية الدينية والثقافية والخصوصيات القومية لا مكان لها في السوق العالمية الحالية، وإغواء المجتمعات يسير بشكل قوي ومنحدر نحو التخدير الإعلامي والإعلاني للوقوع في قبضة سُكرة الاستهلاك والمديونيات الطويلة. ولا يقل حجم التأثير الهوليودي قوة عن غيره في تعزيز بقاء الإنسان آلة للعب والإلهاء، والشعور بالتبعية القسرية للنظام العالمي الغربي الشمالي الأبيض، من خلال أفلام البطولات المنقذة للأرض، أو من خطر العصابات الروسية أو الإرهابيين أو الملونيين عمومًا، أو الوقوع تحت التنويم العقلي لأسر الثراء والنظام واللذة؛ وذلك بالمحاكاة التامة لتلك المجتمعات الغربية البيضاء من خلال البرامج والأفلام الغربية، وفي الآونة الأخيرة زادت قنوات الأفلام في القنوات العربية وربما في العالم أيضًا وبشكل كبير وسريع، وأغلبها يصدر من هوليود ومن خلال تأثير واضح لفلسفة ما بعد الحداثة وفوضويتها العابثة بقيم العالم.
هذه بعض ملامح فلسفة ما بعد الحداثة، وكل ما سبق أعتبره مقدمات للوصول إلى نتيجة أرى أنها ضرورية لإدراك حجم التأثير لهذه الفلسفة الغريبة بين أوساطنا الثقافية العربية والإسلامية، والتناغم مع الكثير من الأطروحات الفكرية التي تصب في ذات الأهداف، إما عن دراية وعلم أو من خلال التبعية الثقافية التي تجبر أصحابها على الترديد الببغائي مهما كان صوته صارخًا ونشازًا، وهذا ما نقرؤه من محاولات تفكيكك النص القرآني وتفسيره وفق ميول ورغبات القراء، أما السُّنة فقد تم إلغاؤها بحجة أنها لا مركزية لها؛ كونها جاءت من بشر لا يختلفون عن غيرهم من الناس، والظروف النبوية اختلفت تمامًا عن واقعنا المعاصر الذي يحتاج إلى أدوات جديدة للفهم والاستنباط، وأحيانًا يأتي النقد إلى نبذ الهوية القومية، والمطالبات بالإصلاحات السياسية وفق المشاريع الشرق أوسطية المشتركة، كذلك تهميش القيم الخلقية والسلوكية وغيرها من مسلّمات الدين خصوصًا والمعطيات العقلية الأخرى، وهو طرح كثير من الليبراليين الجدد من العرب المستغربين.
بقي أن أركز على دواعي طرْق هذا الموضوع وعلاقته ببنية العقل المسلم، إذ إن دور العقل بدأ يهتز ويُنقض من أساسه وذلك لوجود ثغرات واضحة في العقل المادي ومركزيته في النهضة الغربية الحديثة، بينما العقل المسلم لا يزال قاصرًا عن إحياء دوره السابق في إعادة تكوين منهجية البناء الحضاري الشامل للجوانب المعنوية والمادية، كما أن منهج الاستدلال الأصولي وقواعده المقاصدية قد أثمر علومًا رائدة لا مثيل لها في جميع الحضارات. وما إن تم تغييبها عن الواقع الإسلامي وتهميش فاعليتها في التجديد والتغيير والكشف عن معارف حديثة وعلاج للواقعات الجديدة؛ حتى دب الضعف في جسد المجتمعات الإسلامية وأعاقها عن التقدم والفعل الحضاري اللائق بهذه الأمة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل