العنوان العقوبة في الشريعة الإسلامية
الكاتب د. عبد الكريم زيدان
تاريخ النشر الثلاثاء 23-نوفمبر-1976
مشاهدات 414
نشر في العدد 326
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 23-نوفمبر-1976
1- مقدمة وتمهيد:
1- من خصائص الشريعة الإسلامية الشمول، ونعني بهذه الخصيصة أن الشريعة الإسلامية تنظم مختلف شئون الحياة وتحكم جميع أفعال الإنسان وتبين له مناهج السلوك في الحياة وتحدد علاقاته بالله تعالى وبالآخرين من بني جنسه، وهكذا لا يخرج عن حكم الشريعة وتنظيمها أي شيء.
2- والسير بموجب تنظيم الشريعة الإسلامية ومناهجها والوقوف عند حدودها والالتزام بأحكامها يؤدي قطعًا إلى السعادة الحقة في الدنيا والآخرة؛ لأن الهدى محصور فيها وغير موجود في غيرها، قال تعالى ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ﴾ (البقرة: 120) فالقرآن -وهو أساس الشريعة الإسلامية- هدى للناس جميعا، أما تخصيص الهداية في بعض آيات القرآن بالمؤمنين والمتقين في مثل قوله تعالى ﴿هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: 138) وفي قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: 57) فهذا التخصيص لا يعني أن القرآن نزل للمؤمنين فقط وأنه خاص بهم، وإنما خصوا به وصار هداية لهم لأنهم انتفعوا به دون غيرهم؛ فالقرآن الكريم، كما يقول ابن القيم رحمه الله «هدى بالفعل لمن اهتدى وراء به، وبالقوة لمن لم يهتد به».
3- ورفض الاهتداء بهدي الشريعة الإسلامية والانحراف عن مناهجها وقواعدها في السلوك وعصيان أوامرها يؤدي ذلك كله قطعًا إلى الشقاوة والحياة التعيسة ونزول العقاب بالرافضين والمنحرفين.
4- وعقاب العصاة للشرع الإسلامي المنحرفين عن مناهجه وأحكامه نوعان:
النوع الأول: عقاب أخروي يتولاه الله جل جلاله في الآخرة ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (آل عمران: 30)، والعقاب الأخروي هو الأصل في العقاب في الشريعة الإسلامية لأنه يتم بعد انتهاء مدة الامتحان وإتمام الإنسان رحلته على الأرض وطي صحيفة أعماله، ثم تقييم هذه الأعمال من قبل رب العالمين ثم محاسبة الله للناس في الآخرة على أساس هذا التقييم، ولهذا سميت الآخرة بيوم الدين، أي يوم الحساب، وبالتالي ينال المحسن ما يستحقه من ثواب وينال المسيء ما يستحقه من عقاب.
وهذا النوع من العقاب هو من مقتضى عدل الرب ومن لوازم الأمر والنهي، وليس هنا تفصيل ذلك ولا هو موضوع بحثنا.
5- النوع الثاني: عقاب دنيوي، وهذا النوع قسمان:
القسم الأول: عقاب جرت به سنة الله الكونية، ويقوم على قانون السبب والمسبب، وربط النتائج بالمقدمات ويصيب الأفراد والجماعات في حالة انحرافهم عن شرع الله.
ويأخذ هذا النوع من العقاب أشكالا مختلفة؛ فقد يكون بالهلاك للأمة أو بتشتت كلمتها وتسليط الأعداء عليها، أو بضرب المهانة والذلة عليها، أو بإصابة الناس بالضنك والخوف والقلق ونقص في الأنفس والثمرات، أو بغير ذلك من أشكال العقاب وأنواعه..
وقد أشار القرآن الكريم في كثير من آياته إلى سنته الثابتة في هذا النوع من العقاب، من ذلك:
أ- ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (الفتح: 23).
﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (آل عمران: 137).
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ (محمد: 10).
فسنة الله تعالى لا تتبدل ولا تتغير في المنحرفين عن شرعه يصيبهم الدمار، وهو من عقاب الله الذي جرت به سنته الكونية في الناس القائمة على ربط السبب بالمسبب والمقدمة بالنتيجة، ولا يمكن أن يتخلف هذا القانون أو يتعطل وإنما قد تتأخر النتيجة لمانع.
ب- ﴿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾ (الكهف: 59)، ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ (النمل: 52) فشيوع الظلم في الجماعة سبب لهلاكها، والهلاك نوع من العقاب الدنيوي الذي جرت به سنة الله.
جـ- ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: 103) ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: 46) فالفشل وذهاب القوة نتيجة للنزاع وعصيان أوامر الله ورسوله. كما أن التفرق وعدم الاعتصام بشرع الله يؤديان الى العذاب وفي الحديث الشريف «الجماعة رحمة والفرقة عذاب».
د- ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ (طه: 124) فالمعيشة الضنك بمختلف أشكالها وأنواعها سواء كان الضنك ماديًّا أو معنويًّا يصيب الأفراد والجماعات في حالة انحرافهم عن ذكر الله، أي عن شرعه..
هـ- وفي الحديث الشريف عن النبي -صلى الله عليه وسلم- «إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد» فالمحاباة في إقامة الحدود وعدم المساواة أمام القانون سبب لهلاك الجماعة.
6- ويلاحظ هنا بصدد هذا القسم من العقاب ما يأتي:
- أن هذا العقاب إذا نزل بالجماعة لتلبسها بأسباب هذا العقاب فإنه يصيب الصالح والطالح، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال: 25)، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية: «أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب».
وإصابة الصالح بهذا النوع من العقاب ‘ما أن يكون بمنزلة المرض الذي يصيب الصحيح عند انتشار الوباء، وإما أن يكون بسبب تقصير من الصالح في منع أسباب العقاب، وليس هنا تفصيل هذه المسألة.
- والملاحظة الثانية أن هذا النوع من العقاب الدنيوي لا يرفع العقاب الأخروي عن مستحقيه وإن أصابهم العقاب في الدنيا، ويكون نزوله فيهم في الدنيا مع معاقبتهم في الآخرة بمقتضى سنة الله الكونية وللاعتبار والاتعاظ، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (يوسف: 111).
7- والقسم الثاني من العقاب الدنيوي يشمل العقوبات التي نصت عليها الشريعة الإسلامية وأمرت ولاة الأمور بتنفيذها بحق المخالفين لأحكامها بارتكاب ما حرمته أو ترك ما أوجبته، أي بارتكابهم ما يعتبر جريمة في الشريعة، مثل قطع يد السارق في السرقة والقصاص في القتل العمد وهكذا.
وهذه العقوبات هي موضوع بحثنا..
8- ويلاحظ بشأن هذه العقوبات ما يأتي:
- أنها لا تمنع العقاب الأخروي عمن أقيمت عليه لأن العقاب الأخروي يرفع بالتوبة النصوح لا بإقامة العقوبة الدنيوية، قال تعالى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (المائدة: 33- 34)، وجاء في الحديث الشريف «أن السارق إذا تاب سبقت يده إلى الجنة»، وإن لم يتب لا ترفع عنه العقوبة في الآخرة وإن عوقب في الدنيا بقطع يده إلا إذا تاب توبة نصوحًا.
- أن تشريع هذه العقوبات يعني إمكان وقوع المخالفات للشريعة الإسلامية حتى من قبل المسلمين أنفسهم؛ لأن في النفس الإنسانية استعدادًا للعدوان ونوازع للشر والظلم فكان لا بد من قمع هذه النوازع بتشريع العقاب في الدنيا ليردع النفوس عن الاستجابة لهذه النوازع.
- أن تشريع هذه العقوبات هو من مظاهر شمول الشريعة الذي هو من خصائصها كما قلنا من قبل.
٢- أساس العقوبة الشرعية:
9- والأساس الذي تقوم عليه العقوبة الشرعية أو الفكرة الأساسية التي تستند إليها هذه العقوبة هو نفس الأساس الذي تقوم عليه الشريعة الإسلامية كلها؛ لأن العقوبات الشرعية جزء من الشريعة وجانب منها، والشريعة الإسلامية متماسكة الجوانب منسجمة الأجزاء لا تنافر بينها ولا تضاد وتعمل كلها لتحقيق هدف واحد كبير فلا بد أن يقوم على أساس واحد كبير، فما هو هذا الأساس؟ هذا الأساس في قوله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107) وإنما أرسل الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- بالشريعة الإسلامية؛ فأساس الشريعة إذن، ومنها العقوبات هو الرحمة، أي رحمة الله بعباده، فهو جل جلاله الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، ولا يُسمّى باسمه الرحمن غيره كما قال العلماء.
10- والرحمة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى الناس ودفع المفاسد والأضرار عنهم وهذا المقتضى للرحمة أو ما تضمنته الرحمة ظاهر في الشريعة ومعروف من استقراء نصوصها وقد صرح بهذه الحقيقة غير واحد من العلماء، فقد قال الفقيه العز بن عبد السلام «إن الشريعة كلها مصالح، إما درء مفاسد أو جلب مصالح»، وقال الإمام الكبير شيخ الإسلام ابن تيمية «إن الشريعة الإسلامية جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها»، وقال الفقيه الكبير ابن قيم الجوزية «الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة ومصالح كلها وحكم كلها».
11- وإذا كانت الرحمة تقتضي إيصال المنافع إلى الناس ودفع المفاسد والأضرار عنهم أمكن أن يقال أيضا إن أساس الشريعة أو الفكرة التي تستند إليها، ومنها العقوبات أيضا، هي جلب المصلحة للناس ودرء المفسدة عنهم.
12- وميزان المصلحة، أو ما به تعرف المصلحة، هو الشريعة الإسلامية نفسها، فما شهدت له بالصلاح والنفع فهو المصلحة قطعًا، وما شهدت له بالفساد والضرر فهو المفسدة قطعًا، والخروج على هذا الميزان يعني اتباع الهوى، والهوى باطل لا يصلح معيارًا لتمييز الصلاح عن الفساد، قال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (ص: 26) والحق هو ما أنزله الله، فليس هناك إلا الحق والهوى، والحق هو ما شرعه الله لعباده، وما عداه هو الهوى، وهو باطل وفيه الفساد والضرر للناس. فالمصلحة إذن، في اتباع ما أنزله الله وشرعه لعباده وهجر ما سوى ذلك.
13- ومصالح الناس الحقيقية هي في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال حتى اعتبرها العلماء في مرتبة المصالح الضرورية التي اتفقت الملل على وجوب رعايتها وحفظها؛ لأن فواتها مفسدة عظيمة لا قيام للحياة مع فواتها، ولذلك كان الاعتداء عليها أو تفويتها أمرًا محرمًا في الشريعة الإسلامية ويعتبر جريمة تستوجب العقاب، ولهذا قال الإمام الغزالي -رحمه الله- في حفظ هذه الأمور الخمسة «فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة».. ثم قال: «وتحريم هذه الأمور الخمسة والزجر عنه يستحيل ألا تشتمل عليه ملة من الملل وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق، ولهذا لم تختلف الشرائع في تحريم الكفر والقتل والزنا والسرقة وشرب المسكر...».
14- والشريعة الإسلامية تصل إلى مقصودها في حفظ هذه المصالح الضرورية للناس عن طريق إصلاح الفرد إصلاحًا جذريًّا من داخل نفسه على أساس العقيدة الإسلامية وأصولها القائمة على الإيمان بالله ومراقبته وخشيته ودوام الاتصال به. وجعل الإنسان في إحساس دائم بأن الله يراه ويعلم ما توسوس به نفسه وما ترتكبه جوارحه وإن خفي أمره على الناس، وأن الله تعالى يُحصي عليه أعماله ويحاسبه عليها يوم القيامة فلا فائدة من إفلاته من عقاب الدنيا ومحاسبة الناس ما دام ذلك لا ينجيه من المسئولية أمام الله، ثم يترقى الحال في إصلاح الفرد على أساس العقيدة الإسلامية فلا يقف عند حد منزلة الخوف من الله، بل يتجاوزها أو يقرن معها مرتبة المحبة لله وما يترتب عليها من المسارعة إلى طاعة الله وعدم عصيانه؛ لأن الشأن في المحب أن يطيع محبوبه ولا يعصيه ويسارع إلى ما يحبه. ولا شك أن هذه التربية للفرد القائمة على أساس العقيدة الإسلامية ستجعله مطواعًا لفعل الخير کارهًا لفعل الشر بعيدًا عن مخالفة الشرع وارتكاب محظوراته، وفي هذا أكبر ضمانة للمحافظة على المصالح الضرورية له وللناس. وبالإضافة إلى إصلاح الفرد تُعنى الشريعة الإسلامية عناية كبرى في إصلاح المجتمع وطهارته وإزالة الفساد عنه، ومن هنا جاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولا شك أن المجتمع الطاهر النقي يساعد كثيرًا على إتمام عملية إصلاح الفرد ويساعد كثيرًا على منع وقوع الإجرام وما يترتب عليه من فوات مصالح المجتمع والأفراد. فإصلاح الفرد من داخل نفسه وإصلاح المجتمع هما الدعامتان الكبيرتان اللتان تستند إليهما الشريعة في تحقيق المصالح للناس ودفع الفساد عنهم.
15- ولكن مع هذا كله تبقى بعض النفوس ضعيفة لا ينفع معها منهاج الإسلام في الإصلاح والتقويم فتتطلع إلى الإجرام والاعتداء على الآخرين وتفويت مصالحهم الضرورية. ومن هنا لا بد من وسيلة لمنع هذا الفساد عن الناس ووقايتهم من هذه الأضرار، ومنهاج آخر لإصلاح الفرد، فكان تشريع العقوبات في الشريعة الإسلامية، فأساسها إذن، هو ذات الأساس الذي قامت عليه الشريعة كلها كما قلنا وهو الرحمة بالناس وإن كان في العقوبات إيلام وأذى، فهي بمنزلة وصف الدواء المر الكريه للمريض فيه المرارة ولكن وراء وصفه إرادة الرحمة والمصلحة للمريض. ولهذا قال الإمام ابن تيمية في العقوبات بأنها «شرعت رحمة من الله تعالى بعباده فهي صادرة عن رحمة الخالق وإرادة الإحسان إليهم، ولهذا كان ينبغي لمن يعاقب الناس إليهم والرحمة لهم كما يقصد الوالد على ذنوبهم أن يقصد بذلك الإحسان تأديب ولده وكما يقصد الطبيب معالجة المريض». وقال الفقيه الشافعي الماوردي وهو يتكلم عن التعزير بأنه «يوافق» الحد من وجه وهو أنه تأديب واستصلاح وزجر.
فالعقوبة إذن، أساسها ملاحظة المصلحة واعتبارها وتحقيقها للفرد والجماعة وإن كان فيها ألم وأذى للجاني، فهذا لا يمنع من ابتنائها على المصلحة. وتوضيح ذلك أن ما في العقوبة من ألم يمنع من ارتكاب الجريمة. وفي الامتناع مصلحة ظاهرة للفرد والمجتمع وإذا ارتكبت الجريمة وعوقب المجرم ففي هذا العقاب مصلحة للمجتمع بإزالة الفساد الطارئ عليه وقطع العضو الفاسد فيه وهذه مصلحة للمجتمع.
أما المجرم- فالمصلحة في معاقبته تظهر في تحسيسه بخطئه وإثمه وعصيانه لربه وتقصيره في حقه بعد إن لم ينفع معه الوعظ والإرشاد، وكثيرًا ما يؤدي هذا الإحساس والشعور بالخطيئة إلى يقظة الإيمان في نفس المجرم فيتوب توبة نصوحًا لا يعود بعدها إلى سابق فعله الإثم. وكم من مذنب كان بعد ذنبه ومعاقبته خيرًا منه قبل ذلك، فالعقوبة، إذن، كانت مصلحة في حقه ووسيلة ناجحة في إصلاحه وحتى إذا لم تصل به العقوبة إلى التوبة النصوح فإنها تزجره عن العود إلى الإجرام مخافة أن يحل به العقاب كما حل به أول مرة، وفي انزجاره وعدم عوده مصلحة مؤكدة له كان ثمنها عقوبته الأولى، وحتى إذا عاد، فإن معاقبته تردع الآخرين وتجعله عبرة للمعتبرين وتحفظ على المجتمع مصالحه، وهذه المصالح ومنها الاعتبارية أعظم من إنزال العقاب بهذا المجرم العائد، والقاعدة في المصالح والمفاسد أنها إذا تزاحمت قدمت المصالح العظمى وإن تضمنت بعض المفاسد.
ولهذا كان من الواجب الشرعي على ولي الأمر الحزم في إنزال العقوبات بمستحقيها وعدم التهاون فيها أو تعطيلها بحجة الرحمة؛ فالرحمة لا تعني الرأفة وإنما تعني إيصال النفع والمصلحة للناس وإن كان طريقًا مرًّا كريهًا، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: 2) ولو امتنع الطبيب عن معالجة المريض وكيه بالنار إذا اقتضت الضرورة لعلاجه بحجة الرأفة به لأدى بالمريض إلى الموت ولكان الطبيب قاسيًا غير رحيم ومفرطًا في مصلحة المريض بأهله..
3- أصول العقوبة الشرعية:
16- لما كان أساس العقوبة في الشريعة الإسلامية إرادة الرحمة بالعباد وتحقيق المصلحة لهم ودرء المفسدة عنهم، فقد تفرع من هذا الأساس جملة أصول روعيت في تشريع العقوبة الإسلامية لتكون منسجمة مع هذا الأساس الذي قامت عليه ومحققة للغرض المقصود منها.
وهذه الأصول المستفادة من نصوص الشريعة وأقوال الفقهاء، وقد يكون أهم هذه الأصول ما يأتي:
17- أولاً - الأصل الأول - المساواة بين الجريمة والعقوبة، وهذا الأصل في الحقيقة من آثار عدل الرب فيما يشرعه لعباده، ولأن العقوبة شرعت للضرورة، والضرورات تقدر بقدرها ولأنها ليست الأصل في الإصلاح وحفظ مصالح الناس، وانما هي كالاستثناء من هذا الأصل والاستثناء لا يتوسع فيه، ولأنها كالدواء بالنسبة للمريض والدواء يعطى بمقدار موزون دقيق بقدر حاجة المريض ولا يعطى له جزافًا كما يعطى الغذاء للصحيح، ولهذا قال ربنا -تبارك وتعالى- ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (الشورى: 40).
والسيئة اسم لما يسوء الإنسان، فيدخل في معنى السيئة العقوبات؛ فالعقوبة في الشريعة الإسلامية بقدر الجريمة، وهذه المساواة ظاهرة في عقوبات القصاص في جرائم القتل والجروح العمدية. فالعقوبة في هذه الجرائم هي القصاص، والقصاص هو أن يُفعل بالجاني مثل فعله بالمجني عليه، وكذلك يظهر أن الأصل في عقوبة التعزير، فإن التعزير يختلف باختلاف جرائم التعزير وباختلاف أحوال مرتكبيها.
أما في جرائم الحدود كالزنى والسرقة فإن المساواة بينها وبين عقوباتها قد تبدو عند البعض غير قائمة، مع أن المساواة فيها قائمة أيضا عند التأمل بين هذه الجرائم وبين ما هو مقرر لها من عقوبات؛ لأن المساواة ليست هنا مساواة بين أوزان أشياء مادية ومحسوسة وإنما هي مساواة بين كمية المعصية والضرر الذي تحمله الجريمة وبين العقوبة المقدرة لها، وقد قدر صاحب الشرع نفسه المساواة بين هذه الجرائم وبين ما تستحقه من عقوبات فجاءت عقوبات الحدود، فعلينا أن نكون مطمئنين واثقين من تحقيق المساواة في هذا النوع من الجرائم بينها وبين عقوباتها الشرعية، وسنوضح هذه المسألة عند كلامنا عن عقوبات جرائم الحدود.
18- الأصل الثاني- الردع ويراد بهذا الأصل أن يكون في العقوبة كمية كافية من الردع بحيث تردع الجميع من ارتكاب الجريمة، وإذا وقعت كان ما فيها من الردع يكفي لتأديب الجاني وردعه عن العودة إلى فعل الجريمة وردع غيره من التشبه به، وإنما تكون العقوبة رادعة بهذا القدر إذا كان ما فيها من الألم والأذى يكفي لإخافة الإنسان ومنعه من الإجرام لئلا يقع عليه المؤلم المخوف؛ لأن في كل إنسان غريزة حب الذات والخوف من المؤلم فإذا علم ما في العقوبة من هلاك نفسه أو فوات حريته أو إلحاق الأذى بجسمه أو إصابته بإتلاف عضو منه خاف وانزجر وانكف عن الجريمة وإذا ارتكبها كان ما فيها من أذى وألم رادعًا له من العودة إليها ولغيره من التشبه بالإجرام، ولهذا قال بعض الفقهاء عن العقوبات بأنها موانع قبل الفعل زواجر بعده.
19- الأصل الثالث- التأكيد على حماية المجتمع من ضرر الجريمة دون إهمال لشخصية المجرم. وهذا الأصل في الحقيقة يجمع بين نظريتين في العقاب، الأولى تذهب إلى التأكيد على حماية المجتمع من الإجرام وتهمل شخصية المجرم وظروفه وأحواله، والثانية تؤكد على الاهتمام بشخصية المجرم وإصلاحه وتجعل العقوبة مناسبة لظروفه وأحواله وإن لم تكن هذه العقوبة بالقدر الكافي لحماية المجتمع؛ لأن اهتمامها الأول منصب على شخص المجرم وإصلاحه في نظرها قبل الاهتمام بحماية المجتمع من أضرار الجريمة.
والشريعة إذا جمعت في تشريعها العقاب بين مدلول هاتين النظريتين فإنها أخذت بأحسن ما في كل منهما بحيث تتحقق حماية المجتمع ومصلحة المجرم. ففي عقوبات الحدود جعلت الشريعة رعاية شخصية المجرم تقف عند حد التأكد من بلوغه وعقله واختياره، وعدم وقوعه في حالة الضرورة أو الإكراه أو الجهل. فإذا ارتكبت الجريمة من جرائم الحدود كالزنا والسرقة وشرب الخمر ولم يكن في هذه الحالات، استحق العقوبة المقررة على التفصيل المذكور عند الفقهاء، ولم يلتفت إلى ظروفه وبيئته وسيرته ومستوى ثقافته واضطراب نفسيته؛ لأن هذه الأمور لا تبرر تخفيض العقوبة في حقه أو استبدالها بغيرها نظرًا لجسامة هذه الجرائم وخطورتها ما دام قد ارتكبها وهو بالغ عاقل مختار؛ لأن ما عنده عقل واختيار وهو بالغ ينبغي أن يزجره ويردعه عن هذه الجرائم، فاذا لم يرتدع حقت عليه العقوبة ولا يملك القاضي إلا تطبيقها. وهذا هو المسلك السديد في حماية المجتمع من الضرر والحفاظ على مصلحته ومصلحة أفراده، ومن حق المجتمع أن يصان وتحفظ مصالحه لأنه كالبيت الواسع الكبير لأفراده، ومن مصلحتهم أن يحفظ بيتهم من الانهيار ومن شيوع الفوضى والاضطراب فيه. ويوضح ذلك أن الأخذ بنظرية تفريد العقاب في جرائم الحدود بحجة ملاحظة شخصية المجرم وأحواله تؤدي إلى كثرة الإجرام وإفلات المجرمين من العقاب الرادع لهم لأن أحوال المجرم المراد ملاحظتها فيه وعلى أساسها تقوم نظرية تفريد العقاب غير منضبطة وليست لها حدود واضحة مما يجعل تسرب الهوى وسوء التقدير واردًا عند تقدير العقوبة مما يعود على المجتمع بالضرر الجسيم، والضرر مدفوع، ولا يندفع إلا بتطبيق هذه العقوبات على جميع مرتكبيها مع ملاحظة أشخاصهم عند حد التأكد من بلوغهم وعقلهم واختيارهم وخلوهم من حالات الضرورة والإكراه والجهل كما قلنا.
أما في جرائم القتل العمد والجرح العمد فإن العقوبة هي القصاص إذا توفرت شروطه دون نظر إلى شخصية المجرم إلا بقدر التأكد من بلوغه وعقله واختياره، وهذا هو القدر الذي يستحقه من الرعاية والنظر إلى شخصيته. ولكن أعطت الشريعة للمجني عليه ولأوليائه الحق في العفو عن الجاني، فإذا عفوا امتنع القصاص وإن أمكن معاقبته على وجه التعزير.
أما الجرائم الأخرى، وهي التي تعرف بجرائم التعزير، فإن شخصية المجرم وظروفه وميوله وسوابقه لها اعتبار كبير عند تقدير العقوبة؛ لأن هذه الجرائم لا تبلغ في خطورتها مبلغ جرائم الحدود والقصاص، ومن ثم فإن نظرية تفريد العقاب تجد مجالها الواسع الرحيب في هذه الجرائم وهي كثيرة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل