; في قفص الاتهام | مجلة المجتمع

العنوان في قفص الاتهام

الكاتب د. علي الحمادي

تاريخ النشر الثلاثاء 07-ديسمبر-1999

مشاهدات 119

نشر في العدد 1379

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 07-ديسمبر-1999

يحلو لبعض الدعاة والمصلحين أن يكونوا دائمًا في موقف الضعيف المدافع الذي قيد يديه إلى عنقه ووضع نفسه في قفص الاتهام، لذلك تجده في حالة من المسكنة لا يحسد عليها.

ولا شك أن هذا الأسلوب أسلوب غير سوي، بل هو أسلوب الجبناء والضعفاء ومن لا ثقة لهم بدعوتهم ومنهجهم.

إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن كذلك، بل كان يدعو الناس، ويبين خطأهم وسوء اعتقادهم، ويوجه لهم الانتقاد لعبادتهم الأصنام، حتى جعل كفار قريش في موقف الضعيف المدافع.

لا تطلبوا بالضعف حقًّا ضائعًا    ما لضعيف الحق من أشياع

إن الأصل في ذلك أن يمضي الداعية في دعوته، وأن يبين الانحراف والفساد، وألا ينتظر أهل الزيغ والانحراف كي يهاجموه ويثيروا حوله التهم والشبهات، وألا يلجأ إلى الدفاع المستمر، وإنما يكون الدفاع أمرًا عابرًا، ثم يغير من سياسته لتتحول إلى سياسة هجومية؛ إذ إنه هو صاحب الحق الذي يفخر بالانتماء إليه ويدعو الآخرين لاتباعه، فعلام يعطي الدنية دائمًا في دینه؟ بل ربما تصح هنا القاعدة المعروفة «أفضل وسيلة للدفاع الهجوم».

فلا خير في حلم إذا لم يكن له      بوادر تحمي صفوه أن يكدرا

هذا أمر يحسن أن يدركه المسلمون فضلًا عن الدعاة؛ ذلك لأن أعداء الله أدركوا هذا الأمر فأخذوا يقذفون الدعاة بسيل من التهم والأباطيل، فلا يفيقون من تهمة إلا ويشغلونهم في تهمة أخرى.

إن الحكمة تقتضي ألا نمكنهم من ذلك، فبدل أن يشغلونا بباطلهم، فإنه ينبغي أن نشغلهم بحقنا وخيرنا، فنجعلهم يفكرون فيه دائمًا، وينصرفون إليه عما عندهم من خلل وانحراف، ولا يكون ذلك إلا برد شبهاتهم وانتقاد انحرافاتهم بالتي هي أحسن، وعدم قبول أن تكون الدعوة دائمًا وأبدًا في قفص الاتهام، إذ ما عند المصلحين من تهم وانتقادات على أولئك أكثر بكثير مما عند أولئك على المصلحين، قال الهيثم بن صالح لابنه: يا بني، إذا أقللت من الكلام أكثرت من الصواب، فقال: يا أبت فإن أكثرت وأكثرت؟ «أي أكثرت كلامًا وأكثرت صوابًا»، فقال الهيثم: يا بني، ما رأيت موعوظًا أحق بأن يكون واعظًا منك.

 

الرابط المختصر :