; متى نصر الله؟ | مجلة المجتمع

العنوان متى نصر الله؟

الكاتب أ.د. السيد محمد نوح

تاريخ النشر الثلاثاء 05-مارس-1996

مشاهدات 91

نشر في العدد 1190

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 05-مارس-1996

في هذا الجو المظلم الذي تعيشه الأمة المسلمة، والذي أمسك فيه الأعداء بخناقها، وسدوا في وجهها كل منفذ لإقالتها من عثرتها، وسيرها نحو التقدم والرقي يتساءل نفر من المسلمين أين وعد الله لهذه الأمة بالنصر والتمكين، والسيادة في هذه الأرض؟ أليس هو القائل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥)

﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (الصافات:۱۷۱ – ۱۷۳)

﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٣) و(الصف: ۹)

إن عدم تحقيق هذا الوعد أصابنا بنوع من الشك والعياذ بالله أو اليأس والقنوط، وبات في الأمة من يفكر أنه مع طلوع النهار فسيمشي إلى أعداء الله، وأعداء هذه الأمة، يداهنهم ويواليهم كي يرضوا عنه، فتقضى مصالحه، وتزول العقبات والمعوقات من طريقه.

ونقول لهذا الصنف من الناس ما قاله الله لأصحاب النبي ﷺ في أعقاب محنة غزوة أحد حين قال قائلهم: أني هذا فرد عليهم بقوله ﴿هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ.وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ۖ قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ (آل عمران: ١٦٥-١٦٧)

لقد كانت محنة المسلمين يوم أحد نابعة من عند أنفسهم حيث أكره كثير منهم النبي على الخروج لملاقاة العدو، وكان من رأيه المكث في المدينة، فإن دهمها العدو تمكنوا من مواجهته بأنجح أساليب المواجهة، وإلا فقد كفاهم الله شر عدوهم وحيث عصى نفر من الرماة أمر رسول الله ﷺ وأمر أميرهم عبد الله بن جبير. ونزلوا ليصيبوا حظًا من الغنيمة، وقد قال لهم النبي ﷺ «احموا لنا ظهورنا من قبل العدو، ولا تبرحوا مكانكم هذا، وإن تخطفتنا الطير» وذكرهم أميرهم ابن جبير مقولة النبي ﷺ فلم يلتفتوا، وحيث كان فيهم من يتخذ بطانة من دون المؤمنين غرورًا وجهلًا بحال هؤلاء، وحيث كان فيهم من لا يزال يطعم الربا وكانت محنة أحد نابعة أيضًا من أن في صفوف المسلمين نفرًا من المنافقين يبطنون الكفر، ويظهرون الإسلام، وفيهم كذلك عناصر غاية في الصدق والإخلاص والاتباع والصبر وهؤلاء وأولئك لا يعلمونهم، الله يعلمهم.

 ولا بد من كشفهم جميعًا ليعرف المسلم من يوالي ومن يعادي لهذا وغيره كانت محنة المسلمين يوم أحد، وحين أدركوا خطأهم وتابوا وأقلعوا لم يطل الله عليهم زمن المحنة، بل أتاهم بالنصر في اليوم التالي حين دعاهم النبي ﷺ لملاحقة أبي سفيان وجيشه، وقد جاءته الأنباء أن أبا سفيان وقف مع جيشه بعد العدة لإعادة الكرة على المدينة من أجل قتل النبي ﷺ واحتلال المدينة، وشرط ألا يخرج معه إلا من شهد أحدًا بالأمس، وثبتهم الله فاستجابوا جميعًا، وخرجوا لا يلوون على شيء إلا على مرضاة الله ورسوله، متحصنين بهذا الدعاء حسبنا الله ونعم الوكيل، ومشوا إلى حيث كان يقيم العدو فلم يجدوا أحدًا أبدًا، بل ألقى الله الرعب في قلبه ففر .

وفي ذلك يقول: 

﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ  الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ  إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (سورة آل عمران: ١٧٢:١٧٥)

وهكذا نقول لهؤلاء المتسائلين عن وعد الله لهذه الأمة بالنصر والتمكين أين هو؟

نقول لهم: إن المسلمين جميعًا هم السبب في تأخير هذا النصر أليس بين أظهر المسلمين من جعل نفسه عميلًا وعبدًا وذليلًا للأعداء يرتمي في أحضانهم، وينفذ لهم كل ما يريدون، ولو كان على حساب الدين والوطن والعرض والمال والولد؟

وأليس بين أظهر المسلمين وإن كان ظاهره العمل بالإسلام من هو أشبه بزهرة النرجس، يعبد ذاته، وهواه وأليس بين أظهر المسلمين من يخاصم غيره ويقاطعه لا لشيء إلا لأنه خالفه في الأسلوب والوسيلة؟ وأليس بينهم من يجهل دوره ورسالته في هذه الأرض، ولا هم له سوى بطنه وفرجه؟ 

وأليس بينهم من فقد حكمة وبصيرة الدعوة إلى الله؟

أجل فينا ذلك كله وأكثر، ولذا فإننا ينبغي أن نتوجه باللوم لأنفسنا قبل أن نلوم غيرنا. 

وعلينا أن نصحح مسيرتنا في ضوء ما وضعه الله من شروط لتحقيق وعده لنا بالنصر، فقد شرط الإيمان والعمل الصالح، والصبر، فقال:﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥)

وقال: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (آل عمران: ۱۲۰) وعلى الصادقين فينا المخلصين المتبعين أن يتحلوا بمزيد من الصبر والاحتساب ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:٢١)

الرابط المختصر :