العنوان العلاقات السورية مع الحركات الإسلامية مرهونة بالتسوية السياسية
الكاتب عامر الحسن
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أغسطس-1999
مشاهدات 51
نشر في العدد 1364
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 24-أغسطس-1999
•النظام السوري يستثمر علاقاته مع الإسلاميين لدعم استقراره المحلي، وزيادة ثقله الدولي، والإسلاميون يدركون أن العلاقة محكومة بمستقبل التسوية في المنطقة.
فرض ما يسمى بـ«النظام العالمي الجديد» متغيرات عدة محلية وإقليمية ودولية على علاقة النظام السوري بالإسلاميين، فالهيمنة الأمريكية على الشرق الأوسط بعد حرب تحرير الكويت في عام ۱۹۹۱م، وتنامي بروز الدور الإسرائيلي والتركي في المنطقة، أوجد بينالنظام السوري والإسلاميين مصالح مشتركة، قربت المسافةبينهما بعد مرحلة صراع مريرة تجسدت في مذبحة «حماة» الشهيرة.
وذلك على الرغم من أن التقارب بين الطرفين- النظام السوري والإسلاميين- يعتبر ظاهرة سياسية مثيرة للاهتمام وجديرة بالتحليل إلا أن مستقبل هذه العلاقة على المدى الطويل يظل هو السؤال الأهم، فالعديد من المحللين يتوقعون أن تتقلص هذه العلاقة مع توصل سورية لصيغة سلمية مع الحكومة الإسرائيلية الجديدة تتعلق بانسحاب القوات الإسرائيلية من الجولان، ثم من جنوب لبنان. وقد يترتب على هذه الصيغة السورية- الإسرائيلية انتهاء الوئام مع الحركات الإسلامية، كحركتي «حماس» و «الجهاد الإسلامي» الفلسطينيتين وجماعة «حزب الله» اللبنانية وعلى المستوى الإقليمي، فإن العلاقات السورية- الإيرانية قد تتعرض هي الأخرى لاهتزاز واضحلكن حتى الآن، فإن المنطقة لا تزال تخضع لهيمنة الولايات المتحدة عبر حلفائها الحميمين مثل إسرائيل وتركيا، وهو ما أسفر عن تهميش واضح للدور السوري والإيراني في المنطقة، وترك أثره على تعميق المحور السوري الإيراني في مواجهة المحور التركي- الإسرائيلي، وترتب على ذلك التقارب البراجماتي، الذي فرضته ظروف استراتيجية وتجاوز الخلافات الأيديولوجية بين النظام البعثي القومي في سورية والنظام الإسلامي في إيران، وترتب عليه أيضًا سعي النظام السوري لاستقطاب واسع للعناصر المناوئة للهيمنة الأمريكية وللصلف الإسرائيلي، ومن بينها الحركات الإسلامية الشعبية كورقةضغط في محادثات التسوية مع «إسرائيل»، بالإضافة لإثبات أهمية الدور السوري فيمعادلة استقرار الشرق الأوسط.
وعلى صعيد الإسلاميين، فإن العديد من الحركات الإسلامية رحبت بتحركات النظام السوري على اعتبار أنها تتيح لها فرصة لمواجهة الولايات المتحدة و«إسرائيل» بعد تضييق الخناق عليها، على الرغم من إدراك هذه الحركات أن السياسة السورية تخضع لموازين استراتيجية متغيرة بحسب الأجواء السياسية والإقليمية والدولية، وهذا يعني أن فرصة مواجهة الولايات المتحدة و«إسرائيل» تحت مظلة الحماية السورية هي بطبيعتها فرصة مؤقتة وغير دائمة فضلًا عن أن دمشق ترى أن الحركات الإسلامية صارت ورقة قوية لتمكين النظام السوري من ممارسة ضغط سياسي على الدول العربية الأخرى، ولا سيما بعد ضمور التيار القومي العربي، وتزايد نفوذ الإسلاميين خلال التسعينيات وحتى اليوم، لهذا بدأ النظام السوري باتخاذ خطواته الأولى نحو التصالح مع الإسلاميين بعد فترة طويلة من الخصام.
ويجب هنا التفريق بين الإسلاميين السوريين والإسلاميين غير السوريين، وحسب ما نشرته دورية (Middle East Quarterly) مؤخرًا حول علاقة النظام السوري بالإسلاميين، فالنظام السوري عبر عن رغبته في التقارب مع الحركات الإسلامية بعمومها من خلال الإسلاميين غير السوريين، الذين بدأت الاتصالات بينهم وبين النظام في مطلع التسعينيات، أما الاتصالات بين النظام والإسلاميين السوريين فقد بدأت في منتصف الثمانينيات، لكن دون نتائج تذكر، واستأنف النظام محادثاته مرة أخرى مع الإسلاميين السوريين في مطلع التسعينيات في محاولة لدعم الاستقرار الداخلي، لكن لم تسفر محادثاته عن نتائج محسومة.
ويعتقد النظام السوري أن وجود علاقات قوية مع الإسلاميين من شأنه أن يدعم استقراره المحلي، ويزيد من ثقل سورية على الساحة الإقليمية والدولية.
أولًا: على الساحة المحلية: فإن علاقة جيدة بين النظام السوري والإسلاميين بصورة عامة تساعد على ترطيب العلاقات الجافة بين النظام والإسلاميين السوريين على النحو الذي تشترطه سورية من منطلق قوتها.
وثانيًا: على الساحة الإقليمية: يعتقد النظام السوري أن تحالفاته مع الإسلاميين من شأنها العمل على عرقلة مساعي دول مثل الأردن والسلطة الفلسطينية؛ لتحريك مسار التسوية بمعزل عن سورية، وذلك بدعم «حماس» والجهاد الإسلامي، من خلال استضافةمكاتبهما ورموزهما، أو تقديم الدعم اللوجستي المباشر كما في حالة «حزب الله».
أيضًا يعتقد النظام السوري أن علاقاته مع الإسلاميين توسع فرصة في التفاوض مع «إسرائيل» ولا سيما ما يتعلق بانسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان هربًا من ضربات «حزب الله» الشديدة.
وثالثًا: على المستوى الدولي: يعتقد النظام السوري أنه يستطيع أن يستخدم ورقة ضغط على الولايات المتحدة؛ لتحقيق العديد من المكاسب ليس فقط على صعيد عملية السلام، وإنما على صعيد مستقبل العلاقات السورية - الأمريكية «سياسية واقتصادية»، وعلى صعيد دور سورية الجديد في الشرق الأوسط بعد الصلح المرتقب مع إسرائيل.
وبالنسبة للإسلاميين لا شك في أن علاقاتهم مع النظام السوري لها منافعها من حيث إنها ستنهي سنوات من الصراع المرير، الذي لم يسفر عن شيء سوى المزيد من التضييق عليهم، وتنهج بهم لحرية الحركة على صعيد التوعية السياسية لخطر الوجود الإسرائيلي فيالشرق الأوسط، بالإضافة للتوعية بخطر الولايات المتحدة على الشرق الأوسط إلا أن الإسلاميين يدركون تمامًا أن منافعهم من وراء مصالحة النظام السوري منافع مؤقتة ومحكومة بتغير الظروف الاستراتيجية فيما يتعلق بمستقبل التسوية في المنطقة.
فالعديد من الإسلاميين يشير في دوائره الخاصة إلى أن مستقبل «حماس» مثلًا في المنطقة سيتعرض للتضييق والتجميد في نهاية المطاف بعد توصل سورية لصيغة سلمية مع «إسرائيل»، وذلك قد حصل بالفعل بين السلطة الفلسطينية وحركات المقاومة الفلسطينية مثل «حماس»و«الجهاد الإسلامي»، كما أن دور حزب الله غير واضح أو محسوم بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، وتوقف الدعم السوري عن الجماعة.
وتتوقع السيناريوهات السياسية المطروحة حاليًا حول هذا الموضوع أن تخضع سورية تدريجيًّا لضغوط عديدة بما في ذلك وقف دعمها لحزب العمال الكردستاني المعارض، غير أن هذه السيناريوهات لن تتحقق إلا في حالة تحقق التسوية السلمية بين سورية و«إسرائيل»، وهي حاليًا على الرغم مما تشي به تقارير الصحف العربية والغربية- ما زالت بعيدة، فرئيس الحكومة الإسرائيلية الحالية إيهود باراك يسعى للظهور بمظهر المدن سياسيًّا، إلا أن تصريحاته الأخيرة الخاصة بالجانب الفلسطيني واتفاق «وي ريفر» تشير إلى أنه سيمارس سياسة تعنتية شبيهة بسياسة سلفه نتنياهو، لكن بمفردات مختلفة وإلى أن تتغير عقلية باراك، وهو احتمال ضعيف بسبب تربيته العسكرية، فإن العلاقات السورية- الإيرانية والعلاقات بين النظام السوري والإسلاميين من شأنها أن تستمر، ولا تتوقف.