الثلاثاء 01-أكتوبر-1985
مع اقتراب موعد
الانتخابات الرئاسية في فرنسا بدأ فرسان السياسة الفرنسية يتسابقون على كسب صداقة
"إسرائيل" لضمان أصوات اليهود الفرنسيين الذين لهم نفوذ قوي في فرنسا
سياسيًا واقتصادياً.. وفي الحقيقة فإن العلاقات الفرنسية "الإسرائيلية"
كانت متينة عبر التاريخ وإن اعتراها فتور في بعض الأحيان.. كما كانت تلك العلاقات
قائمة دائمًا على تبادل المصالح السياسية، فبعد نجاح الثورة الفرنسية أصدرت
الجمعية الوطنية الفرنسية «البرلمان» في ۲۸
سبتمبر ۱۷۹۱ قانونًا يقضي بمنح اليهود المتواجدين في فرنسا
حقوقًا متساوية مع حقوق- المواطنين الفرنسيين، وبعد ذلك بسنوات عرض نابليون
بونابرت على اليهود في العالم فكرة إنشاء دولة يهودية في فلسطين تكون تابعة للإمبراطورية
الفرنسية في الشرق، وبذلك يكون بونابرت قد سبق الحركة الصهيونية العالمية نفسها في
طرح فكرة قيام دولة صهيونية في فلسطين.
في عهد ديغول
استمرت علاقات
البلدين في تحسن مستمر إلى قيام الجمهورية الفرنسية الخامسة بزعامة الجنرال ديغول
الذي كان هو نفسه في بداية حياته السياسية مواليًا تمامًا لليهود ضد العرب، لكنه
أدرك مع تطور الأحداث أن تأييد بلاده المتواصل عبر التاريخ للكيان الصهيوني جلب
ضررًا شديدًا للمصالح الفرنسية في الشرق الأوسط، فبدأ ينتهج سياسة معتدلة نوعًا ما
نحو دول المنطقة ومتوازنة بين طرفي النزاع.. بل ذهب أبعد من ذلك عندما أمر بحظر
السلاح الفرنسي على "إسرائيل" بعد حرب يونيو ١٩٦٧ العدوانية، وحاول كل
من بومبيدو وفاليري جيسكار ديستان أن يبقي على العلاقات الوثيقة التي سادت بين
فرنسا والدول العربية في عهد الجنرال ديغول، ولم يكن ذلك رغبة منهما في سواد عيون
العرب بل لضمان استمرار المكاسب الفرنسية في تلك الدول.
موقف
الاشتراكيين من اليهود
عندما صعد
الاشتراكيون إلى الحكم في فرنسا في أواخر عام ۱۹۸۱ بدأت مرحلة التودد الصريح بين فرنسا
و"إسرائيل"، فالحزب الاشتراكي الفرنسي أكثر الأحزاب الفرنسية تعاطفًا مع
اليهود ومعظم زعمائه من اليهود، وقد وصل ميتران إلى دفة الحكم على أكتاف اللوبي
اليهودي في فرنسا، الذي تلقى الضوء الأخضر من تل أبيب بالطبع، فاليهود كانوا وراء
سقوط ديستان في انتخابات عام۱۹۸۱بسبب
علاقاته التي كانت طيبة آنئذ مع بعض الدول العربية لمصلحة فرنسا التي كانت في أمَس
الحاجة إلى النفط العربي والأسواق العربية وخاصة في مجال التسليح.
وقد استغل
ميتران ذلك الجو المتوتر بين دیستان واليهود فأطلق العنان لوعوده لليهود في الداخل
والخارج وكان أول رئيس جمهورية فرنسي يزور تل أبيب، حيث قام بزيارته الرسمية لها
في مارس عام ۱۹۸۲ وفاء بوعد كان قد قطعه على نفسه عشية انتخابات
۱۹۸۱.
سباق مع الزمن
لكسب أصوات اليهود
لقد استوعبت
الأحزاب الفرنسية يمينية أو يسارية الدرس الذي لقنه اليهود للرئيس دیستان عام ۱۹۸۱ فلم تفرط هذه الأحزاب في فرصة التودد إلى تل
أبيب لكسب أصوات اليهود في فرنسا، ولم تكن زيارة الرئيس ميتران
"لإسرائيل" عام ۱۹۸۲
آخر الزيارات الرسمية إلى تل أبيب من قبل فرسان السياسة الفرنسية بل تكررت
الزيارات وتعدد الزوار على كل المستويات، فالرئيس السابق ديستان الذي استوعب الدرس
الذي لقنه اليهود إياه في الانتخابات الماضية لم يتردد في تلبية دعوة صديقه جاك
فريدمان لقضاء ليلة رأس السنة في تل أبيب، ولم يكتف ديستان بتلك الزيارة بعدها عاد
لزيارة "إسرائيل" مرة أخرى بصحبة زوجته في مايو ١٩٨٥ لكي يحصل على صك
الغفران "الإسرائيلي" ليضمن الفوز بأصوات اللوبي اليهودي الفرنسي.. وكان
جاك شيراك قد سبق ديستان إلى زيارة تل أبيب في ديسمبر ١٩٨٤ لتلبية دعوة عمدة القدس
وكسب ثقة "الإسرائيليين" التي كان قد فقدها بسبب علاقاته الحميمة مع
العراق التي كانت وراء صفقة المحطات النووية بين فرنسا والعراق.
أما ريمون بار
فقد توجه إلى "إسرائيل" سرًا في يونيو ١٩٨٤ للاستغفار عن زلة لسان جلبت
له غضب تل أبيب، هذا بالنسبة لزعماء الأحزاب اليمنية أما زعماء الأحزاب الاشتراكية
فتربطهم علاقات شخصية وودية مع زعماء حزب العمل "الإسرائيلي"، فبعد
زيارة ميتران التاريخية لإسرائيل التي رافقه فيها ميشيل روكار كوزير ضمن الوفد
الرسمي عاد هذا الأخير مرة أخرى إلى تل أبيب ليعلن منها رسميًا في 30 أغسطس 1985
ترشيح نفسه لخوض معركة الانتخابات الرئاسية في فرنسا وهو الذي كان معروفًا في
الأوساط العربية بموالاته للفلسطينيين ومعاداته "لإسرائيل".
ويعزو بعض
المراقبين سبب توجه الساسة الفرنسيين إلى تل أبيب في هذه الفترة بالذات إلى کساد
سوق النفط وعدم خوفهم من سلاح النفط الذي أصبح عقيمًا في يد أصحابه.. على كل سواء
كان السبب هو الجري وراء أصوات اليهود الفرنسيين أم غيره، فالأحزاب الفرنسية من
أقصى اليمين حتى أقصى اليسار أصبحت حليفة "لإسرائيل"، ويجب على الساسة
العرب أن يدركوا ذلك ويتعاملوا مع فرنسا على أساس سياستها الجديدة لا على ما كان
عليه الحال قبل عام ۱۹۸۱.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل