العنوان العلاقات المشبوهة لحكومات تركيا بالمافيا
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 08-ديسمبر-1998
مشاهدات 52
نشر في العدد 1329
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 08-ديسمبر-1998
جنرالات في الشرطة والجيش يتزعمون العصابات.. وقيادات من حزبي يلماظ وتشيللر متورطون
عمليات الذئاب الرمادية لتصفية خصوم النظام التركي في الخارج
أصبح الثالث من نوفمبر ومنذ سنتين مناسبة يخرج فيها عشرات الآلاف من الأتراك إلى الشوارع احتجاجًا على تغلغل عصابات المافيا في أجهزة الدولة الرسمية والأمنية على وجه الخصوص، والتي تطالب بتنحي المسؤولين الحكوميين ومنهم وزراء يتبعون الحزبين العلمانيين الرئيسين الوطن الأم، والطريق القويم كما تطالب بمحاكمتهم وكشف الجرائم التي ارتكبوها، وإذا كان يلماظ قد اتهم في عام ١٩٩٦م عدوته اللدودة تشيلر بوجود علاقات لها والمسؤولين كبار في حزبها بعصابات المافيا، فقد أتيح لها فرصة للانتقام وإسقاط حكومة يلماظ بالتهمة ذاتها.
فقدم رئيس الوزراء التركي مسعود يلماظ استقالة حكومته الائتلافية إلى الرئيس سليمان دميريل إثر تصويت البرلمان على سحب الثقة منها يوم ٢٥ من نوفمبر الماضي، بأغلبية ٣١٤ نائبًا من أصل ٥٥٠ نائبًا، وكانت حكومة يلماظ قد أصبحت في مهب الريح قبل أسبوعين من سقوطها بعد أن انضم حزب الشعب الجمهوري إلى حزبي الفضيلة الإسلامي، والطريق القويم في اتهام رئيس الحكومة بالفساد ووجود علاقات مشبوهة له مع المافيا التركية على خلفية بيع الحكومة بنك التجارة التركي بقيمة ٦٠٠ مليون دولار في شهر يوليو الماضي ضمن برنامج الخصخصة، وقد جمدت الحكومة في شهر أكتوبر الماضي صفقة بيع البنك للقطاع الخاص بعد كشف علاقة مزعومة بين كوركماز يجيت مالك البنك الجديد وعلاء الدين جاكجي أحد زعماء المافيا التركية المسجون الآن في فرنسا والمطلوب للحكومة التركية بتهم مختلفة والذي أشارت التقارير إلى أن له صلة قوية بكبار مسؤولي أجهزة الأمن التركية وبعض الوزراء في حكومة يلماظ المستقيلة.
وقد قدم نائب من الحزب الاشتراكي الديمقراطي هو فكري ساجلز لرئيس الحكومة يلماظ شريطًا مسجلًا عليه مكالمة هاتفية بين كوركماز يجيت، وجاكجي يطلب فيها الأول من الثاني استخدام نفوذه في أجهزة الدولة لمنع منافسيه الأربعة من تقديم عطاءاتهم لشراء البنك المذكور، ويعتبر يجيت أحد أقطاب المال والصحافة في تركيا، حيث يمتلك بنك إكسبرس، ومحطتي تلفزيون، كما أنه اشترى مؤخرًا ثلاث صحف تركية إضافة إلى شركته الأولى للإنشاءات والمقاولات.
وحكومة يلماظ هي الحكومة رقم ٥٥ في تاريخ تركيا منذ سقوط الخلافة العثمانية عام ١٩٢٤م ، وكانت تتألف من ثلاثة أحزاب هي: حزب الوطن الأم بزعامة رئيس الوزراء يلماظ، وحزب اليسار الديمقراطي بزعامة نائب رئيس الوزراء بولند أجاويد، والحزب من أجل تركيا ديمقراطية، وهو حزب يميني بزعامة حسام جيندوروك، لكن الائتلاف الهش ظل حتى العاشر من شهر نوفمبر الماضي يلقى الدعم من حزب الشعب الجمهوري اليميني الذي آثر دعم حكومة يلماظ دون أن يدخل فيها.
ومن المرجح أن تعجل استقالة يلماظ في إجراء انتخابات برلمانية مبكرة في شهر فبراير القادم بعد أن كانت الحكومة قد قررت إجراء الانتخابات في شهر أبريل القادم قبل ۱۸ شهرًا من موعدها الأصلي، ويرجع ذلك إلى تضاؤل الآمال بائتلاف حزبي الوطن الأم، والطريق القويم بزعامة تانسو تشيلر، بسبب الخلافات الشخصية بين يلماظ وتشيلر، كما أنه من المستبعد أن يكلف الرئيس دميريل حزب الفضيلة الإسلامي، وهو الذي يمتلك أكبر عدد من المقاعد داخل البرلمان بتشكيل حكومة ائتلافية بسبب ضغط العسكر الذين اضطروا في يوليو من العام الماضي نجم الدين أربكان -رئيس الوزراء ورئيس حزب الرفاه الإسلامي- في ذلك الوقت إلى التنحي عن منصبه.
كان مقتل عبد الله كاتلي في حادث سيارة في 3من نوفمبر ١٩٩٦م في بلدة سوسورلوك غربي الأناضول، المفتاح الذي كشف لغز علاقة مسؤولين حكوميين أتراك بالمافيا، وعثر في السيارة التي قتل فيها كاتلي على هوية شرطة حقيقية له باسم مستعار، وكشفت تقارير رسمية تركية عن أن كاتلي كان زعيم عصابة الذئاب الرمادية وهي إحدى جماعات المافيا وكان على علاقة قوية مع وزير الداخلية التركي محمد أجار ومع نائبة رئيس الوزراء ووزيرة الخارجية في ذلك الوقت تانسو تشيلر، ووفقًا لاعترافات ضابط كبير سابق في المخابرات التركية كان كاتلي يعمل لمصلحة كل من الشرطة والمخابرات التركية.
وقتل مع كاتلي في السيارة نفسها مسؤول كبير في الشرطة التركية وكان معهما أيضًا نائب في البرلمان التركي هو سيدات بوشاك من حزب الطريق القويم والذي أصيب بجروح خطيرة نجا منها قبل رفع الحصانة عنه وتقديمه للمحاكمة مع وزير الداخلية أجار الذي أجبر على الاستقالة وكذلك عدد من رجال الشرطة والأمن بتهمة تشكيل عصابات مسلحة غير قانونية، لكن المحكمة برأت الجميع في وقت لاحق من العام الماضي.
وتتهم الحكومة اليونانية عملاء أتراكًا بالمسؤولية عن الحرائق التي كانت تندلع في بعض الجزر اليونانية كل صيف لتخريب موسم السياحة فيها، وكشف بوشاك للمحكمة بأن كاتلي وعصابته هم المسؤولون عن إشعال تلك الحرائق.
وكشف تقرير اصدره جهاز المخابرات التركية في نوفمبر ١٩٩٦م عن قيام أجهزة الأمن التركية بتشكيل وحدات خاصة لمحاربة حزب العمال الكردستاني وبعض الجماعات المعارضة للنظام التركي، وقد تشكلت تلك الوحدات في أغلبها من أفراد ينتمون لعصابة الذئاب الرمادية، بقيادة كاتلي والتي كانت تتنوع أساليب عملها بين الابتزاز والسرقة والتهديد والقتل وتهريب المخدرات وأضاف التقرير أن بعض أفراد تلك الوحدات الخاصة كانوا يحصلون على هويات رجال شرطة من قبل قادة جهاز الشرطة وجوازات سفر دبلوماسية لتسهيل مهمتهم في تنفيذ عمليات قتل خصوم النظام التركي، وخصوصًا أتباع حزب العمال الكردستاني في الخارج، وكانوا يستغلون علاقاتهم مع أجهزة الأمن في تهريب المخدرات وتصفية حساباتهم مع خصومهم، وكشف بعض التقارير عن أن كبار ضباط الشرطة التركية كانوا يرأسون تلك الوحدات.
وقد اتهم أفني كارسا نشكلي وهو عضو برلمان سابق عن حزب الوطن الأم تانسو تشيلر -رئيسة الوزراء السابقة -بأنها كانت من القادة الفعليين لتلك الوحدات واتهمها آخرون بأنها أحد عرابي المافيا! لكن تحالف تشيلر مع نجم الدين أربكان في حكومة ائتلافية، ثم مهادنتها للنواب الإسلاميين في البرلمان حتى هذه اللحظة جعلها في مأمن من رفع الحصانة عنها وتقديمها للمحاكمة بتهمة الفساد وجمع مئات الملايين من الدولارات بطرق غير مشروعة، كما ادعت صحيفة حريت بأن الحراس الشخصيين لتشيلر كانوا من أفراد المافيا المعروفين وأنهم شاركوا في أعمال غير قانونية ١٢ ديسمبر ١٩٩٦م. أما صحيفة صباح التركية فقد ذكرت في اليوم نفسه أن تقرير لجنة التحقيق البرلمانية حول صلة بعض المسؤولين الحكوميين بالمافيا أثبت وجود علاقات متشابكة بين عصابات المافيا والشرطة والجيش وأن رجال شرطة عسكريين أتراكًا كانوا يعملون في ١٨ عصابة مافيا مختلفة وقد ذكر التقرير أسماء ستة رؤساء شرطة وأكثر من ٣٤٠ من مختلف الرتب العسكرية في الشرطة كانوا أعضاء في تلك العصابات.
وسلطت الأضواء في شهر أغسطس الماضي على أحد عَرَّابي المافيا التركية ويُدعى علاء الدين جاكجي المسجون في فرنسا بتهمة حمل جواز سفر مزور، حيث حكمت عليه محكمة فرنسية بالسجن ستة أشهر، وهو مطلوب أيضًا للحكومة التركية منذ ١٢ عامًا بعدة تهم منها القتل وتهريب المخدرات والابتزاز والتزوير، وقد ترددت مزاعم مختلفة عن علاقاته القوية مع جهاز المخابرات التركية، ومع وزراء في حزب الوطن الأم برئاسة مسعود يلماظ، إضافة إلى سياسيين ورجال أعمال أتراك، ومن بين وزراء يلماظ المتهمين بعلاقتهم بجاكجي وزير الدولة أيوب أسق، الذي اعترف بأنه التقى رجل المافيا هذا، لكنه ادعى أنه لم يكن يعرف حقيقته، واضطر أسق لتقديم استقالته من الحكومة في شهر سبتمبر الماضي على خلفية هذه الاتهامات، وكان جاكجي يحمل جواز سفر دبلوماسيًّا أحمر صادرًا من السفارة التركية في بكين حصل عليه عن طريق أحد ضباط المخابرات التركية في السفارة، وكان خيري كوزاكشوغلو – نائب رئيسة حزب الطريق القويم- قد طالب حكومة يلماظ بكشف ما أسماه بالعلاقات القذرة بين مسؤولين حكوميين والمافيا قائلًا: إن وزيرين من حكومة يلماظ أحدهما أيوب أسق متهمان بعلاقاتهما بزعيم المافيا جاكجي.
لقد كشفت أحداث السنوات الثلاث الأخيرة عن تورط مسؤولين كبار في حزبي يلماظ وتشيلر بعصابات المافيا، وأخطر من ذلك وجود عدد من كبار ضباط الشرطة والجيش والمخابرات على رأس تلك العصابات، الأمر الذي يجعل من المستحيل إدانة أي مسؤول تركي بتهم الانتماء لمنظمات المافيا.
وإذا ما قامت الحكومة الفرنسية بتسليم جاكجي إلى بلده فمن غير المتوقع تقديمه للمحاكمة في تركيا في ضوء نفوذه وارتباطاته مع كبار مسؤولي الشرطة والمخابرات، وفي حال وضعه في السجن لتهدئة الرأي العام التركي الذي يطالب الحكومة بالضرب بيد من حديد على عصابات الجريمة المنظمة فلن يكون أقل حظًا من زميله سيدات بكر - ۲۸ عامًا – أحد زعماء المافيا الذي حول زنزانته في سجن إسطنبول إلى شقة ديلوكس ينعم فيها بكل وسائل الراحة، فقد طلبت زنزانته وفرشت بالسجاد قبل أن يدخلها ووُضِع فيها عدد من الثلاجات وأجهزة التلفزيون والستيريو وفقًا لصحيفة حريت التركية، وقد نشر بكر كرمه الحاتمي على زملائه في الزنازين الأخرى وسخر حرس السجن لخدمته وتزويده بأطيب الأطعمة والمشروبات .
نصف الاقتصاد التركي اقتصاد جريمة
وأشار تقرير نشرته إحدى الصحف التركية في شهر سبتمبر الماضي إلى أن حوالي نصف الدخل القومي التركي السنوي البالغ ۲۰۰ بليون دولار هو عبارة عن أموال قذرة تجمعها عصابات المافيا من التجارة بالمخدرات، وتهريب الأسلحة والرشوة، والدعارة، مما أوجد في تركيا ما يعرف باقتصاد الجريمة، أو اقتصاد العالم السفلي ويشير التقرير إلى أن ٧ بلايين دولار من هذه الأموال يأتي من عمليات الابتزاز التي تمارسها عصابات المافيا على التجار وغيرهم، وتشير إحصاءات مديرية الأمن التركية إلى أن أكثر من ٢٣ ألف تركي يعملون في أنشطة العالم السفلي أو المافيا ويتلقون أجورًا من عرابي المافيا تصل إلى أكثر من ٣٧٦ مليون دولار سنويًّا، وقد افترضت الصحيفة التركية أنه إذا كان عرابو المافيا يعطون موظفيهم۲۰% من مدخولاتهم فإن زعماء العصابات يكسبون حوالي مليار و ۳۸۰ مليون دولار سنويًّا وحسب ما جرت عليه العادة في عالم المافيا يدفع زبائن المافيا من جانبهم حوالي ٢٠٪ من مداخيلهم إلى عرابي المافيا، مما يعني أن مداخيل هؤلاء الزبائن تصل إلى سبعة مليارات دولار في العام الواحد تقريبًا.
وتعتبر المخدرات أحد أهم مصادر الدخل في اقتصاد الجريمة في تركيا، حيث يقدر مختصون الأرباح التي تُجنَى من التجارة في المخدرات بحوالي ٢٥ بليون دولار بما فيها أموال الترانزيت وأشار تقرير صحفي آخر إلى أن حوالي ٧٥% من المخدرات التي تضبط في أوروبا تأتي إما من تركيا أو عبر تركيا.
ويقدر المختصون أن قيمة المتاجرة بالأسلحة وتهريبها لا تقل عن ١٥ بليون دولار سنويًّا، كما أن الرشوة أحد أهم عناصر الاقتصاد السفلي حيث تبرز الجريمة الاقتصادية في الدوائر الحكومية من خلال المناقصات والعطاءات والمعاملات الجمركية كما توجد حالات اختلاس وتحايل وسرقة، وتقدر قيمة الرشاوى التي تدفع سنويًّا في تركيا بحوالي ١٥ بليون دولار.
أما سوق الدعارة فيصل دخله إلى حوالي خمسة مليارات دولار، وعمليات الابتزاز إلى 7 مليارات دولار إضافة إلى ٣٥ بليون دولار من أنشطة أخرى مختلفة.
ويمكن تقسيم اقتصاد الجريمة في تركيا إلى ثلاثة اقسام
الأول: هو المافيا غير المنظمة حيث إن كل مواطن يقوم بعمل غير مسجل رسميًا يدخل تحت هذا التصنيف.
أما الثاني: فهو المافيا السياسية حيث يكون أحد أهم أنشطة هذا النوع من المافيا إيجاد وظيفة أو عمل للناخب مقابل مبلغ من المال أو مجانًا إضافة إلى تقديم حوافز أو المساعدة في الحصول على العطاءات للمشاريع المختلفة، كما أن أحد طرق الرشوة التي تمارس على مستوى السياسيين الأتراك هي إصدار قرارات العفو لصالح المواطنين الذين يضعون أيديهم على أملاك وأراضي الغير في المناطق الريفية، وقد أصدرت الحكومات التركية حوالي ۱۱ عفوًا عامًا عن هؤلاء المخالفين خلال السنوات الأربعين الأخيرة، واعتبر هذا التصرف نوعًا من الرشوة السياسية التي قدمها المسؤولون الأتراك لحوالي ١.٥ مليون تركي من المعتدين على أراضي الدولة وأراضي الغير بغرض كسب أصواتهم في الانتخابات.
أما النوع الثالث: فهو المافيا المالية، حيث تقوم منظمات المافيا هذه بأنشطة في مجالات متنوعة وأول عمل تقوم به هذه المنظمات هو البحث عن ممولين للسياسيين، وتقوم هذه العصابات بجميع أنواع الجريمة المعروفة كتهريب المخدرات والمتاجرة بها، وتهريب الأسلحة والدعارة والرشوة والابتزاز وغيرها.