العنوان العلماء والحملة المغرضة ضدّهم
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 30-أكتوبر-1984
مشاهدات 69
نشر في العدد 689
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 30-أكتوبر-1984
- العالم العامل بعلمه لا يحده مذهب ولا تلزمه طريقة ولا يقيده حرص على درهم أو دينار ولا يخوفه حاكم أو سلطان.
منذ أن بزغ فجر الصحوة الإسلامية وظهر نورها فَعَمَّ وشمل أنحاء المعمورة، وسرى في قلوب الموات فأحياها، ورسخ في حنايا النفوس فرباها، وتأصل في أعماق الأرواح فوحدها، منذ هذا الظهور والباطل يزداد حنقًا ومكرًا، ويسعى حثيثًا لإخفاء جذوة الإيمان ومشعل الخير والإسلام ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ ۖ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ .. ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾.
والدعوة الإسلامية بحمد الله قد مضت قدمًا ضاربة في شعاب الزمن لا يضرها من خذلها ولا من تولى عن صفوفها ولا من تحامل عليها، تدعو المذبذبين والمضطربين، والمترددين بين الدعوات الحائرة والمناهج الفاشلة، وهي سائحة بعون الله تعالى غير عابئة بقلة ولا بكثرة. ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللهِۚ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
- فتاوى العلماء واحة الطيبيين
كانت فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز- والمنة لله- سببًا في هداية آلاف الشباب وعصمتهم من الزيغ، وهذا في ميزان الإسلام عظيم، فهو كالواحة في وسط الصحراء الموحشة المقفرة حين تأوي إليها جموع المسافرين فينعمون بظلها ومائها ويأنسون بأهلها، وكم نقلت فتاواه وكتاباته شاكًا إلى اليقين، ومؤمنًا جاهلًا إلى العلم، وهذا في الميزان الشرعي عظيم، وكذلك كم وضح من شبهة ورد من تهمه وأشاد بمناقب مظلوم، وكل ذلك عند الله مصون.
ما ذكرنا عند أهل العلم معروف ومحفوظ ولكن جاء في آخر المطاف من يستغرب فهم الشيخ- حفظه الله- للإسلام ومنهجه في الفتوى والبيان، وينكر عليه بيانه وفتاويه، ويثير حولها الشبهات ويحيطها بظلم الاتهامات ويحاول أن يلصق فيها كل نقيصة.
وهذا ما نراه إلا شخصًا ساء في الشيخ ظنه وأحاطت به الشكوك والريبة، فهو لا يرى أهل العلم والتقوى إلا بالمنظار الأسود القاتم، وهذا ندعوه أن يتفقه بالعلم ويرجعه إلى أصوله و يعرف أهله إن قبل الدعوة، ونناديه إن أجاب النداء وندعو الله له، وهو سبحانه أهل الرجاء.
العلماء لا تحيطهم حدود الأقاليم ولا تمنعهم إرجافة المرجفين
إن العالم الرباني الذي استنار بكتاب الله وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم- واتخذهما منهجًا له في فهمه لدينه لا يحده مذهب ولا تلزمه طريقة، ولا يقيده حرص على درهم أو دينار، ولا يخوفه حاكم ولا سلطان بل هو كالسحابة التي امتلأت مطرًا وخيرًا، أينما وجدت أرضًا صالحة أمطرت ونفعت سواء كان ذلك في الشرق أو الغرب، وعلى ذلك فليس هناك إقليمية في الفتوى بل إن الله سبحانه قد أخذ عهدًا على العلماء أن يبينوا للناس، ولا يكتمون الله حديثًا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ (سورة آل عمران: 187).
فالعالم الرباني لا يكتم الله حديثًا حتى لا يضيع الدين ويلتبس الحق بالباطل، وبهذا أتى التحذير القرآني الكريم: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة: 42). وذلك لما في كتمان الحق وتلبيسه على الناس من بلبلة الأفكار في المجتمع وإشاعة الشك والاضطراب والخلخلة.
أما علماء السلطان وإجراء النظام في بعض بلدان عالمنا الإسلامي، فهم الذين أضاعوا الدين ومكنوا وأصلوا للباطل، وألبسوه ثياب الحق والصلاح؛ فنبذوا ما عرفوا من الحق وراء ظهورهم، وذلك ابتغاء ثمن قليل ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وهو عرض من أعراض هذه الأرض، ومصلحة شخصية لإجراء النظام الذين يوجهون الإسلام لخدمة السلطان لا السلطان لخدمة الإسلام.
ومَثَل هؤلاء كمثل أخبار السوء قديمًا، أولئك الذين قضوا على الديانة اليهودية حين أدخلوها في دين الملك قسطنطين الروماني الوثني فحرفوا الإنجيل وأبطلوا التوراة، وجعلوا الديانة اليهودية رقعة في ثوب الوثنية الرومانية، وهكذا أهل الدنيا يفعلون، وبتنازلهم عن دينهم يأكلون.
والحق والحق يقال: إن الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز قد انتهت إليه الفتوى في المملكة العربية السعودية، ولم لا وهو الذي يحفظ القرآن الكريم تلاوة وفهما إلى جانب كتب السنة التي احتوت على معظم الأحاديث النبوية الشريفة، وأحاط بعلم الرجال، فعرف درجة الحديث صحة وضعفًا، وأنعم الله عليه بألات فهم النصوص من لغة وأصول، ومعرفة بالآثار وأسباب نزول الآيات و ورود الأحاديث، فكانت له الدراية والرواية، ثم توج ذلك كله بأدب جم و ورع وفهم، وكل ذلك وأهل الفضل والعلم يعرفون عنه أكثر من هذا في مجال العلم.
أما في مجال الدعوة إلى الله فما من مشكلة في أدغال أفريقيا أو في أواسط الهند إلا ويجاهد ويعمل على حلها، كما لا يوجد عمل صالح من بناء مدرسة أو مستشفى أو مركز إسلامي، أو خلوة لتحفيظ القرآن من جريد النخل أو طوب المصانع إلا وله يد فيه، هكذا عرفنا الشيخ عبد العزيز حفظه الله ورعاه وأعانه وسدد خطاه هو وإخوانه من العلماء المجاهدين الذين نحسهم كذلك ولا نزكي على الله أحدًا.
وإن كان هذا ما نعرفه عن الشيخ عبد العزيز، وهو يعرف طلبة العلم الملازمون له والعلماء العاملون معه أكثر؛ إن كان هذا هو واقعه والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة النحل: 43) فهل يُعقل بعد ذلك أن يلام أن تؤخذ الفتوى منه!؟
وعلى ذلك فليس هناك منع على أحد أن يذهب إلى من يعتقد أنه من أهل الذكر الذين أمرنا أن نسألهم، سواء كان ذلك في المملكة العربية السعودية أو في الهند، وكما قيل:
فاصحب أخا الفضل لكي***تقفو بفعلك فعله
أما ترى المسك دأبًا***يكسب طيبًا محله
الأمر عظيم جلل
إن النيل من العلماء أصحاب الدعوة الإسلامية ليس مقصودًا لذاته من قبل أصحاب الأقلام المشبوهة بل المراد هدم الدعوة الإسلامية من خلال ضرب رجالها وإلى هؤلاء المعتدين على حرمة العلماء نقول:
«إن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أعراض منتقصيهم معلومة، ومن وقع فيهم بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب» الرد الوافر لابن ناصر ص 197.
والبلوى تشمل المتطاول على العلماء ومن ساعده على تطاوله ولم يوقفه عند حده، وقد لعن في الخمر عشرة، وقد قال الإمام محمد بن إدریس الشافعي: «نزهوا أسماعكم عن استماع الخنا كما تنزهون ألسنتكم عن النطق به، فإن مع شريك القائل، وإن السفيه ينظر إلى أخبث شيء في وعائه فيحرص أن يفرغه في أوعيتكم ولو ردت كلمة السفيه لسعد رادها، كما شقي بها قائلها». ثم قال رحمه الله: «وقبول السعاية أضر من السعاية لأن السعاية دلالة والقبول إجازة، وليس من دل على شيء كمن قَبِلَ وأجاز»
غربة الفتوى عند أهل الجهل والهوى
بين النبي صلى الله عليه وسلم الزمان الذي يكون فيه عرض الإسلام نقيًا ناصعًا لا لبس فيه، سيكون العلماء فيه غرباء، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية مسلم: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء».
وهؤلاء الغرباء وردت أوصافهم بروايات متعددة منها:
1- الذين يصلحون إذا فسد الناس.
2- الذين يزيدون إذا نقص الناس، أي يزيد خيرهم إذا نقص خير الناس.
3- النزاع من القبائل.
4- ناس صالحون قليل، في ناس كثير من يعصهم أكثر ممن يطعهم.
5- يصلحون ما أفسد الناس من سنتي.
ووجود هذه الغربة على علماء الحق هي التي جرأت ثعالب البشر على أسد الرجال كما قال الشاعر:
وقد تسلب الأيام حالات أهلها***وتعدو على أسد الرجال الثعالب
وهو زمان قال فيه التابعي الكبير أحمد بن عاصم الأنطاكي:
«إن ترغب فيه إلى عالم وجدته مفتونًا بحب الدنيا يحب التعظيم والرياسة».
فإلى هؤلاء الغرباء طوبي وبشرى من الرسول- صلى الله عليه وسلم- كما ورد بالحديث السابق. وطوبي لهم كما قال ابن القيم رحمه الله:
طوبي لهم لم يعبؤوا بنحاته ال***أفكار أو بزبالة الأذهان
طوبى لهم ركبوا على متن العزا***ثم قاصدين لمطلع الإيمان
طوبي لهم لم يعبؤوا شيئًا بذ الـ ***أراء إذ أغناهم الوحيان
طوبي لهم وإمامهم دون الورى***من جاء بالإيمان والفرقان
حقيقة الفتوى
إن الملاك إذا نظر في المرأة وجد صورته، وإذا نظر الشيطان في نفس المرأة وجد صورته، فالمرأة تعكس صورة صاحبها ولا تأتي بجديد، وأهل العلم ومحبوه ومقدرو أهله وذويه نظروا في فتوى الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله فوجدوها مطابقة لنصوص الكتاب والسنة وإفهام الفحول من العلماء السابقين كالأئمة الأربعة وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهم الله جميعًا.
وزاد بهم حجة على أهل الأهواء فتبقى الموسيقى حرام بتقرير العلماء المستنبطة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبقى تعظيم غير الله من علم أو غيره حرام، والتبرج والسفور منكر بين لا لبس عليه؛ هكذا يبقى علماء الأمة منارًا للمهتدين ونورًا للسائرين ونبراسًا للسالكين وتأديبًا للمفسدين والغاوين، لا يحدهم وطن ولا يمنعهم باطل، فإلى مزيد من البيان والفتوى یا سماحة الشيخ ابن باز.
هذا ما يتعلق بنص الفتوى أما ما يتعلق بنص السؤال فهذا لا دخل للعالم فيه إن أخطأ السائل فيه أو أصاب، فالعالم يجيب على السؤال ويبين للسائل ما في صيغة سؤاله.
أي الفريقين أحرص على بناتنا وشبابنا؟؟
إن كل عاقل يسأل نفسه من الذي عمل على نشر الحجاب بين فتيات الكويت، من الذي كان سببًا في رجوع الشباب إلى دينه؟ من الذي كان وراء إنشاء لجان الزكاة والخيرات التي أوت اليتيم وأطعمت المسكين وحفظت الأرملة من الالتجاء إلى ذل السؤال، من الذي أنشأ لجان الخيرات التي بنت المساجد والمدارس والمستشفيات في بلاد المسلمين المترامية؟ من الذي شارك في عمليات الغوث للمجاعات التي اجتاحت إفريقيا؟ من الذي وقف تجاه الذبح الفكري والاجتماعي والسياسي الذي تتعرض له الأمة الإسلامية؟ من الذي كان وراء كل خير في هذا البلد بلا شك وبلا مماحكة؟؟ إن أهل الدعوة والصلاح وفي مقدمتهم جمعية الإصلاح الاجتماعي- بشبابها وشيوخها- كانوا وراء هذا الخير العظيم الذي به حفظت الكويت من شر الفتن التي تعصف بالمنطقة!!
ثم في المقابل.. من الذي كان وراء إشاعة الفضائح الخلقية التي تعصف بالمجتمع والتي تطالعنا بها الصحف في كل يوم؟ من الذي ينشر الصور الفاضحة في الملاحق، ومن خلال الصحف اليومية؟ من الذي ينشر الأفكار الهدامة في كل يوم؟ من الذي يرسم الصور الكاريكاتيرية التي فيها طعن بالإسلام وأهله؟ من الذي ينشر التسريحات والموضات وقصص المغنين والممثلين من الشرقيين والغربيين؟ من الذي يطالب بعدم تطبيق الشريعة ويدعي بعدم صلاحيتها؟ من الذي يقف وراء كل فتنة؟ من الذي يمارس الإرهاب الفكري حقيقة ضد الإسلاميين؟ من؟؟
الإجابة واضحة لكل من يقرأ ويتابع ما يكتبه المحرضون على الإسلاميين ولا حاجة للإطالة: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (سورة الشعراء: 227) صدق الله العظيم.