العنوان العلمنة واستسلام الأمة
الكاتب عبدالجليل السيد أحمد الغربللي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يونيو-1983
مشاهدات 71
نشر في العدد 626
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 21-يونيو-1983
تمر على أمتنا العربية ظواهر تحمل بين طياتها شيئًا من التناقض والغرابة ففي
الوقت الذي تكال فيه الضربات الموجعة لبعض الشعوب يبدأ العد التنازلي لبعض الأنظمة
تجاه قضايانا المصيرية، ومن ناحية أخرى يواكب هذا الانحسار والتقهقر مد إسلامي
وبشائر إسلامية في أجزاء من بلدان الأمة العربية، وعودة إلى الأصول اتخذت أشكالًا
وصورًا كثيرة.. كلا الظاهرتين تحملان تناقضًا سافرًا، فالتراجع والانحسار يحمل بين
طياته أبعادًا من الضعف والوهن والخَوار، بينما تحمل ظاهرة المد الإسلامي كل معاني
القوة والعزة والصلابة في الموقف اعتمادًا على المنهج الرباني فكيف لنا أن نفسر
هذا التناقض؟ وما هي أبعاده الحقيقية؟ وهل يعقل أن تسود الأمة مظاهر الرجوع إلى
الإسلام بكل ما يحمل هذا الرجوع من المعاني، وتعايشها جنبًا إلى جنب مع مظاهر
الاستسلام لأعداء السلام والإسلام بكل ما تحمل مظاهر الاستسلام من أبعاد بدءًا
بالاستسلام المصري ومرورًا بالاستسلام اللبناني ثم حصيلة من الاستسلامات القادمة
على الطريق التي لا يعرف محطتها القادمة إلا الله إلا أنها أصبحت موضوع الساعة
لسياسيي العرب، يشغلون به أوقاتهم فالشغل الشاغل الآن لهم في أين ومتى ستوجه
الطغمة العسكرية الإسرائيلية مدافعها؟ وكم سيصمد هذا القطر أمام تلك المدافع؟ وما
العمل أيها السادة وإلى أين...؟
نتائج علمنة القضايا
أمام هذه التراجعات تبرز التيارات الإسلامية تحمل بین ثناياها أبعاد اليقظة
الحقيقية في الكشف وتعرية اللوائح والقوانين التي تحكم حياتنا السياسية
والاقتصادية وما آلت إليه اللوائح من فشل ذريع وعلى جميع المستويات لكي تطرح هذه
البشائر الإسلامية لوائح ونظمًا جديدة تحل محل النظم البالية.
لقد دأبت بعض نظمنا العربية في التعامل مع قضاياها من خلال تنظيرات علمانية
مستوردة تحكم قضايانا المصيرية وقامت باستخدام الحشد الإعلامي لإيهام الجماهير
بعقلانية مبادئها القادرة على تحقيق تكافؤ الفرص والمساواة والعدالة، واستطاعت
ولفترة معينة أن تحجب الصرح الإسلامي وأن تحاربه وهو مستقر في ضمائر جماهير هذه
الأمة.. استطاعت أن تلهي الناس بما لديها من زخم إعلامي وسياسي ومن خلال تكوين
الحزب السياسي الواحد الممثل لقوى الشعب العامل.. ومن خلال أطروحات من النضالات
«الدونكيشوتية» وإبراز نقابات العمال في الصفوف الأولى لهذا النضال، وفتحت أبواب
السجون تبعًا لذلك لكل من شكك في جدوى الأساليب والأدوات المستخدمة الإصلاحية على
المستوى الاقتصادي والسياسي.
استطاعت أن تكمِّم الأفواه وواجهت شعوبها بممارسات أقل ما يقال عنها إنها
بعيدة عن أبسط معاني الإنسانية.. واستمرت معاناة الإنسان العربي المسلم وصراعه
الداخلي بين ما يؤمن به من نظم ولوائح وقوانين ربانية يراها على الأرفف، وقد علاها
الغبار، وبين تلك السلوكيات والممارسات العلمانية، وبدأ الصراع بين الواقع الذي لا
يعبر لا من قريب ولا من بعيد عن تلك القِيَم والمُثل الإسلامية والتي تحقق أكثر من
أية مبادئ أخرى العدالة والمساواة والإخاء وتعمل على تحقيق عزة هذه الأمة.. صراع بين سلوكيات
مادية بحتة انعكست على الأنماط الاستهلاكية وصلت حد الترف، وسلوكيات من الجشع
والاستغلال تمارس باسم الحرية الاقتصادية.. تساهَلوا مع أنفسهم في ظل علمنة
الممارسات بالقيام بأعمال حرمها الله.
وأصبحت المعاملات المالية السائدة والفاسدة لسان حال وواقع لهذه الأعمال، تعد
سيطرة الأهواء الشخصية على زمام أمور تلك المجتمعات وتمثل البعد عن الأخلاقيات
الإسلامية من خلال ضعف الحس الإسلامي وشعور اللامبالاة السائدة لما يحدث لإخوة لهم
استسلموا لشبح الفقر والموت الذي عمل على إسقاطهم الواحد تلو الآخر، وتمثل التنكر
لتعاليم الإسلام من خلال اللامبالاة السائدة لما حدث في المسجد الأقصى وجنوب لبنان
وبیروت ومصر و... و... والاكتفاء بمتابعة الأحداث من خلال الشاشة الصغيرة، وكأن
الأمر لا يعدو أن يكون مسلسلًا جديدا لعنتر الإسرائيلي (مع الاعتذار للشخصية
العربية).. فهل لنا أن نتساءل مَن السبب وراء اللامبالاة والسكوت العالم في الساحة
العربية؟
إن شعوب الأرض شرقية منها أو غربية ليست في وضع فريد كما هي عليه شعوب الدول
العربية، فالأولى ومن خلال السلوكية الاشتراكية أو المظاهر الرأسمالية من خلال
الديمقراطية الغربية تحاول البحث من خلال التجربة والخطأ لتحقيق معدلات من النمو
الاقتصادي وتقوم برسم أهداف اقتصادية للحد من التضخم ومحاولة للوصول إلى مستوى من
العمالة وتخفيض البطالة إلى أقل حد ممكن.
نقول: إن تلك الشعوب فقيرة إلى المنهج الرباني والذي يعمل على رقابة
مجتمعاتهم من الآفات التي تنخر أركان اقتصاداتها وركنوا لما لديهم من تعاليم
سماوية، ومنذ فترة طويلة أسلموا زمام أمورهم للممارسات العلمانية الاشتراكية منها
والرأسمالية، ومن هذا الواقع بدأت مجتمعاتنا محاكاة الغرب والشرق والتي أحدثت
التعتيم الكافي حول تلك المبادئ الإسلامية المنظمة لمعاملات المجتمع الاقتصادية
والسياسية والاجتماعية، وبدأ التخبط في الممارسات كنتيجة طبيعية لإهمال المنهج
الرباني واستبداله بما هو أدنى وأصغر، وكان لابد لهذه الممارسات العلمانية أن تؤدي
إلى طرق مسدودة، وعلى جميع المستويات، وما كثرة الحديث حول أهمية الاستراتيجيات
إلا مثلًا حيًّا للضياع القائم في الساحة وكأن الإسلام لا يمثل الاستراتيجية
الكبرى لهذه الشعوب، ومن تراثه نستطيع وضع أهم الأهداف الاستراتيجية للخطط
الاقتصادية والسياسية وحتى العسكرية، إلا أن الله يصف أولئك النفر من الناس الذين
عَمُوا عن التراث الإسلامي بقوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ
كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ ۗ مَن يَشَأِ اللَّهُ
يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الأنعام:39).
والآن ما مظاهر هذه العلمنة؟ وما الذي ترتب على علمنة قضايانا؟ وما الذي
يضمن أن أسلمة قضايانا من شأنها أن تعطِي ثمارًا مختلفة من علمنتها؟ وما الذي
ستقدمه تباشير المد الإسلامي في المجتمعات العربية؟ أسئلة كثيرة تدور في أذهان
المتابعين لحركات المد الإسلامي يمكن أن تكون أساسًا للحوار في مقالات قادمة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل