; العمالة في الخليج مشكلاتها، أثارها، توجهاتها | مجلة المجتمع

العنوان العمالة في الخليج مشكلاتها، أثارها، توجهاتها

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 02-يناير-1990

مشاهدات 60

نشر في العدد 948

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 02-يناير-1990

·     الإقبال على استقدام عمالة رخيصة خفيفة ضاعف نسبة الآسيويين وخصوصًا غير المسلمين

·     خطورة النظر للجانب المادي والربح وحده دون العوامل الأخرى عند اختيار العمالة

شهدت منطقتنا خلال نصف القرن الماضي تطورات جوهرية أدت إلى أحداث تغييرات أساسية في كثير من أمور الحياة اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا وغير ذلك.. لقد كان سقوط فلسطين وتشريد شعبها وما حدث في المنطقة العربية تبعًا لذلك من خلخلة نتيجة لذلك من جهة.. وتفجر بحار من النفط في منطقة الخليج خاصة.

من جهة أخرى وازدياد أهمية هذه المادة الحيوية الاستراتيجية تبعًا لتطور العالم الصناعي والطفرات الكبيرة التي حصلت فيه واعتمادها بشكل كبير على النفط العربي في الدرجة الأولى. مما أدى إلى رفع قيمة النفط وزيادة كمياته. فأوجد بالتالي وفرة مادية لدى المنتجين جعل الدول المنتجة للنفط تتوجه للتوسع في التنمية والبنيان الحضري والتطوير العمراني والمدني. مما جعلها تتوجه للخارج لاستجلاب المواد والمنتجات اللازمة واستقدام العمالة التي تشارك في البناء والتنمية.

-      نشوء مشكلة العمالة

هذه الظروف وأشباهها أدت إلى وجود ما يمكن أن يسمى مشكلة العمالة. وتنامت- باطراد ما يمكن أن نسميه الظروف الطاردة. بتراجع الأوضاع تدريجيًا في معظم المنطقة العربية غير ذات الوفرة النفطية- وذات الكثرة العددية نسبيًا- حيث يتصاعد التناسب العكسي بين الدخل المحدود والمتناقص والتكاثر السكاني مما يعني هبوط نسبة دخل الفرد تدريجيًا والانحدار إلى مستوى الفقر.

هذه الظروف بالذات أيضًا أدت إلى أن يؤم المنطقة النفطية كثير من المواطنين العرب للمساهمة في البناء والتطوير وللبحث عن مورد رزق. وكان من الطبيعي أن تكون من هؤلاء نسبة كبيرة من الفلسطينيين الذين فقدوا وطنهم أو كادوا وأصبحت الغربة والهجرة عندهم لا تفرق وطنًا عن وطن. فكلها أراض عربية. وكلها غربة نسبية يعتبرونها مؤقتة فليتوجهوا إلى حيث الرزق الأوفر وظروف الحياة الأيسر إلى أن يعود وطنهم إن شاء الله فيعودون إليه شاكرين مشكورين يضاف لذلك أن طلائع البعثات التعليمية الفلسطينية أرسلت للكويت منذ الثلاثينيات فكانت بذلك أول بعثات تعليمية تفد للبلاد.

ولم يقف الأمر عند حد الفلسطينيين حيث إن ظروف المنطقة كما أسلفنا كانت جاذبة في بلاد النفط- وخصوصًا الخليج- وطاردة في غيرها. مما أدى إلى تكاثر العرب من جنسيات أخرى في بلاد النفط.

ولم يقف الحد عند العرب، بل جاءت أعداد أخرى من غير العرب من المسلمين وغيرهم، وتنوعت مصادرها وجنسياتها وأعدادها حسب الظروف قربًا وبعدًا وتيسيرًا وتعسيرًا وتوافرًا لعوامل، أو معطيات، أو ضغوط معينة، أو انحسارها. فكانت الهجرة الإيرانية كذلك متوجهة بكثافة في فترة من الفترات إلى مناطق مختلفة في الخليج حسب القرب ووجود عناصر سابقة تستجلب ما تريد من جنسها وتشجعهم إضافة لبريق النفط الذي لمع فجأة وشكل-كما أسلفنا قوة جذب وإغراء كبيرة- وكانت الهجرات الإيرانية سابقة حتى لانفتاح المنطقة وقبل إقبال الآخرين بهذا الزخم الهائل على الكويت والخليج.

وتكررت الهجرات ومحاولات التسلل الإيرانية منذ وقت مبكر، ولم تنقطع حتى الآن وترتب على ذلك أوضاع ومشكلات يطول شرحها وليس هذا مجال تفصيلها.

وبشكل طبيعي ولصلات الخليج القديمة والتقليدية بالقارة الهندية وما جاورها كان من الطبيعي أيضًا أن يتوافد على الكويت والخليج عناصر من القارة الهندية حيث الفقر المزمن والأزلي والظروف المتعددة الطاردة كذلك.

-      عمالة آسيوية رخيصة خفيفة

وتجاوز الأمر شرقًا كذلك إلى الفلبين وغيرها من بلاد الشرق فتقاطر على البلاد خلق كثير منهم المسلم وغير المسلم.

وساهم عصر التطوير العملاق- إن صح الوصف- والتعاقد مع شركات عالمية ضخمة لتنفيذ وإنجاز مشروعات كبيرة في الكويت والخليج والجزيرة في تكديس وتكثيف نوع معين متناسق غالبًا- من العمالة كالكوريين وغيرهم قوى عاملة بدون عائلة رخيصة الأجور مرتبطة ارتباطًا تامًا بشركاتها لها تجمعاتها الخاصة وأنشطتها وأساليبها. فقد قيل إن الشركات الكورية وأمثالها كانت تحاول استجلاب كل شيء من بلادها فلا تكاد تحتاج لشيء من السوق المحلية. وبدأ ينشأ على هذا النمط شركات محلية لكنها في أغلبها شركات خدمات-وغير إنتاجية، لجأت لاستقدام عمالة رخيصة وكثفت وجود الأفراد العزاب» من الأجانب وكانت نسبة كبيرة منهم كذلك من غير المسلمين.

ومع طفرة الحضارة وجنون تشغيل المرأة والتغيرات الاجتماعية المتسارعة ظهرت وانتشرت ظاهرة الخدم والمربيات والسواقين... إلخ مما أسهم في تكثيف استقدام كم هائل كذلك من العمالة العشوائية وشبه العشوائية حتى أصبحت نسبة أهل البلاد في وسط هذا الكم الهائل نحو 38% وهي نسبة أيضًا فيها وفي داخلها كثير من التفاصيل.

-      نموذج إحصائي توضيحي

ولتتضح الصورة أكثر نلقي نظرة على آخر ما وصلنا من إحصاءات وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل حول العمالة والقوى العاملة في مختلف القطاعات.

بالنسبة للمؤهلات العليا ومن يرتبط بهم من مساعدين فنيين:

- في مهنة المهندسين: ٢٥٦٢ مهندسًا العرب: ٢٣٥، الآسيويين ١٥٥٥، أوروبا ٦٤١، أمريكا ۱۱۸

- مهنة رسام هندسي: ۱۲۷ للعرب ۹ والآسيويين ۸۷ وأوروبا ۲۰ مهنة مساح كميات: ۸۱ للعرب ٣ والآسيويين ٢٥ وأوروبا ٥٢.

- في مهنة الأطباء البيطريين والصيادلة: جميعها مهن للعرب.

- مهن محاسب قانوني: ٢٠٤ للعرب، ۱۷۹للآسيويين ٢٧ لأوروبا.

- مهنة محام واستشارات قانونية: ٤٢ للعرب 2 لآسيا، لأوروبا.

- ومهنة مدرس بكافة التخصصات: ١٢٥ للعرب ١٦ لآسيا، ۱۲۹ لغرب أوروبا. وهذا القسم مجموع العاملين فيه بلغ ٤٢٥٠ للعرب ۷۸۲ بنسبة ١٨% ولآسيا ٥١% وعددهم ۲۱۷۸ ولأوروبا 1074 بنسبة ٢٥% ولأمريكا ۱۹۲ بنسبة 4.5% وأخرى 24 بنسبة 0.6%.

- قسم المديرين

وبلغ مجموع العاملين في هذا القسم ٢٠٦ للعرب ١٤ بنسبة 6.8% ولآسيا 29% ولأوروبا ٩٩ بنسبة ٤٨% ولأمريكا ٦٠ بنسبة 29%.

قسم الكاتبين

في مهنة مشرف كتابي وعددهم ٣٨٥ والعرب ٦٢ بنسبة ١٦% وأسيا ۲۲۹ بنسبة ٥٩% ولأوروبا ۸۰ بنسبة ٢٠%.

وجميع المهن الكتابية ١٤٢٧ والعرب ٥٤٥ بنسبة 38 % ولآسيا ٧٣٥ بنسبة ٥١٫٥% ولأوروبا ۱۲۰ بنسبة ٨٤%.

الباعة

وإجمالي العمالة في هذا القسم بلغت ٤١٤ العرب ١٥٠ بنسبة٣٦% ولأسيا ١٦٦ بنسبة ٤٠% ولأوروبا ٧٥ بنسبة ١٨. %

عمال الخدمات

وفي هذا القسم إجمالي العمالة ٤٠٢٠ عاملًا للعرب ٣٣٥ بنسبة 8% ولأسيا ٣٦٤٥ بنسبة ٩٠%.

عمال الزراعة

وفي هذا القسم يبلغ مجموع العمال ۱۰۲۳ للعرب ٤٦٣ بنسبة ٤٥% ولآسيا ٥٥٨ بنسبة 54%.

عمال الإنتاج والحرفيون والعمال العاديون والسائقون

بلغ إجمالي العمالة في هذا القسم ٣٠٢٨٤ بينما العمالة الكلية في كل أقسام التصنيف المهني بلغ ٤١٦٢٣ أي بنسبة ٧٢٪.

أما عن العمال العاديين في هذا القسم فقد بلغت ٩٤١٦ أي بنسبة ٢٢% من إجمالي العمالة الكلية وإذا ما نسبت إلى القسم الداخلة فيه فإنها تكون ٣١ % والعمالة في هذا القسم التي تخص العرب ٣٢٧٠ بنسبة ١٠%. والعمالة الآسيوية ٢٥٩٢٨ بنسبة ٨٥%.

ومما سبق تتأكد الظواهر التالية:

- العمالة في معظمها لآسيا بالكيفية التالية: الآسيويون ۳۳۲۳۹ من ٤١٦٢٣ بنسبة ٨٠٪.

- مجموع المهن حيث يتم بعضها على مستوى المهن والبعض الآخر على مستوى الفصل فقد بلغت ۳۷۱.

- العمالة العادية تبلغ ۲۳ وإذا أضيف إليها بعض المهن في قسم الخدمات والزراعة لوجدنا أن ٢٥% على الأقل من العمالة غير الماهرة ونسبة عمال الإنتاج إلى المجموع الكلي حوالي ۷۲% ويتضح أن أكبر مجموعة مهنية هي لمصر 105 مهن.

وكما نرى أنه في قطاع الزراعة كذلك في قطاع البناء والخدمات تتسرب نسبة غير قليلة من العمالة غير الماهرة، والتي سميناها «عشوائية» وهي في حقيقة أمرها ما هي إلا بطالة مقنعة. ولكن الضرورة تجعل البعض يدعي معرفة ما لا يعرف.

أوروبيون كذلك

وبنظرة مبسطة لبعض مفردات الإحصائية السابقة نجد الحضور الأوروبي وجله غير مسلم وله غالبًا ظروف وتطلعات ومهمات خاصة نجده كثيفًا في بعض القطاعات العليا والفنية. ففي مهنة مساحي الكميات نجدهم يستحوذون على نحو الثلثين. حتى في مهنة التدريس العالي يقاربون النصف وفي مجموع المدرسين من كافة التخصصات يشكل الأوروبيون والأمريكيون نحو الثلث.

أما في مناصب المديرين فيكادون يكتسحونها حيث يشكل فيها الأوروبيون نحو النصف كذلك وإذا أضيف إليهم الأمريكيون أصبحت النسبة نحو ٧٧% أي أكثر من ثلاثة أرباع وكأنه إقرار ضمني أو لاإرادي أنه لا يصلح لقيادتنا وإدارة شؤوننا إلا «الخواجات» ونرى للأوروبيين حضورًا كذلك في المهن النظيفة الأخرى كالمهن الكتابية والمحاسبة، والباعة ومنهم الوكلاء والمسوقون ومندوبو الدعاية... إلخ.

فإذا وصلنا إلى المهن الشاقة كقطاع الزراعة والصناعة ونحوهما تضاءل حضور الأوروبيين أو اختفى. وللأسف أن السياسة الإحصائية العامة وفلسفتها لا تهتم بالدين ونادرًا ما تدخل في عناصر الإحصاء وسياسة العمل وغيرها غالبًا-تقليدًا للغرب الذي يفصل الدين عن الحياة-ولذا فلا نجد تفصيلًا واضحًا يبين لنا عدد المسلمين من غير المسلمين في سائر الإحصاءات التي بين أيدينا. ولكنا نعلم بداهة أن الأغلبية الساحقة من قوة العمل الأوروبية والأمريكية غير مسلمة، وإن كان فيها عناصر مسلمة فهي من القليل النادر.

طوفان الآسيويين

فإذا انتقلنا إلى ملاحظة نسبة الآسيويين في نموذج الإحصاء السابق أو غيره سنجد تكدسا هائلًا في كثير من المواقع ملفتًا للنظر فحتى في المهن العليا نجدهم يشكلون نسبة ٥١% أي أكثر من النصف. فعدد المهندسين منهم مثلًا ١٥٥٥ من أصل ٢٥٦٢ مهندسًا. أي ما يقرب من الثلثين. وفي الرسامين الهندسيين ۸۷ من أصل ۱۲۷ رسامًا بنسبة نحو الثلثين كذلك. وفي مساحي الكميات ٢٥ من أصل ۸۱ نحو الثلث، وفي المحاسبين القانونيين ۱۷۹ آسيويًا من ٢٠٤ أي ما يقارب ۸۹ % حتى في المديرين لهم نسبة لا بأس بها. فاذا انتقلنا إلى القطاعات الأخرى فسنرى الآسيويين يشكلون ٤٠% من الباعة ٥٤% في الزراعة. و٩٠٪ في الخدمات. و٨٠% في قطاع عمال الإنتاج والحرفيين والعمال العاديين والسائقين منهم ٨٥% في قطاع العمال العاديين وحده والأغلبية الساحقة من هؤلاء هم من غير المسلمين ولهذا ولا شك أثره البالغ وخطره المتوقع على المجتمع، وهو ما سنتحدث عنه بالتفصيل فيما بعد إن شاء الله.

وهكذا نجد خليطًا متنوعًا من البشر (وصل إلى ۱۲۷ جنسية كما تقول آخر الإحصائيات) وكأنها صورة أخرى من برج بابل.

تخطيط أم تخبط

وفي غياب التخطيط وصل الأمر إلى ما يشبه التخبط، حيث يبدو أن فلسفة معينة، أو عقلية ما سيطرت على توجهات سوق العمل ربما نتيجة إحصاءات معينة أو تحليلات غير بريئة أو حتى ربما توجيهًا أو توجهًا معينًا والظاهر أن تلك العقلية أو النظرة طمست معظم العوامل أو تجاهلت آثارها. ولم يشغلها إلا العامل المادي الرقمي. فجعلت هاجسها «وهجيراها» كما يقال، فظهر- في فترة ما وربما هو مستمر بتفاوت- الولع باستجلاب عمالة «مفردة» رخيصة. بغض النظر عن عوامل أخرى من الجنس أو اللغة أو الدين أو الانسجام مع المجتمع أو الاستقرار المؤدي لوفرة الإنتاج وجودته. أو حتى أحيانًا دون النظر إلى المهارة الفنية أو القدرة على التكيف مع العمل وظروفه والبلاد وبيئتها. وبنفس القوة تقريبًا نشأ نزوع أو ولع بالتخلص من العمالة الأخرى التي اعتبرت مكلفة نسبيًا وتتطلب أعباء مختلفة. وأصبحت قوة الطرد والدفع نحو الهجرة المعاكسة أشد، بل وأصبحت جزءًا أساسيًا من تفكير ومطالبة وتخطيط البعض.

وبالطبع فإن هذا التوجه أدى إلى هجرة البعض، ولكن ليس كما هو مرغوب أو متصور. ولكن الوافدين الجدد انخفضوا على كل حال بنسبة ٨٠% ولكن ساحة العمل خلت من كفاءات كثيرة مدربة وخبيرة لتحل محلها عناصر أقل كفاءة وأضعف إنتاجًا مما زاد الوضع كسادًا وركودًا.

وبالعكس ونتيجة لهذه العقلية أو السياسة المذكورة. وجدنا أن الهجرة الآسيوية إلى الخليج تضاعفت 7 آلاف مرة خلال مدة قياسية وأن تستقبل الكويت في فترة محدودة ٤٦٢ ألفًا معظمهم من الفلبين والهند وسيلان وأن يكون في الكويت ۳۲۰ ألف خادم بمعدل ۲٫۲ خادمين «وعشرين» لكل أسرة، ويوجد ٣٧٦١٨٧ عاملًا وموظفًا لدى ۲۷۹۲٥ شركة ومؤسسة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 543

103

الثلاثاء 15-سبتمبر-1981

المجتمع المحلي - العدد 543

نشر في العدد 1124

67

الثلاثاء 08-نوفمبر-1994

المجتمع الأسري (1124)