; العمل الدعوي العام المنهج والضوابط (۳ من ٥) تحسين العلاقات مع الآخرين | مجلة المجتمع

العنوان العمل الدعوي العام المنهج والضوابط (۳ من ٥) تحسين العلاقات مع الآخرين

الكاتب د. حمدي شعيب

تاريخ النشر الجمعة 13-أغسطس-2004

مشاهدات 70

نشر في العدد 1613

نشر في الصفحة 56

الجمعة 13-أغسطس-2004

  • يجدر بأهل الدعوة تفهم قضايا الآخر، وحسن الصلة به.. مع الثبات في الوقت ذاته على المبدأ
  • الجسور التي تمتد بين قمم الجبال هي المعبر الذي يتجاوز به الجميع خطر الهلكة في أودية الخلاف والقطيعة

تناولنا في الحلقة الماضية ثلاثاً من ركائز العمل الدعوي العام، وتتناول في هذا العدد ثلاث ركائز أخرى.

 الركيزة الرابعة تشجيع عمليات التجسير:

 وهي المبادرات التي تتبنى صنع جسور مع الآخر، ومع التيارات المختلفة.

 وذلك من أجل التقارب أو التعاون في القضايا المصيرية والأخطار المشتركة كما في التحالفات المرحلية بين القوى.

وتدبر كيف كان من أسباب وعوامل تشجيع وتنشيط، بل وتفعيل الحركة الحوارية بين التيارين اللا ديني والديني والممثلين بالرجلين الكافر والمؤمن في قصة صاحب الجنتين هو العلاقة السابقة أو الأرضية التي نشأت عليها صحبتهما.

 وتأمل مغزى تلك العبارة: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ﴾ (الكهف: ٣٤)، وذلك بعد أن ندرك أن معنى الصاحب هو (الملازم إنساناً كان أو حيواناً. أو مكاناً أو زماناً، ولا فرق بين أن تكون مصاحبته بالبدن وهو الأصل والأكثر أو بالعناية والهمة ولا يقال في العرف إلا من كثرت ملازمته (۱) إذن فهناك بين الرجلين. وعلى الرغم من خلافهما الفكري. علاقة مصاحبة وملازمة. وهي التي ساعدت على عملية الحوار وحرية الرأي.

وتدبر كيف أن مبادرة الرسول  ﷺ في تجسير العلاقات في مناخ يسمح بحرية التنفس الفكري قد أثمرت هذه الخلخلة في صف قريش، مما تسبب في فتح الطريق أمام العقلاء والمعتدلين منهم مثل عتبة بن ربيعة والذي اعتزل قريش بعد سماعه للفكرة نقية دون حجاب من الحبيب ﷺ 

وتدبر قول عتبة، وكيف بدأ بالضرب على وتر العلاقة السابقة ورابط صلة الرحم يا بن أخي إنك منا حيث علمت من السلطة في العشيرة، والمكانة في النسب، وإنك أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها..

 وهو الملمح الذي يدعو أصحاب التيار الإسلاميّ إلى أن يدركوا المغزى البعيد لكلمة (صاحبه) التي تكررت في سياق قصة صاحب الجنتين ويا بن أخي التي تكررت في خطاب عتبة فيكونوا من أنصار تجسير العلاقات واستغلال العقلاء من معتدلي التيار المادي، وهو الأمر الذي من شأنه أن يزيد في حركة التقارب وتنقية الآراء ويقطع السبيل على بعض الفصائل داخل التيار العلماني التي تنتهج النزعات الاستقصائية للآخر خاصة الإسلاميين.

 فالجسور التي تمتد بين قمم الجبال هي المعبر والسبيل الذي يتجاوز به خطر الهلكة في أودية الخلاف والقطيعة. 

الركيزة الخامسة تبني حق الآخر في الوجود:

 وهي ركيزة ترتبط بالركيزتين السابقتين: فإذا كانت الأولى تقر مبدأ حق الآخر في الحوار، والثانية تقر مبدأ التجسير، فإن هذه الركيزة تقر مبدأ حق الآخر في الوجود.

 وهذا من شأنه أن يقف ضد التيارات الاستئصالية للآخر، والتي من أغلب ضحاياها أبناء التيار الإسلامي.

 وتدبر ما ورد في قصة صاحب الجنتين: وكيف عرض الرجل الكافر رأيه في حرية نامة. وفي إسهاب ملحوظ، وتطاول فيه على كل شيء بما فيه ثوابت الرجل المؤمن وعقيدته، ولم يقاطعه الرجل المؤمن.

 وهي صورة تشي بمدى أدب صاحبه المؤمن وإيمانه بحرية الحوار، وسماع الرأي الآخر، إلى أبعد مدى.

وتدبر ما قاله الحبيب  لعتبة بن ربيعة في بداية الحوار: "قل يا أبا الوليد أسمع" ثم قال له بعد أن فرغ من عروضه أفرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم. قال: فاستمع مني. قال: أفعل.

 وفي هذا الرد الكافي على المرجفين في مدينة الفكر والإعلام واتهاماتهم بأن التيار الديني، أحادي التوجه، وخطي المنهجية فلا يقبل النقد، ولا يقبل الآخر، وأنه يستغل القنوات الديمقراطية من أجل الوصول، ثم بعد ذلك سيتعامل من منظور يقيد التعددية، وينحى المنحى (الديموقراطية) الاستبدادي!

واستماع الرجل المؤمن لصاحبه، دون مقاطعة، وكذلك سماع النبي  لأبي الوليد دليل على قبول التيار الديني بمبدأ الحوار. والتعايش مع الآخر.

 وقضية قبول الآخر من القضايا التي يجب أن يرفع لواءها التيار الديني لأنها إحدى علامات سعة المنهج ومرونة الشريعة، وكذلك من علامات نضع حاملي هذا المنهج، وثقتهم في سمو فكرتهم التي يدعون إليها، وهي أيضاً دلالة بارزة على سعة أفق دعاة مشروعهم الحضاري. 

وإذا كان لهذه القضايا أهميتها في الماضي فإن هذه الأهمية تتضاعف في حلقة الصراع والتدافع الحضاري المعاصرة، أمام تيارات ومشاريع مناوئة يلقي حاملوها بالتهم جزافاً على حاملي المشروع الحضاري الإسلامي ويتهمونهم بالجمود والتحجر، وأحادية النظرة وعدم قبول الآخر.

 وهذه القضية ترتبط بقضية أخرى يجب أن يتبناها التيار الديني داخلياً: الا وهي قضية تعدد الصواب وهي نفس قضية مشروعية الاجتهاد في الفروع وضرورة وقوع الخلاف فيها. واعتبار كل من المتخالفين معذوراً ومثاباً: وذلك كما تراه في الواقعة المشهورة عندما عاد الحبيب  من غزوة الخندق ووضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل عليه السلام بالأمر الإلهي بغزو يهود لغدرهم بالعهود فقال: قد وضعت السلاح؟! والله ما وضعناه فاخرج إليهم، قال: فإلى أين؟ قال: ههنا وأشار إلى بني قريظة، فخرج النبي  إليهم (٢). ثم نادى  في المسلمين: ألا لا يصلين أحد العصر، إلا في بني قريظة، فسار الناس فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل تصلي، ولم يرد منا ذلك، فذكروا ذلك للنبي  فلم يعنف أحداً منهم (۲).

فتدبر موقفه ﷺ من المتخالفين، وإقراره جواز صحة كل منهما. 

وهناك قضية أخرى تأتي المناسبة للحديث عنها وهي قضية أو فكرة التعددية، وخاصة الجانب الأهم منها وهو التعددية السياسية؛ لأنها قضية الساعة، وموضع القدح والنقد من قبل الطاعنين في المشروع الإسلامي.

 والتعددية تعني في جوهرها التسليم الاختلاف الذي لا يستطيع عاقل إنكار كونها للمختلفين لا يملك أحد أو سلطة حرمانهم منه.

 والتعددية السياسية تشير إلى عناصر تنظيم الكيان السياسي بما يمكن التوجهات السياسية والفكرية المختلفة من الحفاظ على روحاتها الخاصة بها. وحقها في المشاركة في العملية السياسية بفعالية، وكذلك حقها في إنشاء مؤسساتها ومنظماتها الخاصة لتحقيق أهدافها المنشودة. 

وللدكتور يوسف القرضاوي. وهو من أعلام التيار الديني ودعاة المشروع الحضاري الإسلامي.. شعار رائع يدلّل على أهمية التعددية السياسية من باب مشروعية التعددية الفقهية فيقول: «المذاهب أحزاب في الفقه، كما أن الأحزاب مذاهب في السياسة.

 وللدكتور عبد الغفار عزيز، رأي في رسالة دكتوراه بعنوان: الدعوة والدولة في صدر الإسلام، حول تاريخ التعددية السياسية، يرى فيه أن الرسول  كان زعيماً لمعارضة نظام الحكم في مكة، كما أنه  قد سمح بها وفتح مناقشة آراء المعارضة في بدر واحد وحصار المدينة وغزوة الخندق وكان بلال رضي الله عنه زعيماً من زعماء المعارضة في عهد عمر رضي الله عنه، وكان له أتباع وأعوان من بعض كبار الصحابة رضوان الله عليهم مثل: عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وكان الفاروق رضي الله عنه لا يستطيع شيئاً مع الرأي الآخر إلا أن يقول: اللهم اكفني بلالاً وأصحابه (٤).

 ومن الأهمية بمكان أن نورد رأي الحركة الإسلامية المعاصرة، حتى يتبين لنا أطروحاتها حول هذه القضية: ولقد ورد فيه:

 لذا فإننا نؤمن بتعدد الأحزاب في المجتمع الإسلامي، وأنه لا حاجة لأن تضع السلطة فيوداً من جانبها على تكوين ونشاط الجماعات أو الأحزاب السياسية، وإنما يترك لكل فئة أن تعلن ما تدعو إليه وتوضح منهجها وما دامت الشريعة الإسلامية هي الدستور الأسمى. كما أننا نرى أن قبول تعدد الأحزاب في المجتمع الإسلامي على النحو الذي أسلفنا يتضمن قبول تداول السلطة بين الجماعات والأحزاب السياسية وذلك عن طريق انتخابات دورية (٥).

وبعد فإن الحديث عن تلك القضايا والتنويه عنها يأتي في موضعه، فإذا تبناها التيار الديني المعاصر، ودعاة المشروع الحضاري الإسلامي، فإنما فيه الدلالة على مدى سعة ومرونة الشريعة ورحابة الفكرة التي يقوم عليها مشروعهم، وفي نفس الوقت يتبين الفرق بينه وبين المشاريع الأخرى القائمة على الأفكار الاستئصالية لحرية الآخر فلا يسمح له ولو بصحيفة يعلن فيها رأيه، والتي تقوم أيضاً على النزعة الاستقصائية لوجود الآخر، فلا يسمح إلا لوجود من يدور في فلكهم.

الركيزة السادسة: الثبات على المبدأ

وهي الركيزة التي تبين أصالة الفكرة، وقوة تجذرها، وتثبت أيضاً، عمق الالتزام بالثوابت وفقه المرونة بحسن التعامل مع المتغيرات. 

وهي التي توضح الرجل الشارع العادي الفرق بين الثابت على الفكرة والمثلون الذي يصطبغ بصبغة كل عصر. 

فالثبات هو المنارة التي يؤوب إليها كل شارد ويهتدي على نورها كل باحث عن الحقيقة في أسواق المبادئ والأفكار، وقد جلب بعضهم بضاعات مزجاة استوردوها من فتات موائد الغرب والشرق.

 وتدبر قصة صاحب الجنتين: كيف بادر الرجل الكافر بالحوار، وهو الملمح الذي نستشعر معه أن صاحبه الرجل المؤمن كان ثابتاً على أفكاره، واثقاً من طريقه، وهو الأمر الذي أثار حفيظة الرجل الكافر فأراد أن يلفت نظره إلى ملكه الواسع لعله يتراجع عما يحمله من آراء.

 وأمر الثبات على المبدأ بدا واضحاً في خطاب الرجل المؤمن عندما قال: ﴿لَّٰكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (الكهف: 38).

 وتدير هذا الموقف: "أن عتبة بن ربيعة" وكان سيداً قال يوماً وهو جالس في نادي قريش ورسول الله  جالس في المسجد وحده.. يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فاكلمه وأعرض عليه أموراً لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة رضي الله عنه ورأوا أن أصحاب رسول  يزيدون ويكثرون. فقالوا: بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه..

 وتأمل قوله في نهاية المقابلة، رافضاً عروض عتبة: "قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك..

إنه الثبات على الحق والتمسك بالفكرة فقريش تجلس كلها في ناديها، ويجلس الداعية وحده، ورغم ذلك يشعرهم بقوة التحدي والثبات، وهو الأمر الذي نتج عنه خلخلة الصف المعادي، مما أدى إلى بروز بعض الأصوات العاقلة داخل معسكر الكفر، والتي تؤمن بمبدأ الحوار والتفاوض، وحق الآخر في الوجود، وفي التعبير عن رأيه.

 إذن فتيات أبناء التيار الديني هو الصخرة التي تتحطم عليها أمواج التيار المادي العانية فتذهب جفاء، ويبقى الحق شامخاً، لينفع الناس ويعمر الأرض: ف ﴿ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ (الرعد: 17).

الهوامش:

1. مفردات ألفاظ القرآن: الراغب الأصفهاني 475.

2. متفق عليه واللفظ للبخاري.

3. رواه البخاري.

4. مقتطفات من ندوة مركز الدراسات الحضارية بالقاهرة حول: التعددية السياسية - رؤية إسلامية – في أغسطس 1996م، مركز الإعلام العربي 9-76.

5. رسالة المرأة المسلمة في المجتمع المسلم، والشورى وتعدد الأحزاب 39-40 بتصرف. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2147

140

الثلاثاء 01-سبتمبر-2020

الهجرة النبوية.. من دلالات المشهد

نشر في العدد 1896

97

السبت 03-أبريل-2010

الثبات على طريق الدعوة