العنوان العمل الإسلامي في الغرب: مظاهر وحلول
الكاتب فتح الله نوار
تاريخ النشر السبت 02-يونيو-2001
مشاهدات 44
نشر في العدد 1453
نشر في الصفحة 66
السبت 02-يونيو-2001
د. فتح الله نوار(*)
ينتاب أحدنا شعور بالغبطة وهو يتابع مسيرة العمل الإسلامي وقد انتقل من صحوة عمت ارجاء البلاد الإسلامية، بل امتدت بأنوارها لتحط رحالها في أرحام الحضارة الغربية، فهو دين الله، الذي تكفل بحفظه وكلمته إلى الناس فيه سعادتهم، وبه تتم إنسانيتهم، تنتقل من تلك الصحوة الراشدة إلى مؤسسات تشغل الساحة، وتغطي الحاجات الدعوية، لتكون بديلًا عن مناهج حياة طالما شغلت القلوب والعقول، ولا شك أن تحقيق هذه النقلة الحضارية لم يتم من فراغ، ولم يأت جزافًا، إنما هي ثمرة جهود مضنية نسج خيوطها دعاة إلى الله شعارهم (يعلمون الحق ويرحمون الخلق). ولما اتسعت رقعة الساحة الدعوية، وذاع صيت الدعوة ليعم الأرجاء، والتف على الدعاة شباب طلقوا الملذات، ونزوات الشباب ليحلقوا بأرواحهم نحو العلا والسؤود عندها خمد بريق شفافية الروح عند العديد من أبناء الدعوة الإسلامية، وعملت مشاغل الحياة والانشغالات الجديدة للدعوة معًا على فقدان ذاك المحرك الإيماني، وحمود جذوته، إلا من رحم الله، وباتت الحاجة ملحة لإذكاء روح الإيمان منجهة، ومن جهة أخرى توجيه الطاقات وتوظيفها وفق المؤهلات وميادين التخصص لتثمر ويعم خيرها البلاد والعباد.
ولا يخفى على ذي بال أن استيعاب الوضع ولمس الداء وفقه الحال، يظهر بوضوح في الاهتمامات والكلمات المستعملة وترتيب الأولويات
والتثبت بالجوهر دون القشور والحروف وبعد الملاحظة والتدقيق واختبار النفوس وطبائع الأفراد- ظهرت مجموعة من المظاهر والأسباب، وقد حضرت جملة منها عسى أن نعمل معًا لتفاديها، في المستقبل القريب والبعيد، وهي لا تلمس الأفراد جملة وتفصيلًا، بل تتوزع على بعضهم، واللائمة مردها على الجسد بكامله، إن كان هناك جسد.
ولنتفحص معًا بعض هذه المظاهر والأسباب التي حالت دون النقلة الحضارية للجيل الجديد:
-الخلط بين الغاية والوسيلة، فالدعوة إلى الله وابتغاء مرضاته غاية يطلبها الدعاة، وما المؤسسة إلا وسيلة لتتكاتف الجهود، وتصب في معين واحد.
-اعتماد مقياس الأفضلية وفق الانتماء للمؤسسة.
-الحرفية في فهم العمل المؤسسي أهدافًا ووسائل، مع التقيد بالمصطلحات الحركية والوقوف عندها دون تلمس معانيها.
-فاكهة بعض مجالس المؤسسة العقاب والمشاحنات وترداد البعض (أنا، أنا) حيث ينتهي به المطاف إلى الانغماس في كلمة إبليس اللعين (أنا خير منه).
- كثرة التأويلات والأحكام المسبقة على الحركات والأقوال، والغلظة في المعاملات بين بعض الأفراد وعدم تلمس الأعذار.
- الخلط عند بعض أفراد المؤسسة بين الأهداف البعيدة والأهداف القريبة، مع عدم وضوح ملامح المرحلة التي تمر بها المؤسسة.
-قد تبنى بعض الخطط على حقائق وهمية أو عاطفية لا تمت بصلة إلى أرض الواقع.
-عدم تحديد الأهداف بما يتناسب مع الطاقات الموجودة والإمكانات المتاحة.
-الفوضى وعدم الدقة أثناء إنجاز الأعمال، وإهدار الأوقات والأموال لتحقيق عمل بسيط.
-التأثر بما يحدث في أقطار أخرى دون مراعاة اختلاف الزمان والمكان والحال وطبيعة المجتمعات.
والقائمة طويلة يقلص حجمها أو يعدده تفاعلنا مع هذه المعاني والمحاولة الجادة لتجاوز كل منا هفوات ومزالق يرى نفسه معنيًا بها دون غيره، وإليك بعض الحلول لهذه العوائق المتشعبة، ومنها:
- تصحيح مفهوم الجماعة ونقله ليسع الجالية المسلمة في ديار الغرب بما لها وما عليها، ولنتخلص من النظرة الأفقية، فالانتماء للمؤسسة ليس معيارًا للتفاوت بين المسلمين، فكم هناك من هو خارجها، وهو أقرب عند الله منا.
-اعتبار قوانين المؤسسة وسيلة لا غاية.
- المراتب داخل المؤسسة تصبح مصطلحات جوفاء إذا لم تحقق معانيها في نفسك، وما جاءت إلا لتسيير العمل وتيسيره، وليس للدلالة على التفاوت والأفضلية فذاك ميزان آخر: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣).
الحق له أوجه متعددة، ولا يمكن حصره في نوع واحد من اجتهادات البشر، وقد تجد عند غيرك ما هو أقرب إلى الصواب ونفع الأمة.
-انشغال العبد بعيوبه: والعمل على إصلاح حاله مع الله أقرب الطرق إلى السعادة والريادة، ومن سلك طرق الأحزاب الأرضية لحاجة في نفسه، فقد خذلها وأوردها الموارد المهلكة والعياذ بالله -تعالى- من سوء العاقبة.
- مرونة الوسائل في الدعوة من مرونة الدين وهما وجهان لعملة واحدة، فلا تجمد على أسلوب واحد، وتلمس المعاني والأبعاد، ولا تقف عند الأسماء.
-التهديد بعصا المؤسسة لكل من فرط وتقاعس دليل على ضيق في الأفق، وعلى أنه من يفعل ذلك لم يصاحب أرباب الدعوة ورجالها، ولم يتدرج في منازل الدعوة.
-إرجاع كل نجاح إلى المجموعة، ولوم النفس بالتقصير علامة على الإخلاص، ودلالة على الصدق مع الله، فاحذر من ترداد (أنا فعلت، وأنا نظمت) فإنها من تلبيسات إبليس.
-السمع والطاعة والتعاون على تنفيذ الواجبات يستحيل أن تكون بنبرة عسكرية أو بكلمة تخرج من فم فظ غليظ، فكسب القلوب أولى من كسب المواقف والكلمة الطيبة، والتواضع الصادق والاحترام المتبادل وسائل لا غنى عنها لتنفيذ الأعمال وتحقيق الغايات.
-التربية الذاتية أساس صلاح الفرد، وما لقاءات الفرد مع المجموعة إلا تدريب على بعض المعاني الإيمانية، هذا إذا كان اللقاء بالسمت المطلوب.
هذه جملة من الحلول الذاتية التي تمكن كل فرد من مراجعة نفسه، ليعدها من جديد للانتماء إلى صف العاملين في حقل الدعوة الإسلامية، أما الحلول العملية فهي لا تأتي من فراغ، ولا تتحقق دون توفير أدوات العمل المؤسسي، كما أن التخطيط يكون على أساس الممكن من حيث الوسائل والأهداف، وليس على ما هو مأمول وتطمح إليه نفوس العاملين، ومساحة التخطيط على أساس الممكن، باب مفتوح وفق الزمان والمكان والحال.
(*) رئيس جمعية القلم-المجر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل