العنوان العمل الإسلامي وحاجته إلى رؤية واضحة في مجال العلاقات الشعبية
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يوليو-1982
مشاهدات 88
نشر في العدد 578
نشر في الصفحة 8
الثلاثاء 06-يوليو-1982
العمل الإسلامي وحاجته إلى رؤية واضحة في مجال العلاقات الشعبية
● جملة مُسلَّمات علينا أن نعيها ونعي ما يتفرز منها حق الوعي:
• «1» العمل الإسلامي- باعتباره عملًا عامًّا- لا يتحرك في فراغ. ثمة سباق سياسي واجتماعي واقتصادي هو بمثابة البحر الذي يسبح فيه الإسلاميون، ولهذا السباق مواصفات وأطُر ومناخ ونكهة وشبكة من العوامل المتناغمة، تشكل ما نتفق على تسميته بالواقع. والعمل الإسلامي- كعمل عام- يتحرك من خلال هذا الواقع لا من خارجه بالطبع؛ ولذا نستطيع أن نقول إن الواقع- كسياق تتفاعل فيه عدة قوى سياسية واجتماعية واقتصادية- هو عامل أساسي ضمن عدة عوامل تحدد شخصية وتوجيه العمل الإسلامي المعاصر. إذن المسلمة الأولى تعني وتركز على هذه العلاقة الأزموزية التفاعلية، بين الواقع من جهة وبين شخصية وتوجه العمل الإسلامي من جهة أخرى.
• «2» المسلمة الثانية مستلة من الأولى ومرتبطة بها، وهي أن العمل الإسلامي لكونه لا يتحرك في فراغ ويتعامل مع مجتمع قائم وناجز عليه إذن، فله- أي العمل الإسلامي- شبكة من العلاقات الشعبية العامة، التي تنامت بفعل التبادل الضروري مع الناس عمومهم وخصوصهم. بعبارة أخرى نقول: إن شبكة العلاقات الشعبية العامة لم تنشأ بالاختيار بل بالحتم، وهي لذلك مستمرة بالحتم وكانت موجودة في تاريخ العمل الإسلامي المعاصر بحكم الحتم، ولا أشك لحظة بحتمية استمرارها في المستقبل، وإن أهم مسوغ لشبكة العلاقات الشعبية العامة هوشعبية العمل الإسلامي، لا من حيث زخم التفاعل الشعبي معه بل من حيث أهدافه في عموم الناس.
• «3» الثالثة أنه بات من الضروري أن ننبه المشتغلين في العمل الإسلامي بوجود تيارات اجتماعية وسياسية راسخة في مجتمعاتنا لا تنتمي للإسلام، وأن هذه التيارات لها قواعدها الشعبية وتستمد شرعيتها السياسية والاجتماعية من قناعة قواعدها الشعبية بها، واستمرارية تفاعلها مع قضايا عموم الناس. ومن المهم أن يعني المشتغلون في العمل الإسلامي أن هذه التيارات غير الإسلامية- أو بتعبير أدق غير الملتزمة بالإسلام كدليل نظري تعود إليه وكمنهج تاريخي لحركتها تسترشد به- تنظر لنفسها كما ينظر الإسلاميون للعمل الإسلامي، على أنه الأسلوب الأمثل لانتشال الأمة من هزيمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية. هذه التيارات لها رؤيتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولديها أيضًا قدرة لا بأس بها في عمليات الاستدعاء السياسي وتحريك المحيط الاجتماعي والاستنصار به، كما أن لها تاريخًا وجذورًا ورموزًا تتمتع بمصداقية وتماسك وحضور. هذه حقيقة باردة ويائسة علينا أن نعيها حق الوعي، وأن نتعامل معها لا أن نتغاضى عنها وأن نتمثلها ونهضمها دون وجل، الأهم من كل ذلك أن هذه التيارات شعبية وليست سلطوية، وأنها تلقى قدرًا لا بأس به من العزل والزجر والكبح والمحنة، ولا شك أن هذا البعد المأساوي يعرف الإسلاميون -على الأخص- دلالاته السياسية.
● إذا وضعنا في الاعتبار المسلمات المرصوصة آنفًا، يصبح- في تصوري- من المهم أن تستنبط منها بعض الرؤى التي قد تسهم في بلورة نظرية للعمل الإسلامي في مجال علاقاته الشعبية العامة، ونقول في هذا الصدد ما يلي:
• «1» حيث إن العمل الإسلامي- كعمل عام- لا يتحرك في فراغ، بل ضمن سياق سياسي واجتماعي واقتصادي اتفقنا على وسمه بـ«الواقع»، وأن ثمة علاقة تفاعلية بين هذا الواقع والعمل الإسلامي، يصبح من المصلحة العملية للإسلاميين أن تكون هذه العلاقة التفاعلية بين الواقع والعمل الإسلامي تصب في مصلحة الأخير لا الأول. بتعبير صريح أقول إن المتمعن في هذا الأمر وفي تلك العلاقة يلاحظ أن الواقع -وهو سياق سياسي يميني رجعي- استطاع أن يحقق مكاسب واضحة في علاقته بالعمل الإسلامي، دون أن يتمكن الأخير من تجيير هذه العلاقة لمصلحته هو على مستوى العلاقات المؤسسية في المجتمع الأوسع، نعم إن الواقع أتاح للعمل الإسلامي انتشارًا أفقيًّا واسعًا، لكن دون أن يسمح للعمل الإسلامي بتجاوز وتخطي الأعراف اليمينية السياسية، وقوى التخلف الاجتماعي العالقة بالأوضاع الراهنة، واستطاع الواقع- كسياق حددنا مواصفاته في الأسطر السابقة- أن يعزل العمل الإسلامي عن التفاعل الإسلامي، عن التفاعل مع التيارات الشعبية الأخرى لدرجة خطيرة باتت تهدد استقلالية ومستقبلية العمل الإسلامي، فالمطلوب إذن على هذا الصعيد أن تكون علاقة العمل الإسلامي بالواقع المحيط تصب في مصلحة تكريس الأهداف القريبة والبعيدة للعمل الإسلامي لا تكريس أهداف اليمين السياسي وتبعيته السياسية والاقتصادية للمغرب الرأسمالي، سليل الصليبية الحاقدة التي تتبدى هذه الأيام بأبشع صورها في حصار بيروت.
• «2» حيث إن للعمل الإسلامي شبكة من العلاقات الشعبية العامة تنامت بفعل التبادل الضروري مع الناس عمومهم وخصوصهم، يصبح من المصلحة العملية للإسلاميين أن تكون هذه الشبكة من الاتساع والانفتاح والمرونة بحيث يتمكن من الاستنصار بها والتحالف مع أطرافها في أوقات الضيق السياسي القادمة لا محالة. مهم جدًّا أن تكون للعمل الإسلامي علاقات شعبية متسعة حتى مع الأطراف غير الإسلامية، تكون ضمن إطار التعاون على ما هو متفق عليه ويحقق مصلحة عامة، إن عملية عزل العمل الإسلامي ضمن دوائر اجتماعية محدودة لا تتمتع بفاعلية سياسية- رغم كثرتها العددية- الهدف منه استفراغ الزخم الإسلامي دون عائد سياسي، وبالتالي الاستفراد بالعمل الإسلامي وتصفيته حين تنشأ وتتوفر الظروف الملائمة لذلك.
• «3» حيث إن هناك تيارات شعبية راسخة تتمتع بقدر من الفاعلية السياسية، وتلقى أحيانًا قدرًا من الزجر والكبح والعزل، ولديها مقدرة لا بأس بها على الاستمرار والحضور السياسي المباشر، ليصبح- في تصوري- أن المصلحة العملية للإسلاميين تقتضي عدم التغاضي عن هذه الحقيقة وعدم الالتفاف حولها؛ أزيد فأقول إن المصلحة العملية للإسلاميين تقتضي فتح قناة للحوار والتبادل في الرأي مع هذه القيادات، وفق منظور جبهوي واسع ينقل الجامد إلى مرحلة من الحيوية السياسية. في تصوري أن هذا الحوار المنضبط في إطار المنظور الجبهوي سيكون له فوائد كثيرة: أولها تجاوز مرحلة التشرذم السياسي الحاصل في الساحة، والذي لا يستفيد منه سوى اليمين السياسي الرجعي الطفيلي، وثانيها التلاقح الفكري والحركي بين أطراف الحوار، وهو أمر مفيد للجميع على المدى البعيد، وثالثها علاقات مؤسسية بين كافة الاتجاهات. علاقات خالية من الحساسيات الشخصية التي من شأن الحوار أن يذيبها، والتي طالما كانت سببًا خلفيًّا لكثير من الأزمات السياسية الشعبية في العالم العربي.
● إن العمل الإسلامي باعتباره عملًا عامًّا لا يخلو من التوجه السياسي بحاجة ماسة إلى رؤية واضحة في مجال علاقاته الشعبية، وإن شبكة علاقاته الشعبية الحالية بحاجة ماسة لمراجعة كاملة تضع في الاعتبار مستقبل العمل الإسلامي واستقلاله. والله أعلم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل