العنوان العنف السياسي في الوطن العربي قضايا وتساؤلات
الكاتب حسنين توفيق
تاريخ النشر الثلاثاء 14-ديسمبر-1993
مشاهدات 70
نشر في العدد 1079
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 14-ديسمبر-1993
العنف السياسي وعدم الاستقرار في الوطن العربي
من المؤكد أن مشكلة العنف السياسي وعدم الاستقرار تعتبر واحدة من أبرز
المشكلات التي تواجهها بلدان عربية عديدة في الوقت الراهن، ونظرًا لعمق التأثيرات
السلبية الراهنة والمستقبلية لهذه المشكلة، فإنه من الأهمية بمكان إخضاعها للدراسة
العلمية المتأنية، وذلك بقصد سبر أغوارها، ومعرفة مدخلاتها وأسبابها، وتطوراتها
ودينامياتها، فضلاً عن بلورة بعض الأفكار والمقترحات العملية بكيفية التعامل مع
هذه المشكلة على نحو إيجابي وفعال. والهدف من هذا المقال الموجز هو بلورة بعض
القضايا وإثارة بعض التساؤلات البحثية التي يمكن أن تشكل إطارًا عامًا للتفكير
الموضوعي في هذه المشكلة وتأصيلها علميًا.
ولذلك فهو مقال في منهج تحليل هذه الظاهرة وبشيء من التعميم يمكن
القول بأن مفهوم العنف السياسي يشير إلى مختلف السلوكيات، والممارسات التي تتضمن
استخدامًا فعليًا للقوة أو تهديدًا باستخدامها لتحقيق أهداف سياسية أو أهداف
اقتصادية واجتماعية ذات دلالات سياسية، والعنف بهذا المعنى، قد يمارسه النظام من
خلال العديد من الأجهزة بقصد استمراره في الحكم وتحجيم دور المعارضة أو القضاء
عليه نهائيًا.
وهو ما يعرف بالعنف الرسمي أو الحكومي، ويأخذ أشكالًا عديدة مثل:
الاعتقالات والإعدامات، واستخدام أجهزة الأمن وأحيانًا أجهزة الجيش للتصدي لأنواع
العنف الشعبي التي تمثل تحديًا للنظام. كما أن العنف قد تمارسه بعض القوى والفئات
في المجتمع بهدف توصيل مطالبها السياسية، أو التأثير على سياسات النظام وقراراته
أو لمناوءة النظام وإنهاكه بقصد الإطاحة به، وهو ما يعرف بالعنف الشعبي أو غير
الرسمي، ومن مظاهره أحداث الشغب والتمرد والاغتيالات التي تستهدف بعض أعضاء النخبة
الحاكمة، والانقلابات والحروب الأهلية.
وتشهد الدول العربية في الوقت الراهن دورة منتظمة من العنف السياسي
(العنف الرسمي والعنف الشعبي)، وهو ما يطلق عليه بالعنف والعنف المضاد، وهذه
الظاهرة تمثل أسوأ وضع يمكن أن تنزلق إليه أي دولة؛ لأنه يتضمن معنى الاستنزاف
المستمر لموارد المجتمع وطاقاته، فضلاً عن تهديد وحدته الوطنية واستقراره
الاجتماعي، ناهيك عن غرس بذور ما يمكن تسميته بثقافة العنف في المجتمع، وتتجسد هذه
الظاهرة في حالة الحرب الأهلية التي شهدتها وتشهدها بعض الدول العربية، فضلاً عن
حالات العنف المكثف بين النظم الحاكمة وبعض القوى السياسية والاجتماعية التي
تشهدها دول عربية أخرى، والتي تقترب أحيانًا من حالة الحرب الأهلية.
ملاحظات عامة
وتتمثل أهم هذه الملاحظات فيما يلي:
1.
أن العنف
السياسي ظاهرة عالمية تعرفها كافة المجتمعات الإنسانية بدرجات متفاوتة وبأشكال
مختلفة، وهنا يمكن التساؤل عن الاختلافات الجوهرية التي تميز هذه الظاهرة في الدول
المتقدمة عنها في الدول المتخلفة، ومنها البلدان العربية؛ بلغة أخرى، ما هي حدود
العالمية والخصوصية في ظاهرة العنف السياسي؟
2.
أن العنف
السياسي جزء من العملية السياسية، وربما لا يمكن تصور السياسة دون قدر من العنف.
ويكمن الاختلاف بين المجتمعات في حجم هذا العنف وطبيعته ومدى قدرة الدولة على طرح
السياسات وإيجاد المؤسسات والآليات اللازمة للتعامل مع ظاهرة العنف على نحو إيجابي
فعال. ولذلك فإن القضاء على ظاهرة العنف السياسي نهائيًا أمر غير وارد، بل المطلوب
هو تحجيم هذه الظاهرة إلى أدنى حد ممكن، وتحييد تأثيراتها السلبية على المجتمع.
3.
أن العنف
السياسي ليس ظاهرة سلبية أو مرضية على الدوام، فأحيانًا يؤدي إلى نتائج ومردودات
إيجابية ولو في الأجلين المتوسط والطويل، بل وإن العنف في بعض الحالات يعتبر ضرورة
تاريخية، فالثورات الكبرى في تاريخ الإنسانية لم تكن لتحدث لولا قدر العنف الذي
مورس خلالها. كما أن العنف قد يكون الأداة الوحيدة للتخلص من أوضاع سياسية أو
اقتصادية أو اجتماعية ظالمة أو بائدة، وقد يكون هو الأداة الوحيدة المتاحة لإحداث
التغيير السياسي والاجتماعي عندما تنعدم الطرق السلمية والشرعية للتغيير أو تفقد
فاعليتها، والسؤال تحت أي ظروف يمكن أن يؤدي العنف إلى آثار إيجابية؟
4.
أن العنف
السياسي ليس ظاهرة قائمة بذاتها ينخرط فيها بعض الهواة، ولكن ظاهرة مجتمعية لها
أبعادها ومدخلاتها وتأثيراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية
والنفسية، ولا يمكن فهم ظاهرة العنف السياسي في الوطن العربي بمعزل عن جملة
المتناقضات والاختلالات المجتمعية التي تعاني منها البلدان العربية بدرجات متفاوتة
وبأشكال مختلفة.
الاختلاف بين الدول العربية من حيث ظاهرة العنف
السياسي
من خلال رصد ومتابعة تطورات ظاهرة العنف السياسي في الدول العربية في
السنوات الـ 10 الأخيرة يمكن القول إن هناك العديد من الاختلافات والتمايزات بين
هذه الدول من منظور ظاهرة العنف السياسي، ويمكن بلورة هذه الاختلافات حول عدد من
هذه المحاور منها:
1.
حجم تكرار
أحداث العنف السياسي (الرسمي والشعبي) ودرجة شدتها.
2.
طبيعة القوى
السياسية والاجتماعية التي مارست وتمارس العنف من حيث وزنها العددي، وأصولها
الاجتماعية، وأطرها الفكرية، وقدرتها التنظيمية والتسليحية.
3.
الأسباب
المباشرة وغير المباشرة، الظاهرة والكامنة، التي تؤدي إلى تفجر أحداث العنف
واستمرارها.
4.
السياسات
والأساليب التي اتبعتها وتتبعها النظم العربية للتعامل مع ظاهرة العنف السياسي غير
الرسمي، وفي هذا الإطار ستطرح على الفور قضية العلاقة بين العنف الرسمي والعنف غير
الرسمي، أو العنف والعنف المضاد.
قوى العنف السياسي في البلاد العربية
نقطة الانطلاق هنا تتمثل في تحديد الخريطة التنظيمية للقوى السياسية
والاجتماعية التي تمارس العنف السياسي في البلاد العربية، ومع التسليم بطبيعة
الاختلافات بين الدول العربية من حيث ظاهرة العنف السياسي طبقًا للمحاور التي سبق
ذكرها، يمكن القول بأن أهم القوى السياسية والاجتماعية التي مارست وتمارس العنف
السياسي غير الرسمي تتمثل فيما يلي:
1.
بعض التنظيمات
والجماعات الإسلامية التي تتبنى فكرًا متشددًا يستند إلى مقولات الجاهلية والتكفير
والعنف.
2.
بعض الأقليات
الراغبة في الحصول على الحكم الذاتي، أو الحصول على نصيب عادل من الثروة والسلطة.
3.
بعض فئات
العاملين في قطاع الصناعة والخدمات في هذه الدولة أو تلك.
4.
بعض وحدات
الجيش.
5.
الطلبة وبخاصة
طلبة الجامعات.
6.
بعض الفئات
المهمشة اجتماعيًا، والتي تنخرط عادة في أعمال العنف التي تفجرها وتقودها قوى أخرى.
ويمكن دراسة كل الفئات السابقة بصورة أكثر تفصيلًا من خلال البحث في
الخلفيات الاجتماعية لها، وحجم مساهمة كل منها في أحداث العنف والأسباب التي
دفعتها لممارسة العنف ضد النظام، وهل هي أسباب خاصة أم عامة، طارئة أم هيكلية،
وأنماط استجابة النظم الحاكمة للمطالب التي رفعتها هذه القوى.
ولما كانت بعض الحركات والتنظيمات الإسلامية المتشددة تمثل القوى
الرئيسية التي تمارس العنف السياسي في عدد من الأقطار العربية في الوقت الراهن،
فإنه يمكن إثارة عدد من القضايا المرتبطة بدور هذه الجماعات في ممارسة أعمال العنف:
- أولى
هذه القضايا: تتمثل في
الأصول الاجتماعية لهذه الجماعات ومناطق تمركزها الجغرافي، وعلاقة هذين
المتغيرين بانخراط هذه الجماعات في ممارسة العنف ضد النظم الحاكمة.
- وثانيها
المصادر الفكرية: القريبة
والبعيدة لهذه الجماعات، وإلى أي مدى يشكل هذا الفكر دافعًا لها لممارسة
العنف ضد النظم الحاكمة، وفي هذا الإطار، فإنه من الأهمية بمكان البحث في
العوامل التي تجعل هذا الفكر ينتشر في مناطق معينة ولدى فئات بعينها.
- وثالثها
مصادر تمويل هذه الجماعات وتسليحها: فبعض
هذه الجماعات كشف عن قدرات تنظيمية وتسليحية عالية، وهو الأمر الذي جعلها
تشكل تحديًا للنظم الحاكمة في بعض الحالات.
- ورابعها
ملامح البديل السياسي: الذي
تطرحه هذه الجماعات للنظم القائمة، وفي هذا الإطار قد يكون من المهم تجاوز
الشعارات والمقولات العامة التي ترفعها هذه الجماعات والبحث في الأطر
والبرامج التي تطرحها لطبيعة الحكم وممارسة السلطة ومواجهة المشكلات
الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها المجتمعات العربية والإسلامية، فضلاً
عن تصورات هذه القوى والتيارات للعلاقة مع الغرب، ولطبيعة المتغيرات الدولية
الراهنة وكيفية التعامل معها.. إلخ.
وعلى أي حال فإن تصاعد أعمال العنف والعنف المضاد بين النظم الحاكمة
وبعض التيارات الإسلامية المتشددة في عدد من الأقطار العربية تثير مجموعة من
القضايا الهامة التي يجب أخذها بعين الاعتبار عند تحليل هذه الظاهرة، ومن هذه
القضايا على سبيل المثال:
1.
الوزن العددي
لجماعات العنف ضمن خريطة القوى الإسلامية في هذه الدولة أو تلك. فالملاحظ أن
جماعات العنف والانقلابات لا تعبر عن التيار الإسلامي العريض في الدول العربية، بل
هي جماعات محدودة، ولكنها ربما تكون في بعض الحالات هي الأعلى صوتًا بسبب استخدام
السلاح، وتثير هذه الملاحظة أكثر من تساؤل: ما هي الأسباب الحقيقية التي تدفع
جماعات معينة للتطرف والتشدد والعنف، وتدفع جماعات أخرى للاعتدال؟ وما هي أنماط
العلاقة بين الجماعات المتشددة وجماعات العنف والانقلاب والجماعات المعتدلة؟ وما
هي العوامل التي تشكل بيئة ملائمة لانتشار أفكار التطرف والعنف؟
2.
العلاقة بين
الإسلام والسياسة في الوطن العربي، فبعض النظم العربية ترفع شعار الفصل بين
الاثنين، رغم أن هذه النظم توظف الدين وبكثافة أحيانًا في خدمة أهداف سياسية. كما
أن قضية تطبيق الشريعة الإسلامية تعتبر من القضايا المثارة في العديد من البلاد
العربية، وهنا تبدو أهمية تحديد موقع الدين الإسلامي في البنية القانونية
والتشريعية لهذه الدول على نحو جلي وواضح.
3.
طبيعة العلاقة
بين التيارات الإسلامية والديمقراطية، فما هي طبيعة القوى الإسلامية التي تقبل أو
ترفض الديمقراطية كإطار سياسي؟ وما هي مبررات القبول والرفض؟ وما هي علاقة ذلك
بتصاعد بعض أعمال العنف من قبل بعض الجماعات؟ وما هي دلالات استيعاب التيارات
الإسلامية في إطار صيغة التعددية السياسية في بعض البلاد العربية كالأردن واليمن
والكويت؟
4.
الترويج لمقولة
"الإسلام هو العدو البديل" في الغرب، وعلاقة ذلك بتغذية نزعات العنف
والتشدد لدى بعض التيارات الإسلامية.
5.
طبيعة وحدود
الدور الإيراني في دعم ومساندة بعض الجماعات المتشددة التي تمارس العنف ضد بعض
النظم العربية.
6.
حدود التعاون
والتنسيق مع التنظيمات الإسلامية المختلفة، الغربية والعربية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل