العنوان العواصم الشرعية من القواصم التنظيمية
الكاتب د. فتحي يكن
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يناير-1997
مشاهدات 98
نشر في العدد 1235
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 21-يناير-1997
رأي
- القيادة الواعية ركيزة مهمة للتوازن الحركي والتربوي ومن واجباتها حسن الظن وعدم المباعدة بين أبناء الحركة
- النجاح والنصر من نعم التمكين الموجبة للشكر والدالة على استحقاق العطاء
بعد تفكير طويل في الأسباب التي تؤدي إلى تكاثر المشكلات والتداعيات والفتن والخلافات فضلًا عن الفشل وعدم التوفيق في نطاق الحركات الإسلامية، تبرز قضية أساسية كبرى يمكن أن تكون وراء كل ذلك ألا وهي «عدم الاحتكام إلى القواعد الشرعية والسنن الإلهية» وبالتالي التسليم بها والنزول عندها على مستوى القيادة، وعلى مستوى القاعدة امتثالًا لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب: 36).
وقد يقول قائل: إن أمورًا كثيرة من قضايا العمل ومفرداته لا تقع بالضرورة ضمن دائرة النظر الشرعي، فهي ليست من أُصول الدين، بل من فروعه وهي ليست من الغايات والأهداف التي جاءت بها الشريعة وإنما هي من الوسائل.
قد يكون هذا صحيحًا، إنما غير الصحيح أيضًا القول بعدم وجوب خضوع هذه الفروع والوسائل والمفردات لمقتضيات الشريعة، تحقيقًا لاستنباط الأحكام التي تسددها وتُرشدها.
إن وجوب التقيد بالاحتكام إلى الشريعة في كل صغيرة وكبيرة في الفروع والأصول، في الخصوصيات والكليات في الوسائل والأهداف. يتوافق مع شمولية المنهج الإسلامي لكل جوانب الحياة، وتُدخله في كل شارِدة وواردة، تحقيقًا للامتثال المطلق لأمر الله، والذي تشير إليه الآية الكريمة: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (الشورى: 10).
إن وضع تعبير - شيء - في دائرة الاحتكام إلى الله لا يفهم منه إلا الإطلاق والتعميم والشمول الذي يطال الوسيلة والغاية والمنهجية والآلية.
أما التعبير القرآني في الآية الكريمة ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (الحجرات: 9). فإنه يؤكد على وجوب فض كل ما يختلف عليه إلى الله من خلال الحكم المبني على الدليل الشرعي الأقوى، وليس من خلال التصويت غير المبني على الإجتهاد الشرعي ابتداء..
وفي هذا الإطار أود أن أنقل ما كتبه الدكتور حمدي شعيب في مجلة المجتمع الكويتية العدد ۱۲۰۹- ربيع الأول ١٤١٧هـ - 23/7/2024م. تحت عنوان «القيادة.. والمختلفون» ما يؤيد هذا التصور، حيث يشير إلى دور القيادة الواعية والتي تُعتبر الركيزة الأهم، والميزان الذي بصلاحه ينتظم المجموع، ويكون التوازن الحركي والتربوي.. بين تعميق الأصول وتوضيح الفروع، وبين المحافظة على الثوابت والمفاضلة بين المتغيرات. ويحكمها يتم التوفيق بين الأطراف والفئات، فتتجمع حولها ومعها، ويدور الجميع مع الحق حيث دار.
ثم يُتابع فيقول: ولنتأمل مغزىَ تِلك التوجيهات التي تَبني القيادة الربانية، ثم الصف من بعدها:
١- القيادة دومًا حاجة إلى تطور وتربية وهذا ما نلمحه من تكرار قوله سبحانه للحبيب صلى الله عليه وسلم: «قل» في حركة توجيهية دائمة.
٢- الربانية: وهو رد كل شيء إليه سبحانه، وهذا ما نلمحه في قوله سبحانه: ﴿قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ وهو توجيه للرسول صلى الله عليه وسلم إلى إرجاع قضية عدد هؤلاء الفتية إلى الله سبحانه.
٣- المحافظة على الطاقة العقلية، وعلى الوقت وهذا ما نلمحه من قوله
سبحانه «فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرًا»، فإن كان التوجيه خاصًا بقضية الفتية، فالفائدة - كما يقولون - بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهو ترك الجدل في قضايا غيب الماضي وفي كل ما لا طائل وراءه في أي قضية.
٤- العدل: وهو ضد الجور، وهو يبرز في قوله سبحانه: «ولا تستفت فيهم منهم أحدًا» أي لا تستفت أحدًا المتجادلين في شأن الفتية وعددهم، فالقائد يكون دومًا عادلًا، لا يميل لفريق دون أخر، أو لشخص دون آخر فيدور مع الحق ويحدوه شرع الله.
٥- الالتزام بأدب وشرعية التخطيط أو شرعية النظرة الاستشرافية: وهو المعروف في عصرنا بعلم المستقبليات والذي يجب أن يكون منضبطًا بالشرع، وهو ما تستشعره النفس من توجيهه سبحانه «ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدًا» أي يجب أن يكون علم غيب المستقبل مرتبطًا بالاستثناء وهو قول: «إن شاء الله» فالفاعلية الفردية والمشيئة البشرية دائرة داخل المشيئة الإلهية، وإذا نسي العبد هذا التوجيه فليذكر ربه وليرجع إليه وقيل إذا نسي الاستثناء، فليذكره فيما بعد، وإذا سئل العبد عن شيء في المستقبل، فليدعوه سبحانه ليوفقه لما هو أصوب أو أقرب لذلك، وتدبر هذا التوجيه والعتاب للحبيب صلى الله عليه وسلم بعد أن سئل عن أصحاب الكهف فقال: غدًا أجيبكم ولم يستثن فتأخر الوحي عنه خمس عشرة ليلة.
٦- المرجعية الأولى ومصدر التلقي هو كتاب الله -عز وجل- وهذا ما تلمحه من هذا الخبر الصادق الذي يأتي في وقته وفي دوره: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: 25-26) وهكذا وببساطة يأتي الحق من مصدره من كتابه سبحانه الذي يكون فيه فصل الخطاب في قضية الفتية بل وفي كل قضية. فقد لبثوا ثلاثمائة سنة شمسية أو ثلاثمائة وتسع بحساب السنة القمرية ويختم هذا الخبر الصادق بأن علم الغيب عند مالك الملك سبحانه لا شريك له في ملكه.
٧- الاعتصام بكتاب الله -عز وجل-: وهو ما يبرزه توجيهه : ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ (الكهف:27)، وهو توجيه إلى تلاوة كتابه سبحانه فهو الحق وفيه فصل الخطاب، وهو الأساس المتين للتربية الإيمانية.
٨- وزن الناس والأشياء بميزان السماء: كما يبدو في هذا التوجيه الرباني ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (الكهف:28)، وهو توجيه للحبيب الله ان يصبر نفسه مع الذين يتجهون إلى الله، وأن يغفل ويهمل الذين يغفلون عن ذكر الله.
٩- لا مجاملة على حساب العقيدة فالحق لا يُنثَني ولا يُنّحني، فمن شاء قَبله، ومن شاء رفضه ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (الكهف: 29)، والداعية يعرض فكرته كاملة غير منقوصة، مراعيًا ظروف الوقت وأحوال الناس ثم يضع الناس على الخيار ولا يطلب ثمرًا لم يحن قطافه، وليشعر أن فكرته سامية، وأن دعوته عزيزة.
أمثلة ونماذج
مثال رقم (۱): بالشكر تدوم النعم
عندما ننجح في مهمة، وننتصر في معركة، فهذا يعني أن الله قد أنعم علينا «بنعمة التمكين»، والواجب حيال ذلك أن نؤدي الشكر على هذه النعمة حتى لا نكون جاحدين لأنعم الله، وحتى نكون مستحقين لهذا العطاء، وطمعًا بمزيد منه مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (إبراهيم: 7).
والشكر على نعمة التمكين يكون بمضاعفة العمل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإقبال على الله امتثالًا لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج: 41).
فإذا لم يتحقق هذا، بل وتحقق عكسه فتراجع العمل، وفُتِرت الهِمة، وتعطلت لدينا عملية الحسبة تكون النتيجة ضياع هذه النعمة التي لا نحافظ عليها وفق القواعد المطلوبة والسُنن الإلهية، وفي الأمثال: «وبالشكر تدوم النعم».
مثال رقم (۲): المقتضيات الشرعية كفيلة بمعالجة الخلل
عندما تتفشى في مجموعة بعض الانحرافات الشرعية، والآفات المسلكية، تكون المقتضيات الشرعية المسارعة إلى معالجتها حتى لا يستفحل أمرها، ويتعاظم خطرها كالغيبة والنميمة والغل، والانحرافات المالية والمسلكية وغيرها.
فيتوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما يتوجب النصح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، امتثالًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان».
فإذا لم يتحقق كل ذلك، تكون النتيجة غير مرضية حيث تحل النقمة وتزول النعمة، وتنزل اللعنة، والتي طالت بني إسرائيل بسبب ذلك وغيره كما تشير الآية الكريمة: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة: 78-79).
مثال رقم (۳): فتور الهمة
وعندما تتعطل التربية، ويتوقف التذكير، تجفو القلوب، وتَجف المآقي والعيون، وتغلظ النفوس ولا ترق ولا تلين.. تكون مقتضيات الشرع المسارعة إلى إزالة «الران»، والصدأ عن القلوب التي طال عليها الأمد فقست امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الذاريات: 55)، ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى﴾ (الأعلى:10).
وعندما لا يتحقق ذلك يستفحل المرض، وتذهب الشفافية، وينعدم الإحساس بالذنب وتفتر الهمة عن الطاعات والعبادات، ويحل محلها الإقبال على الدنيا، وتلمس الأعذار والمبررات وصدق الله تعالى حيث يقول: ﴿كَلَّا ۖ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (المطففين:14).
مثال رقم (٤): تحريك عجلة العمل
وعندما لا يكون الفهم قد وصل إلى مستوى الإدراك بأن التكليف الدعوي إنما هو تكليف رباني ومسؤولية فردية، وإن الواجب الشرعي يقتضي القيام بهذا الواجب -كائنًا ما كانت الظروف والأحوال، وسواء وجد تنظيم يذكر بذلك أم لم يوجد وسواء كان التنظيم في حالة عسر أم يسر، إقبال أم إدبار، انتصار أم هزيمة.
عندما لا صلى الله عليه وسلم يتحقق ذلك، يحل محله الفتور والإحباط واليأس، علمًا بأن مقتضيات الشرع تفترض حصول العكس، ليرفع الله البلاء والنقمة ويتنزل بالرضى والرحمة، يعود المسار إلى سابقة انطلاقه وتتحرك عجلة العمل ويتضاعف مستوى الإنتاج وصدق الشاعر؛ حيث يقول:
فإن كُنتَ في نِعمةٍ فارعَها *** فإن الذنوب تُزيل النِعَم.
مثال رقم (٥): إنصاف المظلوم وردع الظالم واجب شرعي
وعندما تقع ظلامات بين الأفراد، ولا تسارع القيادة لوقف ذلك، ولتحقيق العدالة وإنصاف المظلوم وردع الظالم.. وهو واجبٌ شرعي، أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، فقال رجل: يا رسول الله انصره إذا كان بين أبناء الحركة مظلومًا، أرأيت إن كان ظالمًا كيف أنصره، قال: تحجزه- أو تمنعه - عن الظلم، فإن ذلك نصره» (رواه البخاري).
فعندما لا يتحقق ذلك، يحل الصراع والخلاف، وينشط الشيطان بإيقاد نار الضغينة والحقد والحسد والغِل فتقع الفتنة وتنزل المحنة، وما المحنة التي حلَت بيوسف وإخوته إلا صورة مجسمة، ووسيلة من وسائل الإيضاح للاتعاظ والاعتبار: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف:111).
من هنا وجب على القيادة لدى وقوع ظلم ما أن تبادر إلى الأخذ على يد الظالم حتى لا يتمادى في ظلمه، كما وجب عليها أن تعدل وتنصف فلا تشتد على ضعيف، وتلين مع قوي، ولتكن قدوتها في ذلك الخطاب القيادي الراشد: «الضعيف فيكم عندي قوي حتى أخذ له الحق والقوي فيكم عندي ضعيف حتى أخذ منه الحق».
مثال رقم (٦) الوعيد التنظيمي وردة الفعل السلبية
وعندما يقع أحد الأفراد في معصية تنظيمية، وجب الإسراع في تذكيره، بكل ما يفتح نفسه للقبول والانفعال والتجاوب وليس بما يزيده تمردًا وإصرارًا.
إن الدخول إلى قلوب الآخرين وعقولهم يحتاج إلى حسن انتقاء «المفتاح» الذي يَفتحُ ولا يُغلق ويحبب ولا ينفر، والذي فيه ترهيب من الله وتذكير بالله، دون أن يحمل التهديد والوعيد التنظيمي الذي به وحده تكون ردة الفعل سلبية: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الفتح: 29).
وقول الله : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران:159).
ومن ثوابت الإمام الشهيد حسن البنا الله عنه - في إطار معالجة هكذا مشكلات، يقول: «عندما يتورط خوان في معارضة القيادة، وخروج على الأصول المُتَبعَة بدافع من الإخلاص وحُسنِ القصد ولكنهم يخطئون الطريق، فإن واجب القيادة حسن الظن بهم وتقدير سابقتهم في الدعوة، وخدمتهم إياها وتضحيتهم في سبيلها، فتحرص على أخوتُهم وسلامة نفوسهم ولا تؤاخذهم بقسوة، أو تعاجلهم العقوبة أو تُباعد بينهم وبين إخوانهم بإقصاء أو فصل، وإنما تحاول معالجة الأمر بالتي هي خير، فإن عادوا إلى الجادة فيها ونعمت، وإن أبوا إلا التمرد فإن القيادة لا بد وأن تفصلهم المذكرات (115:119).
مثال رقم (۷): المصاب بداء العُجـب والمبتلى بالغرور وحب العظمة
وقد يحدث أن يُصاب فرد بالعُجب، ويُبتلى بالغرور وحب العظمة، ونفخة الكبرياء التي طالما استعاذ منها سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم وتكون بداية هذا الداء تعامله مع «القيادة» كأقران وأمثال وعلى قاعدة «نحن رجال وهم رجال».
وقد يكون المعنى نشيطًا في دائرة العمل السياسي، متراجعًا في المجال التربوي، ومنقطعًا عن النشاط الدعوي.. مما يعطل لديه «الضوابط الشرعية» ويضعف «المكابح المسلكية».
وما لم تتحقق مكاشفة القيادة له ومتابعتها إياه بما يلزم من نصح وتذكير، فستكون العاقبة وخيمة عليه وعليها، وعلى المؤسسة التي ينتميان إليها.
- يقول الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله:
«لا ينفع في بناء الجماعة إلا من بنته القيادة بنفسها، أو بجهود الإخوان الذين يرون القيادة معهم شركة في التهذيب والتعليم، ولهذا كل فرع أنشئ بغير أسلوب القيادة لا ينفع كثيرًا» (المذكرات:131).
ويقول أيضًا: «الأخ الذي له أساليب خاصة به، وينظر إلى القيادة نظرة أقران» ولا يُصغى لآرائها إلا قليلًا.. فإن الاعتماد عليه مخاطرة مهما بلغ من الصلاح، لأنه حينئذ يغري الجماعة بصلاحه ويفرقها بخلافه (المذكرات: 94).
مثال رقم (۸): ضرورة التلاحم
وقد تكون جماعة ما في مواجهة معركة سياسية أو عسكرية، أو ما أشبه ذلك.. والمقتضى الشرعي في هذه الحالة أن تكون على جانب كبير من الإيمان بالله والاعتصام بحبله، وعلى تلاحم شديد ومحبة في الله صادقة، فيما بينها، امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: 103).
أما عندما تخوض المعركة وهي «مفككة العرى» ضعيفة الإيمان تنخرها الأمراض والانحرافات الشرعية والمسلكية، فسيكون مصيرها الفشل والخذلان لا محالة.
يقول الإمام البنا رحمه الله: «وإنها - أي الحركة - إن استخدمت الساعد والسلاح وهي مفككة الأوصال، مضطربة النظام، ضعيفة العقيدة خامدة الإيمان... فسيكون مصيرها الفناء والهلاك» (مجموعة الرسائل:134).
ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله: «فالمعركة الحربية في الحركة الإسلامية ليست معركة أسلحة وخيل ورجال وعدة وعتاد وتدبير حربي فحسب، فهذه المعركة الجزئية ليست منعزلة عن المعركة الكبرى في عالم الضمير وعالم التنظيم الاجتماعي للجماعة المسلمة.. إنها ذات ارتباط وثيق بصفاء ذلك الضمير، وخلوصه وتجرده، وتحرره من الأوهاق والقيود التي تطمس على شفافيته وتقعد به دون الفرار إلى الله وكذلك هي ذات ارتباط وثيق بالأوضاع التنظيمية التي تقوم عليها حياة الجماعة المسلمة، وفق منهج الله القويم المنهج الذي يقوم على الشورى في الحياة كلها – لا في نظام الحكم وحده».
ويقول في موضع آخر:
فالنفس لا تنتصر في المعركة إلا حين تنتصر في المعارك الشعورية والأخلاقية والنظامية، والذين تولوا يوم التقى الجمعان في «أحد»، إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا من الذنوب، والذين انتصروا في معارك العقيدة وراء أنبيائهم هم الذين بدؤوا المعركة بالاستغفار من الذنوب والالتجاء إلى الله، والالتصاق بركنه الركين والتطهر من الذنوب والالتصاق بالله، والرجوع إلى كنفه من عدة النصر وليست بمعزل عن الميدان.
هذه الأمثلة على سبيل الإيضاح لا الحصر، على أمل أن تراجع الحركات الإسلامية سياساتها ومنهجياتها المعتمدة في دوائر القرار التنظيمي لتكون مبنية على الرؤية الشرعية العاصمة من كل هوى وانحراف وامتثالًا لوصيته صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم شيئين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنتي».