; العولمة وإعادة صياغة العالم | مجلة المجتمع

العنوان العولمة وإعادة صياغة العالم

الكاتب مصطفي محمد الطحان

تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1998

مشاهدات 76

نشر في العدد 1307

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 07-يوليو-1998

* العالم في نظر الشركات العملاقة لعبة كبيرة من ألعاب الكمبيوتر، والذكي عندهم لا يضيع أمواله في عمليات الإنتاج، بل يضاعف أمواله من خلال المضاربة في سوق الأموال والأسهم

برز مصطلح العولمة مؤخرًا على الساحة السياسية والاقتصادية ولا تكاد تخلو من الحديث عنه مجلة أو صحيفة... تعقد حوله المؤتمرات ويتبارى في شرحه الكتاب والعلماء.... وككل جديد تختلف في تحديده النظريات... أكثر التحديدات المفهوم العولمة أن الرأسمالية الغربية الكبرى التي يلتقي رؤساؤها من «الولايات المتحدة اليابان ألمانيا إنجلترا، فرنسا، كندا إيطاليا» مرة في السنة، ويوصف لقاؤهم بمجلس إدارة اقتصاد العالم هذه الرأسمالية تخطط للهيمنة على العالم عن طريق:

* منظمات عالمية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، ونادي باريس والمنتدى الاقتصادي العالمي، ومجلس العلاقات الخارجية وهي المؤسسات التي قامت أساسًا المعالجة التفاوت بين الشمال والجنوب فتحولت إلى مؤسسات تمتص دماء الجنوب لتحصيل ديون الشمال مع الفوائد الرهيبة التي ترتبت على تلك الديون.

* قوانين دولية يتم تشريعها بواسطة هؤلاء الكبار، ويفرضون تنفيذها على العالم ...مثل مشروع قانون دولي للاستثمار الأجنبي تعده منظمة التجارة العالمية، ومشروع قانون دولي للعمل، ومشروع إيجاد هيئة للتحكيم في المنازعات المتعلقة بتنفيذ اتفاق الغات والتي تتألف من جهاز قضائي وشرطة ومشروع لجان فحص الأداء والتزام أحكامها.

* الشركات الكبرى متعددة الجنسيات التي تسيطر على تدفقات رؤوس الأموال والاستثمارات والإعلام والمعلومات كما يمتد تأثيرها إلى المزيد من وظائف الدولة السياسية مثل القضاء والشرطة وإصدار النقود وعليه فإن أهم ملامح العولة هي 

1- الأمركة وتعني: سيطرة الرأسمالية الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة على شؤون العالم:

- في الاقتصاد عن طريق الشركات العملاقة المتعددة الجنسيات والقوانين التي يتم فرضها على دول العالم. 

- وفي تثبيت القيم الثقافية الأمريكية من خلال هيمنة السينما، وسيطرة الإعلام والمعلومات والاتصالات، وبث الصور والأفلام والكمبيوتر والإنترنت ومن خلال الأقمار الصناعية التي تتحكم بالفضاء.

- وفي فرض القيم السياسية والاجتماعية الأمريكية مثل التحرر من قيود الدولة القومية والتطلع إلى آفاق العالمية بكل ما يتضمنه ذلك من حقوق الإنسان كما يفهمها الأمريكان وديمقراطية السوق حسب مفهومهم ومحاربة القيم الوطنية والعرقية والإرهاب بناء على تحديداتهم

- وباختصار تحويل العالم إلى مجتمع عالمي تسوده قيم ومبادئ موحدة حتى يتشابه الجميع في المطاعم «ماكدونالد» والمشارب «الكوكا والبيبسي» والأسواق والفنادق والملابس «الجينز» والذوق والأخلاق على حساب الهوية الوطنية والتنوع الثقافي والتعدد الحضاري للشعوب يتم هذا بالحسنى مع من يستسلم ويفرض بالقوة على من يتمرد...

يقول المفكر الأمريكي اليهودي نعوم تشومسكي: إن النظام الأمريكي يجب أن يكون سائدًا، إن أي شيء أقل من ذلك لا يعتبر مقبولًا. ولا يمكن التسامح مع أي تحد!! وبخاصة من قوى الشر العالمية مثل القوميين والشعوبيين والأصولية الإسلامية والإرهاب والخصومات العرقية.

إن هذه السيطرة الثقافية تتجاوز مفهوم الغزو الثقافي إلى تفكيك ما تبقى من أطر ثقافية للمجتمعات التي تحاول الحفاظ على خصوصيتها.

2- هيمنة الشركات العملاقة:

يقول الاقتصادي توني كلارك إن المستفيدين من العولمة هم أصحاب الشركات الضخمة، فهناك٤٧% من اقتصاد العالم تسيطر عليه الشركات الكبرى و٧٥% من التجارة العالمية تسيطر عليها شركة كبيرة ١٥٣ شركة في أمريكا و١٥٥ شركة في أوروبا و١٤١ شركة في اليابان، وأن فقط من الشركات متعددة الجنسيات يمتلك٥٠% من أسهم الاستثمارات الأجنبية في العالم.

إن العالم في نظر هذه المؤسسات لعبة كبيرة من ألعاب الكمبيوتر، والذكي عندهم لا يضيع أمواله في عمليات إنتاج حقيقية بل يعمل على مضاعفة أمواله من خلال المضاربة في سوق الأموال والأسهم والحصول على أرباح طائلة من خلال التغييرات في أسعار الأسهم والعملات وخلال فترات زمنية قد تقاس بالدقائق.

ويقدر الخبراء أنه مقابل كل دولار يستثمر في ٢٠ دولارًا يتم مجالات الإنتاج الحقيقية هناك. تداولها في عالم الأسهم.

معظم هذه الشركات العملاقة نشأ عن عمليات اندماج لم يشهد تاريخ الاقتصاد العالمي مثيلًا لها. لا يحدد ضخامة هذه الشركات رأس المال أو حجم الإنتاج بل حجم الإيرادات.. جنرال موتورز الأولى في قائمة هذه الشركات التي تفوق إيراداتها ١٦٨ بليون دولار شركة ABB التي نشأت عن دمج شركتين ضخمتين إحداهما سويدية والأخرى سويسرية استثمرت فور تكوينها عام ١٩٨١م أكثر من ٣.٥ بلايين دولار لشراء ودمج ٦٠ شركة أخرى حول العالم تسيطر ABB حاليًا على ١٣٠ شركة في بلدان العالم الثالث و٤١ شركة في أوروبا. وتعمل كل شركة تابعة لها في سوق الدولة التي استقرت بها كشركة محلية منها تحصل على ما أمكن من احتياجاتها من التمويل والخدمات وفي داخل أسواقها المحلية تنافس إنتاج غيرها من الشركات المحلية الأخرى.

ومن القواعد في مثل هذه الشركات العملاقة إلزام كل شركة تابعة أن توفر محليًّا أقصى ما يمكن من التمويل ويتم ذلك بأشكال متعددة منها المشروعات المشتركة، وطرح الأسهم في السوق المحلية والاقتراض من الجهاز المصرفي المحلي، والاقتراض المباشر من الجمهور عن طريق إصدار سندات بالعملة المحلية.

وعليه فإن النظرة لهذه الشركات المتعددة الجنسيات على أنها تستثمر أموالها في بلدان العالم الثالث نظرة خاطئة، فهي تمتص الأموال من البلدان التي تعمل بها.. ولا بأس أن تعلم أن مصر وحدها تستثمر ۱۰۰ بليون دولار في مثل هذه الشركات.

3- هيمنة القوانين العالمية:

هذه القوانين التي بدأت تسنها الرأسمالية العالمية في الإحكام السيطرة على العالم والمأخذ مثالًا الشروط التي يتعامل بها البنك الدولي مع الدول المعسرة في القروض التي يقدمها لها...

أولا: إزالة الضرائب الجمركية التي وضعت أساسًا لحماية الاقتصاد المحلي.

ثانيا: إلغاء القوانين التي تتحكم بالاستثمارات الأجنبية.

ثالثًا: رفض سيطرة الحكومات على الأسعار أو الأجور.

رابعًا: خفض الإنفاق على الخدمات الصحية والاجتماعية «دعم السلع لصالح الفقراء».

خامسًا: خصخصة المؤسسات العامة وخاصة تلك التي تقدم خدمات للفقراء.

سادسًا: تعويم العملات مما يسهل التلاعب في أسعارها.

سابعًا: إلغاء برامج «إيجاد البدائل المحلية» للصناعات الأجنبية.

وهذه الشروط هي أولى الشروط لمن ينضم إلى منظمة التجارة العالمية وهي استعمار يفوق كل استعمار عرفته البشرية «العولمة، د. حاجم الحسني دار السلام – فبراير ۱۹۹۸م».

ومن هذا المنطلق رفضت ماليزيا وإندونيسيا شروط البنك الدولي التي تقدم بها لعلاج الأزمة التي تمر بها دول نمور آسيا.. وقال مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا إن هذه الشروط هي أسوأ من كل أنواع الاستعمار وقد لعبت المؤسسات العالمية مثل البنك الدولي ومؤسسة النقد الدولي في الهند وجنوب أمريكا وأفريقيا دورًا كبيرًا في تدمير حياة البشر ووسائل كسبهم وحولت ملايين الفلاحين والعمال إلى لاجئين.

4- الإعلام المهيمن على الحقائق:

تزين المؤسسات الإعلامية التي تدور في فلك الشركات الكبرى المصائب التي تحل بالبلدان والشعوب وتظهر المسبب لها منقذًا ومخلصًا.

وسائل الإعلام تقول: إن أمريكا أنقذت المكسيك والحقيقة أنها أنقذت المستثمرين الأمريكان في وول ستريت الذين يستثمرون أموالهم في المكسيك وعندما تتحدث عن إضراب العمال في أوروبا تتجاهل آثار اتفاقية ماستريخت وتوحيد العملة الأوروبية أو العولمة ... وعندما يتحدث الإعلام عن هجرة العمال يتناسى أن الشركات الكبرى لم تترك لهم أية فرصة للعمل.

وسائل الإعلام تتحدث عن قلة الغذاء أمام تزايد السكان ولم تتحدث مرة واحدة عن شركة كاركيل التي تحتكر الغذاء العالمي وتصدره آلاف الأميال لتناوله مجموعة من البشر مصابون بالتخمة في حين يتضور سكان البلد المنتج من الجوع.

التقدم التكنولوجي الذي تتحدث عنه وسائل الإعلام من المستفيد منه .. إنهم شرذمة من رجال الأعمال في نيويورك وجنيف ولندن يسيطرون على مقدرات العالم.. بينما الشعوب لم تزدد إلا بؤسًا «ويكفي أن تعلم أن ٦٥% من الإعلام العالمي تتحكم به أمریکا»

لم تتحدث بالطبع وسائل الإعلام هذه عن دور البنك الدولي والشركات المتعددة الجنسيات في تدمير اقتصاد نمور آسيا لإعادتهم إلى بيت الطاعة وإفقارهم ليكونوا عبرة لكل من تسول له نفسه أن ينافس السادة.

5- الأسواق المفتوحة:

تعتمد العولمة على السلطة المتحكمة والشركات العملاقة والقوانين المهيمنة والإعلام الذي يزين العولمة... والأسواق المفتوحة التي لا تحدها حدود على حساب الأسواق المحلية، وقوانين الحماية الجمركية، وحقوق العمال. 

تعتمد الأسواق المفتوحة على التقليل إلى حد كبير من تكاليف الإنتاج على حساب اليد العاملة والعمال لقد سرحت الشركات الخمسمائة الكبرى٥ ملايين عامل خلال الفترة ۱۹۸۰-۱۹۹٥م ولكنها في الوقت نفسه شهدت زيادة في مبيعاتها تجاوزت %١٥٠ وزادت ممتلكاتها (٢٥٠) مرة وزاد دخل رؤسائها أكثر من ثمانية أضعاف.

وتدعي الأسواق المفتوحة أحقيتها بالمواد الخام «وخاصة الاستراتيجية منها» وتستخدم القوة «إذا لزم الأمر» للحصول عليها، وطالما صرحت أمريكا أن نفط الخليج يوازي أمنها القومي.

تطالب العولمة بالحرية في انسياب رؤوس الأموال والسلع والمواد الإعلامية والثقافية والترفيهية ولكنها يضيق صدرها أمام حرية انتقال العمال فهي تضع التشريعات التي تحد من انتقال الأيدي العاملة من مكان لآخر.

6- من التوازن إلى التفرد: 

يتجه مشروع العولة كما يريده صانعوه من دوائر سياسية وشركات متعددة الجنسية واحتكارات إعلامية وفضائية وثقافية إلى تجاهل القواعد الدولية التي استقر عليها العالم بعد الحربين الأولى والثانية.

لقد أمنت هذه القواعد الدولية نوعًا من التوازن في القوى، أعطى بلدان العالم الثالث مزيدًا من فرص الاستفادة من المساعدات الاقتصادية والثقافية أما العولمة فإنها تنسف ذلك كله وتؤكد سلطة القطب الواحد ولا توجد فروقات كبيرة بين النازية التي حكمت على الضعيف بالموت، وبين العولمة الجديدة التي تشترط إيقاف دعم السلع التي يستفيد منها نور الدخول البسيطة والتوقف عن تقديم القروض الدول العالم الثالث بقصد التنمية ولقد أعلن كلينتون في زيارته الأخيرة لجنوب إفريقيا.. أنه يريد تأسيس شراكة مع إفريقيا؛ شراكة تعتمد على التجارة وليس على تقديم القروض ولقد استغرب مانديلا حكيم إفريقيا هذا الطرح واعتبره ضارًا بالمصالح الإفريقية.

بين الفشل السابق والحذر اللاحق:

وإذا كانت نظرية التجارة الحرة قد أثبتت فشلها في العقود الماضية، وحملت المسؤولية عن الكوارث الاقتصادية والسياسية وعن الانحلال الاجتماعي للمجتمعات الغربية وكان من نتائجها هذا الازدياد الهائل والبشع في معدلات الفقر وتشريد الملايين من البشر، وتلوث المياه والتربة والهواء. إلا أن أصحاب هذه النظرية يقولون إن سبب الفشل إنما هو تطبيقها على نطاق محدود ولكنها إذا طبقت على نطاق العالم فإنها ستنجح حتمًا إنها حتمية مشكوك فيها حذرت منها الفايننشال تايمز وحذرت من انقلاب السحر على الساحر وتساءلت أليس بإمكان الكثيرين الحصول على أجزاء من أسلحة الدمار الشامل من الأسواق المفتوحة؟ 

أما الفيلسوف الاقتصادي الألماني وولف جانج ساجس فله رأي آخر يقول إن أسوأ ما يمكن حصوله هو أن تنجح مساعي العولة، لأن المستفيد منها أقلية صغيرة محاطة بمجموعة متعلقة لها علاقات اقتصادية مع هذه الأقلية أما بقية البشر فليس لهم إلا أن يتشاحنوا ويتقاتلوا فليست العولمة ناديًا تأهيليًّا للجميع يمكن أن يدخله الغني للبحث عن فرص الاستقواء ويدخله الفقير للبحث عن فرصة غنى بل ناديًا يدخله الأغنياء والأقوياء ولا يدخله سواهم.

خلال العقود الماضية زادت الفروق في الدخول والملكية بشكل كبير بين الأغنياء والفقراء ففي أمريكا «مثلًا» نجد أن1% من السكان يملكون٤٠% من ثروات البلاد، ويصل معدل دخل العائلة في هذا القطاع إلى ٢.٣ مليون دولار، كما أن ٢٠ من العوائل التي تشكل القطاع العلوي يملكون ٨٠ % من ثروات البلاد ولسوف تتفاقم المشكلة عندما تقدم الحكومة الأمريكية على قطع أو تقليل المعونات الاجتماعية القدمة للفقراء فهل تنجح العولمة في إعادة صياغة العالم؟

وهل يسلم العالم بقيادة أمريكا... زعيمًا وحيدًا ..؟

وهل تقبل الدول الأخرى التنازل عن ثقافتها وهويتها ...؟

وإذا حدث ذلك عنوة فإلى متى سيستمر؟

مجموعة من الأسئلة سنجيب عنها لاحقًا.

(*) الأمين العام لاتحاد المنظمات الطلابية

الرابط المختصر :