; الغارة على المعالم الكبرى للوحدة النفسية عند المسلمين | مجلة المجتمع

العنوان الغارة على المعالم الكبرى للوحدة النفسية عند المسلمين

الكاتب أحمد الجدع

تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-1978

مشاهدات 70

نشر في العدد 422

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 05-ديسمبر-1978

• مؤامرات الكفر على القرآن الكريم والأعياد الإسلامية هي الطريق إلى تحطيم الوحدة النفسية في العالم الإسلامي

صور مختلفة للغارة على كتاب الله

• القرآن الكريم أهم عوامل الوحدة النفسية بين المسلمين

• ماذا بعد جهود الصليبية واليهودية والوثنية في القضاء على الوحدة الشكلية عند المسلمين

‏ «العقيدة»‏ هي أعظم عوامل الوحدة في رأينا، فبالعقيدة امتدت وحدة المسلمين سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا ثلاثة عشر قرنًا، لم تخب مظاهر الوحدة الشكلية والنفسية في أمة الإسلام طيلة هذه القرون الممتدة، على الرغم من المحاولات الدائبة التي بذلها أعداء الإسلام لهدم هذه الوحدة شكليًا ونفسيًا، وقد استطاعت الدول النصرانية مجتمعة،‏ وبمساعدة من اليهودية والوثنية، أن تقضي على الوحدة الشكلية بين المسلمين،‏ وقضت على المسلمين أن يعيشوا دويلات متفرقة، وحالت وتحول دون اتحادها مرة أخري.

‏ويدرك أعداء الإسلام أن القضاء على الوحدة الشكلية لا يقضي على الوحدة النفسية التي أرسى الإسلام جذورها في كيان المسلمين، فهم يحاولون بصبر وأناه ودأب لا يهدأ أن يزلزلوا هذه الجذور لعل الوحدة الإسلامية النفسية تذوب لدى المسلمين، فينام هؤلاء الأعداء ملء جفونهم.

والقرآن الكريم أهم العوامل النفسية للوحدة، فالمسلمون أينما وجدوا يؤمنون بكتاب واحد، يعكفون على تلاوته وتدارسه ليل نهار وإن اختلفت التلاوة والدراسة من شخص لشخص وبين عصر وعصر، ولكنها تبقى تلاوة ودراسة متوجهة نحو كتاب الله الواحد الذي ارتضاه دستورًا للعالمين إلى يوم الدين.

وقد تجلت حرب الأعداء للقرآن الكريم بصور مختلفة فهم يحاولون تزوير بعض آياته، ويدسون ذلك في طبعات مختلفة بين فتره وأخرى، ولكن يقظة المسلمين نحو كتابهم العظيم تكتشف دائمًا هذه المحاولات وتقضي عليها، بالإضافة إلى أن غفلة الأعداء عن حكمة الله في تكفله بحفظ القرآن الكريم، وكفرهم بها، تجعلهم لا يكفون عن محاولاتهم،‏ وهم بالإضافة إلى محاولات التزوير يدفعون بعض أجرائهم للقول في القرآن بآراء تخالف ما اتفق عليه العلماء المخلصون، وتخالف أصول اللغة العربية ولا تحتمله تأويلاتها فيخرجون علينا بتفسيرات ينكرها المفسرون الأولون و العلماء اللاحقون ممن أخلصوا دينهم، كما ينكرها عليهم الحس الإسلامي الذي ما زال حيًا لدى عامة المسلمين،‏ وهم يحاولون أن يعيبوا بعض الأحكام التي جاء بها القرآن زاعمين بأنها لا تناسب العصر ولا توافق هواه، يستلون بآرائهم هذه أفراد من ضعفة المسلمين فينزلقون إلى العيب على هذه الأحكام والمطالبة بتحديثها، ولا يعني التحديث عندهم إلا اتباع أحكام التوراة المزيفة، وقوانين الإنجيل المحرفة.

ومن عجب أن الغرب وأهله قد ضاقوا بأحكام التوراة والإنجيل، وسعوا إلى تغييرها وتبديلها، ولم يجدوا حلًا لمشاكلهم سوى اللجوء إلى أحكام القرآن، فهم قد أباحوا الطلاق في معظم البلدان الغربية، ويعيبونه علينا، وهم يشكون ويصرخون ويضجون من الأثار المهلكة للخمر والمخدرات في مجتمعاتهم، وينادون بتحريمها، وفي نفس الوقت يعملون جاهدين على نشرها بين المسلمين... والأمثلة أكثر من أن تحصي، وبالإشارة السابقة إلى بعضها ما يغني عن سردها..

ويتبعون في حربهم هذه على القرآن الكريم أساليب بعيدة المدى، وهي إن غابت عن بسطاء المسلمين فهي لا تغبب عن فطنة المخلصين، مثال هذه الأساليب حربهم للغة العربية، لغة الإسلام، وتشجيعهم للهجات المحلية العامية، وبعثهم للغات الميتة، بالإضافة إلى ضيقهم بالحروف العربية وسعيهم لإلغائها والاستعاضة عنها بحروفها اللاتينية، وقد أفلحوا في هذا الجانب في كل من تركيا والصومال، ولكنه فلاح مؤقت بإذن الله، نقول بأنه مؤقت ثقة منا بأصالة الشعبين التركي والصومالي، ويقينا بعمق الجذور الإسلامية الضاربة في أصول الشعبين، ويؤكد هذا كله أن هذه الردة عن حروف القرآن كان مبعثها أولياء الثالوث النصراني اليهودي الوثنى، وأن هذه الردة سوف تجد لها أبا بكر جديد في أمتنا يجتثها ويعيد للمسيرة الإسلامية انطلاقها الميمون.‏

والصلاة عامة، وصلاة الجمعة خاصة، تأتي في المرتبة الثانية ضمن المعالم النفسية للوحدة الإسلامية،‏ فبالإضافة إلى ما يبثونه من دعاية مسمومة بين المسلمين بأن الصلاة رجعية لا يقبلها العصر الحديث!، وبالإضافة إلى الأفكار المختلفة التي ينشرونها بين الناس مثل قولهم بأن المصلي إنما يبغي الاتصال بالله، فإذا تم هذا الاتصال وتوثق لم يعد بحاجة إلى هذه الصلاة!!، وقد رأينا مثل هذا عند بعض الفرق ممن تدعي الصوفية‏!، إلا أن أخطر هجماتهم _عندي_ بالنسبة للصلاة عامة أن للوزراء والموظفين الموكلين بتعيين المؤذنين والأئمة والخطباء قد عمدوا إلى تعيين من لا يصلحون لهذه المهام، وذلك سعيًا وراء تنفير شباب المسلمين من سماع الأذان، بل وتجاوز هذا عند بعضهم إلى السخرية من المؤذنين، وسعيًا وراء تنفيرهم من إمام جاهل لا يجيد تلاوة القرآن، وخطيب لا يزال يقرأ عليهم خطبًا قيلت قبل مئات السنين، لا ترتبط بالواقع الذي يحيونه،

 وامتدت خطتهم هذه إلى إهمال المساجد نظافة وفرشًا، وعملوا إلى إهمال تكييفها في المناطق الحارة الرطبة، وإذا كان لا بد من تكييفها فيكون ذلك أخر ما يفكرون به، بل لا يفعلونه إلا مكرهين!، أضف إلى ذلك كله أن المساجد أصبحت لا تفتح أبوابها إلا وقتًا ضيقًا عند أداء الصلاة، وسرعان ما تغلق أبوابها حتى لا يبقي المسلم مرتبطًا بمسجده في تلاوة القرآن وتدارسه مع إخوانه فيه، وبذلك فإن رسالة المسجد في بث الروح الإسلامية وتثبيت عرى الأخوة بين المسلمين، ونشر العلم والثقافة وغيرها من الأمور التي أناطها الإسلام بالمسجد، قد توقفت، بينما عمدت الكنيسة مثلًا إلى نقل هذه الوظائف اليها، وهي ليست من شئونها، فأصبح فيها المدارس والمشاغل واللقاءات علنًا، والتدريب على السلاح وتخزينه سرًا!!

أما صلاة الجمعة فقد ووجهت بشبكة من المؤامرات، فبالإضافة إلى سوء اختيار الخطباء فإن يعض النُصب المحلية ممن يدعون بالرؤساء والوزراء قد جعلوا العطلة الأسبوعية لبلادهم، بل بلاد المسلمين الذين ابتلوا بهم، يوم الأحد بدلًا من الجمعة، حتى لا يتمكن العاملون والموظفون من أداء الجمعة جماعة، ومع مرور الزمن يؤمل هؤلاء وأسيادهم أن يصبح التباعد عن الجمعة طبيعة لدى المسلمين، وينسون واجبها ‎مع ما نسوا أو أنسوا من أمور دينهم الحنيف، ولعلنا لم ننس بعد ما واجه المسلمين من صعاب في مطالبتهم أن يكون يوم الجمعة عطلة لهم في لبنان بالإضافة إلى يوم الأحد، بينما أصرت الحكومات الصليبية أن يكون يوما العطلة هما: السبت والأحد!، ولعل أغرب ما يمكن إثباته هنا أن باكستان، وهي الدولة التي قامت على أساس من الإسلام، ولا مبرر لوجودها سواه، قد جعلت عطلتها الأسبوعية يوم الأحد!

والأعياد الإسلامية هي ثالث هذه المعالم النفسية: فالمسلمون أينما كانوا يتوجهون بدافع نفسي أرساه فيهم‏ الإسلام نحو معان واحده في يوم واحد، ففي عيد الفطر يتوجه المسلمون إلى مصلاهم يحدوهم شعور عميق بفرحة غامرة لما وفقهم الله إليه من صوم شهر رمضان، شهر القرآن ، فينطلقون بنداء واحد خالد: الله اكبر، الله أكبر، وفي عيد الأضحى حيث يجتمع في مكة المكرمة وحول الكعبة المشرفة أكثر من مليون من المسلمين، اندفعوا بسوق مشاعرهم نحو خالقهم في دعوات وصلوات ونسك، يشاركهم في مشاعرهم هذه جميع المسلمين في كل بقعة من‏ هذه الأرض، فيضحون معهم، ويكبرون معهم في كل صلاة إلى أن ينهوا حجهم ويقضوا نسكهم، هذه الوحدة النفسية التي تبثها في نفوس المسلمين أعيادهم العظيمة، يحاول أعداء الإسلام أن يزعزعوها بطرق شتى، من هذه الطرق إغراق البلاد الإسلامية بسيول من الأعياد الوثنية والقومية والشكلية حتى يختلط الأمر على عامة المسلمين فلا يفرقون بين عيد وعيد وبين غث وثمين، فهذا عيد استقلال وذاك عيد نهضة، وثالث عيد نصر، وليس هناك ثمة استقلال أو نهضة أو نصر!، وهذه أعياد الشجرة والنظافة والمرور وعيد وعيد!

ومن أساليبهم في هذا الاتجاه أيضًا إغراق أيام الأعياد الإسلامية بسيل من الأغاني النابية والأفلام الساقطة والمسلسلات التافهة والرقص الخليع حتى يصرفوا الناس عن معاني العيد وغاياته...

والتاريخ الهجري، أو التأريخ بهجرة الرسول العظيم صلوت الله عليه، هو رابع هذه المعالم النفسية لوحدة المسلمين، فبالتاريخ الهجري ترتبط كل المناورات الهادية في تاريخ الإسلام، كما يرتبط به كل الفترات المضيئة في تاريخ المسلمين.. فمع التاريخ الهجري يصوم المسلمون، ومعه تحل أعيادهم، وبه يحسبون لحجهم ونحرهم،‏ وعلى أساس منه يؤدون زكاتهم.، وكل هذه المنارات الهادية لا تتم إلا باتباع التاريخ الهجري والسنة القمرية.

وبالتاريخ الهجري كتب أجدادنا تاريخنا، وبه أرخوا للفترات المضيئة في هذا التاريخ، فالمعارك الإسلامية الكبرى لا تعرفها إلا بهذا التاريخ وتحركات الرسول _عليه السلام_ لا نعرفها إلا بالتاريخ الهجري، بل التاريخ الهجري واحد من هذه التحركات المباركة، والدول الإسلامية وأعمالها الجليلة كلها أُرِخ لها بتاريخنا الهجري المبارك.

هذه المعالم التي ترتبط بها نفوس المسلمين وتجلها وتكبرها، يحاول أعداؤنا أن يطمسوها بطمس اهتمامنا بالتاريخ الهجري ، فهم عندما أحتلوا بلادنا بادروا إلى شطب التأريخ بالهجرة وأحلوا محله التأريخ بالتقويم الميلادي المسيحي، وكذلك بالنسبة لكل شأن من شئون المسلمين حتى أبسطها فالمدارس والأعياد الدخيلة وحتى رواتب الموظفين فإنها تحسب بالتاريخ المسيحي، وحتي التوقيت فإنه بالتوقيت الذي ارتضاه النصارى لأنفسهم وفرضوه علينا..

وعلى الجانب الأخر دفع أعداؤنا بعض الحكومات إلى إهمال التاريخ الهجري واستعمال التاريخ الوثني لأممهم كما حدث في إيران مثلًا فأرخت بالتاريخ الساساني الإمبراطوري _وعادت إلى التاريخ الهجري مؤخرًا بضغط من الجماهير الإسلامية الغاضبة_ وكما حدث في مصر عندما أضافوا التاريخ القبطي والميلادي المسيحي في التاريخ الهجري!

ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا بأن المسلمين كادوا ينسون استعمال هذا التاريخ لولا مشيئة الله التي قيضت للمسلمين بعض الرجال الدعاة الذين عملوا على إحياء هذا التاريخ في نفوس المسلمين وحياتهم، وجاهدوا في سبيل هذا الإحياء، وهم لا يزالون في هذا الأمر على أول خطوات الطريق..

لا نستطيع أن نزعم أن جميع محاولات الأعداء قد فشلت، ولكننا نؤكد أن المعالم النفسية للوحدة الإسلامية لازالت قوية لدى الغالبية العظمى من المسلمين، ونؤكد أيضًا أن هذه المعالم أمام واحد من احتمالين:

أحدهما أن ينجح الأعداء في زعزعة هذه المعالم نتيجة لإصرارهم على هجومهم، ونتيجة لسلبية المسلمين في مواجهة هذا الهجوم.

وثانيهما: أن يتنبه المسلمون لهذا الخطر الداهم، فيقفون في وجهه، ويصدونه بحزم ووعي، ويلتفت المخلصون لهذه المعالم فيؤكدونها في نفوس المسلمين ويلحون على ذلك الإلحاج كله، لتثمر من بعد وحدة واقعية شاملة، وتعود السيادة والخلافة للإسلام القيم وأمته الوسط، كنتم خير أمة أخرجت للناس. ونحن ندعو الله أن يكون الاحتمال الثاني هو المنتصر، وأن تعود الأمة التي تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر وتؤمن بالله.

الرابط المختصر :