; الغاية والوسيلة | مجلة المجتمع

العنوان الغاية والوسيلة

الكاتب الدكتور علي جريشة

تاريخ النشر الثلاثاء 20-ديسمبر-1977

مشاهدات 94

نشر في العدد 379

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 20-ديسمبر-1977

  • في عرف البعض.. إن الوسيلة تبررها الغاية، وإن القصد الطيب يطهر العمل الخبيث.. ومن ثم فلا عتب على إنسان يسلك وسيلة غير شريفة إذا كانت غايته شريفة. ولا لوم على من يأتي العمل الخبيث إذا كان قصده طيبًا..

ويمضي البعض من هذا العرف إلى أقصى مدى فلا يكتفي بنفي العتب أو رفع للوم.. عمن يسلك سبيلًا غير شريف أو يأتي عملًا منكرًا ما دام يوصل إلى الغاية ويحقق القصد والهدف، بل إن البعض يرى في مثل هذا الشخص لونًا من- العبقرية- أو الذكاء وأحيانًا لونًا من البطولة أو «الفهلوة».

فهل الأمر كذلك:. 

  • أصحاب الفطرة السوية والطبع السليم ينكرون ذلك.

 فلا يرون الغاية الشريفة مبررة للوسيلة غير الشريفة، ولا يرون القصد الطيب مطهرًا للعمل الخبيث وهم يرتكنون في ذلك إلى رصيد القيم الذي عاش في الضمير الإنساني ميراثًا لرسالات الرسل والأنبياء.

وحصادًا لمآثر الصالحين والمصلحين. 

- ومن هنا سمعنا المثل العربي: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها.

وسمعنا قول القائل:

ومطعمة الأيتام من كد فرجها
 

 

لك الويل: لا تزني! ولا تتصدقي!
 

كذلك رأينا في مجال الفكر السياسي استنكارًا لما أطلق عليه.. السياسة المكيافيلية.. وهي التي تسلك في سبيل هدفها أي وسيلة، وترتكب أي عمل. 

ولقد كانت انتفاضات الكونغرس الأمريكي ضد رئيس الولايات المتحدة الأمريكية السابق (نيكسون) ثم ضد المخابرات المركزية الأمريكية فيما. ترتكبه من جرائم تحقيقًا لأهدافها. 

كانت هذه الانتفاضات من قبل الكونغرس الأمريكي ثم القضاء الأمريكي يؤيدهما الرأي العام الأمريكي... كانت دليلًا على أن الفطرة السوية والطبع السليم يرفضان بكل قوة العمل المنكر والسبيل غير الشريف. 

  • ونحن أبناء الإسلام أولى بهذه القيم، وبها نزلت رسالة محمد- عليه الصلاة والسلام- فالإسلام يحكم القصد ويحكم العمل ليجردها من كل خبث ويبعدهما عن كل اعوجاج. فالقصد أو النية وإن كان محلها القلب. وإن الله عليها مطلع، وعليها محاسب ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (غافر:19)، ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّه (البقرة:284) وعلى قدر سلامة النية واستقامة القصد.. يكون عطاء الله- عز وجل: ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ (الأنفال:70) ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ (الطلاق:2-3)  والتقوى محلها الأول هو القلب لحديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم: التقوى ها هنا «ثلاثًا» ويشير في موضع قلبه. 

ويبلغ اهتمام الإسلام بسلامة النية واستقامة القصد أن يجعل الشرط الأول لقبول العمل عند الله تجرد النية من كل غرض، وتطهر القصد من كل هدف إلا الله سبحانه.. والحديث الذي يكاد يكون متواترًا صريح في ذلك، «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل أمري ما نوى، فمن كانت هجرته لله ورسوله فهجرته لله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها-

فهجرته إلى ما هاجر إليه» 

«إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا له وابتغى به وجهه» ومن هنا كان حريًا بكل مسلم أن يكون هتاف قلبه:

الله غايتنا!

- وإذا كان الله سبحانه لا يحاسب على النية إذا لم تتصل بالعمل، فإنه لا يقبل بالنية السليمة إذا اتصل بها عمل خبيث .. وبعبارة أخرى لا يقبل الوسيلة غير الشريفة لغاية شريفة ومن هنا كان قول الرسول- صلى الله عليه وسلم «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد» أي مردود وباطل.

وكان قوله- عليه الصلاة والسلام «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا». 

وكان اهتمام الإسلام بالأخلاق إلى حد يضعها في المكانة بعد العقيدة! 

وكان اهتمام فقهائنا بسد الذرائع وسلوك السلف الصالح في تركهم ما لا بأس به خشية أن يكون به بأس!.

  • وبعد:

فإلى العباقرة من أبناء أمتنا، وإلى دعاة «الفهلوة» و«المكيافيلية»

رویدکم.. 

إن شرف الوسيلة من شرف الغاية. وإن طلب الحوائج لا ينبغي أن يكون إلا بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بمقاديرها. 

وإنه إن جازت المهادنة فإنه لا تجوز المداهنة.

وان العزة والشدة لا ينبغي أن تكون على المؤمنين، والذلة والخفض لا ينبغي على غير المؤمنين.

وإن «الخدعة» إن جازت للمؤمن مع غير المؤمن، فلا ينبغي أن تكون للمؤمن مع الله والمؤمنين ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (البقرة:9) 

  • وإلى المخدوعين والمسحوقين من أبناء أمتنا: 

لا تعجبوا بدعاة «الفهلوة» ومعتنقي «الميكيافيلية»! فإنكم إن فعلتم كنتم كمن يعجب بالرجل الذكي يسرق، أو بالعبقري يقتل ويفلت من القبض والعقاب: ولا تجروا وراء السراب.. فإن من جاءه لم يجده شيئًا!.. 

واسعوا إلى الحق ولو كان بعيدًا وتجرعوه ولو كان مرًّا، اسلكوا سبيل أصحابه وإن كانوا مستضعفين... فإن الله بالغ أمره، والعاقبة للمتقين والهلاك والدمار للضالين والمضنين. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ (النور:55)

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 68

110

الثلاثاء 13-يوليو-1971

منوعات (العدد 68)

نشر في العدد 404

63

الثلاثاء 18-يوليو-1978

رسالة أمريكا (404)