; الغرب وزع القضية بالتساوي بين الكبار، وحدد لكل طرف مهمته | مجلة المجتمع

العنوان الغرب وزع القضية بالتساوي بين الكبار، وحدد لكل طرف مهمته

الكاتب د.حمزة زوبع

تاريخ النشر الثلاثاء 09-فبراير-1999

مشاهدات 57

نشر في العدد 1337

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 09-فبراير-1999

کوسوفا لن تموت برغم المذابح وتخاذل الناتو

      تمامًا كما كان الحال في البوسنة ساعتها رفع المسلمون تحت الحصار شعار «سراييفو لن تموت» وبقيت سراييفو وبقي المسلمون رغم الحقد الصربي والعداء الغربي برغم القتل والدماء، وبرغم دايتون- بقيت شاهد صدق على صمود شعب مسلم عانى كثيرًا من الشيوعية ومن الحقد الصليبي، وعادت مآذنها يدوي صوتها في البلقان ثانية، معلنة أن الأرض لله يورثها من يشاء تمامًا، كما كان الحال في الشيشان حين دخل الروس، ثم اضطروا للخروج منكسي رؤوسهم، خافضي الجبين، ترهقهم ذلة في الحياة الدنيا والآخرة.

     وها هو الحال في كوسوفا بمسلميها المليونين بمآذنها وقد طالها البطش والقصف بمجاهديها وبعلمائها وخريجيها في الأزهر وبرشتينا، ها هي الأيام تعيد علينا ذكرى الجهاد والدفاع عن النفس والعرض والمال والوطن فمن يعين؟

القصة من البداية؟

      لعله من المفيد أن تعيد رواية القصة في هذا الوقت العصيب الذي يشهد تآمرًا ليس له مثيل، القصة بدأت في ألبانيا منذ أكثر من نصف قرن حين سكنت أوروبا بمثقفيها ودعاة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان على بقاء شعب بأكمله تحت الحصار الإلحادي على يد أنور خوجا، ولم تحرك ساكنًا وكأن ألبانيا تقع في المريخ.

      وعادت الروح إلى المسلمين في البلقان، فأشعل الصرب نار الحرب في البوسنة، لحين التفرغ للمسلمين في ألبانيا، وانتهت البوسنة باتفاق دايتون، وبدأت النار تستعر في ألبانيا في مارس ۱۹۹۷م، وانتهت بحكومة اشتراكية موالية للصرب، أو على الأقل ليست مع ألبان كوسوفا، وبقيت كوسوفا وحيدة أمام قطار الموتى الصربي الذي بدأ زحفه الجديد في مارس ۱۹۹۸م، «لاحظ التوقيت» ومازال يواصل زحفه وسط اجتماعات وقرارات وبيانات وجثث وضحايا، ومئات الألوف من المهاجرين.

الصرب مظلومون: هكذا صرح نائب رئيس الوزراء العربي «شيشل» حين قال: «نحن نواجه الفاشيست الألبان الذين يريدون إقامة دولة ألبانيا الكبرى» وقال إن: كوسوفا بها أكثر من ستة وعشرين عرقًا، ولا يمكن أن تسمح للألبان بأن يتحكموا في الإقليم.

     على أن المركز الصربي للاستعلامات أضاف: «إن صربيا تواجه إرهابيين، وتعمل على استئصالهم تمامًا كما تفعل كل الدول المتحضرة في العالم».

     وقد فتحت القنوات الفضائية الغربية أبوابها للمعلقين الصرب للحديث عن الظلم الألباني والإرهاب والتطرف ودولة ألبانيا العظمي؛ وذلك لتقليل التعاطف العالمي مع ألبان كوسوفا، وتبرير المذابح التي تجرى هناك.

مذابح واجتماعات:

     في الوقت الذي كان فيه حلف الناتو مختلفًا حول قرار الضربة، وهل هي للصرب أم للمسلمين؟ حسم الصرب أمرهم وعلى مرأى ومسمع من المراقبين الدوليين، فقامت الدبابات الصربية بقصف القرى الألبانية في ميتروفيتس بشمال العاصمة بحجة القضاء على جيش تحرير كوسوفا، ولكن الواقع يقول: إنه عقب كل اجتياح أو قصف صربي، يدفع بالسكان المدنيين إلى الهجرة إلى خارج مناطقهم.

      وفي يوم الجمعة ٢٩/١/١٩٩٩م، وبينما كانت مجموعة الاتصال الغربية تواصل اجتماعاتها في لندن، قام الصرب بذبح أربع وعشرين من ألبان كوسوفا في «روجوف هاس» بالقرب من جاكوفا غرب إقليم كوسوفا، ولم يتحدث أحد عن المذابح، بل تحدثوا عن بيان شديد اللهجة للقاتل والمقتول بضرورة الانصياع لقرارات المجموعة، وبدء التفاوض خلال أسبوع من تاريخ البيان، وإنهاء التفاوض بعد ثلاثة أسابيع، وكان كل شيء معد سلفًا وجاهز التوقيع».

مجموعة الاتصال:

     لأول مرة تتفق مجموعة الاتصال دون معارضة روسية كالعادة، والسبب أن البيان وجه اللوم للطرفين، وأنذر كلًا منهما بالعقوبة الصارمة إذا لم يبدأ التفاوض، وبدلًا من أن يندد بالممارسات الصربية وجه إنذارًا إلى جيش تحرير كوسوفا بالتوقف «عن ماذا»؟ لا أحد يدري».

      وأطل وزير خارجية بريطانيا، ليعلن عن مقترحات غامضة مثل الحكم الذاتي الموسع، الأمن والحكومة والديمقراطية، وقال في مؤتمره الصحفي أن جيش تحرير كوسوفا لن يستطيع إخراج الجيش اليوغسلافي من الإقليم، «هكذا اعترف بشرعية التواجد الصربي برغم أن اتفاق هولبروك ينص على انسحاب القوات الصربية من الإقليم» كما أن الجيش اليوغسلافي لن يستطيع خوض حرب عصابات ضد شعب بأكمله.

      وحين سئل عن الفارق بين التهديد هذه المرة والمرات السابقة قال: «هذه المرة هناك اتفاق جماعي ووحدة في الرأي والناتو جاهز» 

       وفي غفلة وربما تكون زلة لسان قال: «إن هناك ممثلين شرعيين للشعب الألباني، تم انتخابهم بواسطة شعب كوسوفا، وبالتالي هم الذين سيمثلونه في المفاوضات، وهكذا يعترف بشرعية الانتخابات، ولا يعترف بشرعية الاستقلال مع أن الأمرين أجريا في وقت واحد، وبواسطة شعب واحد وفي مكان واحد.

      تمامًا كما قال كلينتون في واشنطن (٢٩/١/١٩٩٩م): المجتمع الدولي أرسل رسالة واضحة إلى السلطات في بلجراد، زمن التأخير والمماطلة قد ولى، فالناتو متحد وجاهز للتدخل إذا لم تستجيبوا، وهكذا يظن كلينتون أنه يستطيع خداع العالم.

      ومازال السؤال مطروحًا وما الفارق بين تهديدات الأمس واليوم؟ لا جديد، وبعدها بيوم واحد ٣٠/١/١٩٩٩م، وفي لقاء مع مراسل الـ CNN أعلن رئيس الوزراء البريطاني أن الناتو لن يخوض الحرب ضد صربيا بالنيابة عن جيش تحرير كوسوفا.

     وحددت المجموعة مدينة «رامبولي بالقرب من باريس»، كمكان للتفاوض، وهكذا وزعت القضية بالتساوي بين الكبار، بريطانيا تستقبل الاجتماعات، وفرنسا مكانًا للتفاوض، وألمانيا وروسيا لمشروعات التعمير والبنية التحتية مع صربيا، وأمريكا في مقدونيا ولألبانيا «وعلى المسلمين في كوسوفا السلام».

     روسيا اعتبرت بيان المجموعة نصرًا دوليًا كبيرًا، ولم لا والصرب اليوم أصبحوا أكثر أمنًا من ذي قبل، واكتسب العدوان العربي شرعية برغم المجازر، وأصبح الإرهاب ألبانيًا بدلًا من أن يكون صربيًا.

     وعلى إثر ذلك قام مجلس الأمن العاجز بتبني قرارات مجموعة الاتصال «ولحس» جميع قرارات الإدانة السابقة وخصوصًا فيما يتعلق بالمجازر، وعلى غير العادة لم يدن القرار المذبحة الأخيرة، وكان السيناريو المعد لذلك يقضي بسرعة الانتهاء من ملف كوسوفا؛ لأن هناك ملفات أكثر أهمية من دماء المسلمين في كوسوفا.

إبراهيم روجوبا:

     ويبدو أن إبراهيم روجوبا رئيس الرابطة الديمقراطية يواجه مأزقًا حقيقيًا قد يؤدي بمستقبله السياسي، فبرغم أن الغرب مازال يرى فيه أفضل من يوقع اتفاقًا يقضي به على مستقبل الإقليم، ويقضي كذلك على الحلم الألباني بالاستقلال، إلا أن المجموعات الضاغطة داخل المجتمع الألباني باتت ترى فيه رمزًا للتبعية، وأنه بسياسته الهادئة واطمئنانه إلى وعود الغرب برغم أن مأساة البوسنة مازالت ماثلة بالأذهان أصبح ورقة غير مجدية، وأنه لو قاد التفاوض وحده لانتهى الأمر بكارثة.

       وتشهد الأيام الأخيرة زخمًا إعلاميًا «مدروسًا» مفاده أن البيت الألباني ممزق من الداخل، ويتزامن ذلك مع الحرب الضروس على الأرض، والصمت العالي المفضوح ليؤدي بالنهاية إلى إضعاف الموقف المسلم برغم محاولات التقريب والتي شهدتها العاصمة الألبانية قبل أسبوع من قرارات مجموعة الاتصال.

     ويبذل بعض الدول الكبرى محاولات مستميتة لمنع التقارب بين روجوبا وقادة جيش تحرير كوسوفا، وتهميش دور الألبان في المهجر أو الضغط عليهم من أجل التخلي عن دعم جيش تحرير كوسوفا.

جيش تحرير كوسوفا:

      وبرغم تخويف أوروبا بأنه جيش المجاهدين العرمرم الذي جاء ليعيد فتح بلاد الفرنجة، وبرغم قلة العون والمعين يبقى هذا الجيش رمزًا للمقاومة، ويبقى بيانًا عمليًا لما يمكن أن تفعله الشعوب المقهورة للحصول على حقوقها، وإن كان العالم كله ضدها فقد استطاع الجيش في فترة وجيزة «بعد الظهور العلني» أن يعيد كوسوفا إلى العالم مرة أخرى، وأن يجعلها في بؤرة الأضواء.

      استطاع الجيش أن يعيد الثقة إلى الشعب الألباني، ويعيد الحلم القديم الجديد بالاستقلال، والعيش في أمان بعيدًا عن الصرب.

        استطاع الجيش أن يعيد الأمن إلى المناطق التي خرجت منها القوات العربية بعد اتفاق أكتوبر ۱۹۹۸م، واستطاع أن يخلق جناحًا سياسيًا يجيد لغة الحديث والحوار والتفاوض والمراقب لكل تصريحاته قادته يجدها تتميز بالعقلانية الواقعية والقراء المتأنية لمواقف كل طرف من الأطراف الخارجية والمؤثرة في الصراع، ويكفي أنه أفرج عن الأسرى الصرب بعد مفاوضات ناجحة، ونجح في الإفراج عن أسراه بعد جولة ثانية عبر الوسيط الأوروبي.

        كما يسعى الجيش إلى دعم الوحدة الوطنية، ويناشد الأطراف الألبانية بضرورة التوحد خلفه كوسيلة مشروعة في الدفاع عن النفس، ومقاومة الاحتلال، وتأكيد الحق الألباني في الإقليم.

 خاتمة: طلبت مجموعة الاتصال من الصرب والألبان الوصول إلى اتفاق في غضون ثلاثة أسابيع، بينما فشلت في إخماد الحرب في البوسنة في ثلاث سنوات.                                                                

الرابط المختصر :