العنوان الغرب ومنهج النبوات
الكاتب محمد رشاد خليل
تاريخ النشر السبت 07-سبتمبر-2002
مشاهدات 68
نشر في العدد 1517
نشر في الصفحة 44
السبت 07-سبتمبر-2002
لم يعرف الغرب في تاريخه منهج النبوات بطريقة صحيحة وقد تسبب ذلك في إفساد العقول والمعتقدات والعلوم.
أخذت أوروبا رسالة المسيح بعد تحريفها على أيدي ورثة التراث الوثني الإغريقي الروماني.
لم تستطع أوروبا من خـلال احتكاكها الطويل بالإسلام في الأندلس أن تخرج وثنيتها وتتعرف على منهج النبوات بسبب رسوخ الوثنية في عقول أبنائها.
ظل الإسلام ومعه منهج النبوات معروضا على أوروبا طوال ثمانية قرون ولكنها أعرضت عن الهداية المتـاحة
في مقالنا السابق بينا أن العلم الصحيح مبناه على منهج النبوات لا على منهج الفلاسفة، وتثبيت هذه الحقيقة في نفوس المسلمين أولًا.. لأن جمهور المتعلمين منهم، إنما يتلقون علومهم اليوم على أساس منهج الفلاسفة سواء في صورته القديمة الوثنية على منطق أرسطو، أو في صورته الحديثة المؤسسة على منطق العلوم التجريبية المعاصرة، فإذا تم تثبيت هذه الحقيقة في نفوس المسلمين وجب العمل على التبشير بها عند غير المسلمين، ذلك أنه ما لم يتم تصحيح هذا الأصل، فإن جهود الإصلاح وجهود الدعوة لغير المسلمين سوف تتعثر بسبب افتقارها إلى سلامة الأصل الذي تقوم عليه.
الغرب لم يعرف منهج النبوات قط: وأساس المشكلة كان بها فساد العقول وفساد المعتقدات وفساد العلوم في الغرب وهو الفساد الذي ينعكس اليوم بقوة على واقع البشرية عامة والمسلمين بشكل خاص - هو أن الغرب لم يعرف في تاريخه منهج النبوات أو لم يعرفه بطريقة صحيحة قط.
لقد كان تاريخ الغرب منذ بداياته المعروفة هو تاريخ الوثنية الفلسفية، وقد استمر الأمر على ذلك حتى بعد دخول المسيحية إلى وقتنا هذا دون تغير جدي، إن كان هناك تغير على الإطلاق.
بيئة الإغريق الوثنية: لقد بدأ الفكر الغربي مسيرته من واقع الوثنية الإغريقية قبل ميلاد المسيح عليه السلام بقرون، ولقد كانت هذه الوثنية متجهة بكليتها إلى تأليه مظاهر الطبيعة المادية وعبادة هذه المظاهر، مع إضفاء الصفات البشرية على الرموز الوثنية التي تم اختراعها لتمثيل هذه المظاهر، ولقد بلغ من قوة إسقاط الصفات البشرية على الرموز الوثنية أن أصبح عالم الآلهة الوثنية عند الإغريق مسرحًا لكل الصراعات والأهواء والغرائز التي يحفل بها عالم البشر، بل إن الذين يدرسون «الميثولوجيا» أي الأساطير الإغريقية لاحظوا أن هذه الأساطير قد صبغت الآلهة الوثنية بصبغة بشرية بلغت في بعض الأحيان حدًّا يأنف منه القارئ الحديث، لكنها لم تكن في ذلك الوقت تزعج أذن اليوناني الذي اعتقد ما للآلهة الوثنية من قوة عظيمة دون أن يتوقع منها أن تكون كاملة الصفات (جورج سارتون تاريخ العلم جـ 1 ص 398).
أصول الوثنية الإغريقية: والوثنية الإغريقية هي وثنية ملفقة من وثنيات الشعوب القديمة، ويؤكد جورج سارتون دور التأثير المصري والتأثيرات الشرقية الأخرى من بابلية وهندية وفارسية وصينية، والتي شكلت الوثنية الإغريقية، وهذا يعني أن الوثنية الإغريقية هي وثنية ملفقة وبالتالي فإن ذلك يعني أن الإغريق لم يكن لهم تراث أصيل حتى في المجال الوثني، وسوف نرى أنه لم يكن لهم تراث أصيل في المجال الفلسفي، تلك المجالات التي يزعم أصحاب نظرية المعجزة الإغريقية أن الإغريق هم أصحاب السبق فيها.
تعليل ابن تيمية لعدم معرفة الإغريق بمنهج النبوات: وقد حاول ابن تيمية أن يعلل عدم معرفة الإغريق للنبوات فقال: «فإن قيل: موسى وغيره كانوا موجودين قبل أرسطو، فإن أرسطو كان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة وأيضًا فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (النحل: 36) وقال ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (البقرة: 119) وقال ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (فاطر: 24). فهذا يبين أن كل أمة قد جاءها رسول فكيف لم يعرف هؤلاء الرسل: قلت عن هذا جوابان أحدهما أن كثيرًا من هؤلاء لم يعرفوا الرسل كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (النحل: 36).
الثاني: أنه قال تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النحل: 63) فإذا كان الشيطان قد زين لهم أعمالهم كان في هؤلاء من درست أخبار الأنبياء عندهم فلم يعرفوها، وأرسطو لم يأت إلى أرض الشام، وإن كان يقال إن الذين كانوا قبله كانوا يعرفون الأنبياء، لكن المعرفة المجملة لا تنفع كمعرفة قريش فقد سمعت قريش بموسى وعيسى وإبراهيم سماعًا عامًا من غير معرفة بأحوالهم.
وأيضًا فهم (أي الفلاسفة) أدركوا الإسلام وهم من أكفر الناس بما جاءت به الرسل، إما لأنهم لا يطلبون معرفة أخبارهم وما سمعوه حرّفوه أو حملوه على أصولهم الفلسفية، وكثير من المتفلسفة هم من هؤلاء.
فإذا كان هذا حال هؤلاء في ديار الإسلام، فما الظن بمن كان ببلاد لا تعرف فيها شريعة نبي؟ (ابن تيمية النبوات ص 24/26).
سيطرة الوثنية على الحياة الاجتماعية والثقافية للإغريق:
لم تكن الوثنية عند الإغريق مجرد عقائد خرافية ينحصر أثرها في مظاهر العبادة التي تقوم على تأليه الظواهر الطبيعية في شكل بشري، وإنما كانت أساسًا راسخًا للحياة الاجتماعية والثقافية، فقد كانت الأعياد والاحتفالات ومراسم الأفراح والعادات والتقاليد كلها مطبوعة بهذا الطابع، كما كان الأدب من شعر غنائي وملحمي ومسرحي خاضعًا خضوعًا كاملًا لهذه الوثنية، وكذلك الأمر بالنسبة للفلسفة فلم يستطع الفكر الفلسفي الإغريقي الخروج بالإغريق من هذا المناخ الوثني، ففي غيبة النبوات عجز فلاسفة الإغريق من أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطو عن الخروج من إطار الوثنية الإغريقية، رغم كل ما بذلوه من محاولات فقد أكد سقراط أهمية البحث عن الحق دون أن يخرج هو نفسه عن الإطار الوثني، أما أفلاطون، فقد جاء في الألوهية بفكرة شديدة الاضطراب، وفلسفته في الألوهية أقرب ما تكون إلى فلسفة القائلين بوحدة الوجود، فكل شيء عنده إلهي، فالمثل التي اخترعها وهي مثل الحق والخير والجمال هي آلهة والنفس العالمية إله والنفس الإنسانية الناطقة إلهية والكواكب آلهة بجوار الهة الجن والأولمب.
أما أرسطو، فقد ذهب في توصيف السبب الأول وتجريده إلى درجة إبطال وجوده، وأنكر قدرة هذا السبب الأول على الإيجاد والخلق والتدبير والعلم بالأشياء، ووضع مكانه نظامًا من العلل لها صفات إلهية كانت الأساس في التأليه المعاصر للقوانين المادية.
سيطرة الوثنية على الحياة الاجتماعية الثقافية للرومان: ولما خلف الرومان الإغريق ورثوا عنهم وثنيتهم المتمثلة في عبادة مظاهر الطبيعة في الشكل البشري، ثم أضافوا إليها عبادة الأباطرة، وقد سيطرت الوثنية على كافة جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية عند الرومان كما حدث بالنسبة للإغريق إلى الحد الذي يصعب معه الفصل بين هذه الوثنية وجوانب الحياة المختلفة من أمور الحرب إلى أمور السلم، وكان السناتو أو مجلس الشيوخ أو البرلمان يعقد اجتماعاته في معبد أو في مكان مقدس، وقبل أن يبدأ العمل كان كل عضو يقدم على المذبح شيئًا من النبيذ أو البخور، وكانت الفاحشة جزءًا من عبادات الوثنيين الفاجرة، وكانت الخمور تقدم قربانًا إلى الآلهة الوثنية في مواكب العرس ومواكب الجنازات. لقد كانت الوثنية -كما قال جيبون- تدنس كل فن وكل معرفة وكل أدب وكل علم، وإنك إذا ألقيت نظرة على المخلفات القديمة للإغريق في المجتمع الروماني لوجدت -فضلًا عن تماثيل الآلهة الوثنية والأدوات المقدسة لعبادتهم- الرسوم والقصص الوثنية تزين ملابس الرومان وأثاثاتهم وبيوتهم، بل إن فنون الموسيقى والرسم والبلاغة والشعر نفسها تنبع عندهم من نفس هذا المورد العكر وكان أبوللو وريات الأساطير اليونانية هم لسان حال الشيطان في مجتمع الرومان، وكان هومر وفرجيل من أبرز خدامه وقد أشادت الأساطير القديمة عندهم بعظمة الشيطان وزخرت اللغة الدارجة في اليونان ورومة بالتعبيرات الفاجرة (جيبون اضمحلال الإمبراطورية الرومانية ج1 ص 340).
وثنية المسيحية الأوروبية
أخذت أوروبا رسالة المسيح بعد أن تم تحريفها على أيدي ورثة التراث الوثني الفلسفي الإغريقي الروماني، وقد أصبحت الرموز والأسرار الوثنية جزءًا من ديانة المسيحيين، وظهر الانحراف عن خط النبوات - الذي بشر به المسيح عليه السلام -ولم يخرج عنه- في صورة تأليه المسيح عليه السلام وتلك أكبر إساءة للمسيح -عليه السلام- نفسه ولرسالته التي بعث بها والتي هي رسالة جميع الرسل والنبيين من قبله، ويوم القيامة سوف يتبرأ المسيح -عليه السلام- من المسيحيين ومن عقائدهم الباطلة التي نسبوها إليه.
بدأ تبديل رسالة المسيح بعقيدة التثليث التي تقول بآلهة ثلاثة هي: الآب والابن وروح القدس: إله واحد!!، ثم بعقيدة أن المسيح هو ابن الله ثم فسر «يوحنا» الكون وفق نظرية أفلاطون في «اللوجس» أو الكلمة وأصبح المسيح هو الكيان الذي تجسدت فيه الكلمة، وظهرت ثلاثة فروض لتفسير الكلمة: الأول أنها الثالوث، والثاني القول بآلهة ثلاثة متساوية، الثالث: أن الكلمة قد خلقت من العدم ثم أصبحت الابن الذي صنع كل شيء بعد ذلك، وفي مجمع «نيقيا» فرض على جميع الكنائس القول بمبدأ الطبيعة الواحدة، أي أن الأب والابن من جوهر واحد.
وهكذا نرى أننا أمام عقيدة وثنية فلسفية إغريقية خالصة، لا علاقة لها من قريب أو من بعيد بدعوة المسيح - عليه السلام - ولا بدعوة جميع الأنبياء والرسل قبله.
سيطرة الوثنية اليونانية الرومانية على الحياة المسيحية
لم يقف تأثير الوثنية الفلسفية الإغريقية الرومانية عند إفساد عقيدة التوحيد التي بشر بها المسيح - عليه السلام وإنما تسربت إلى المسيحية كل أشكال العبادة الموروثة في المجتمعات الإغريقية الرومانية، فقد تسربت عبادة الصور والتماثيل الوثنية إلى الكنيسة وعادت الوثنية الإغريقية الرومانية إلى الحياة في ثوب مسيحي، ووضعت تماثيل المسيح والقديس بولس مكان تماثيل أرسطو وفيثاغورس وآلهة الوثنيين، وتسامح رجال الكنيسة مع عودة الوثنية إلى الظهور إرضاء لمشاعر العامة، وتمثلت عبادة الرموز -كما يقول جيبون- في تبجيل الصليب وبقايا القديسين، وصُوِّر القديسون الذين تطلب شفاعتهم جالسين على يمين الله!!
وتسربت إلى المسيحية شعائر الوثنية المتمثلة في الركوع وإيقاد الشموع وحرق البخور أمام التماثيل، وسرى الاعتقاد بأن الصور التي تتكلم وتتحرك وتنزف الدم لا بد وأن تكون قد وهبت قوة إلهية، كذلك تم تصوير الملائكة وعبادتهم (جيبون- اضمحلال الإمبراطورية الرومانية ج2 ص 545/ 546).
أوروبا والإسلام
لم تستطع أوروبا من خلال احتكاكها الطويل بالإسلام الذي استمر من خلال الأندلس ثمانية قرون، أن تخرج من وثنيتها، وأن تتعرف على منهج النبوات، وذلك بسبب رسوخ الوثنية في أطوارها وأشكالها المختلفة بقوة في عقول الأوروبيين وقلوبهم، وبسبب العداوة الرهيبة التي عمقتها الكنيسة ضد الإسلام، عن طريق الكذب والافتراء، وتشويه الحقائق، وبذلك لم تأخذ أوروبا عن المسلمين إلا ما هو مناسب لوثنيتها المسيطرة وتوجهها المادي.
في هذا المناخ الوثني المادي الحاقد انتقل منهج العلوم التجريبية عن المسلمين إلى أوروبا، وكان لا بد أن يدفع هذا المنهج ضريبة هذا المناخ الفاسد، أضيف إليه الحرب الشرسة التي اشتعلت بين الكنيسة ورواد البحث التجريبي، وبدلًا من أن يتحرر العقل الغربي من سيطرة الوثنية المادية، قام بتثبيت هذه الوثنية في أطر جديدة وتحت قيادة آلهة جديدة، منها تأليه العقل وتأليه المادة، ومحاربة كل أثر للدين المنزل، وكما قال «كلودبرنار»: فإن «البيولوجيين والمعلمين والاقتصاديين وعلماء الاجتماع كانوا إذا ما واجهتهم مشكلات شديدة التعقيد، غالبًا ما يستجيبون إلى الإغراء الذي يستحوذ عليهم لكي يبنوا نظريات ثم يقلبونها بعد ذلك إلى معتقدات ومن ثم فقد تبلورت علومهم في شكل تراكيب، شأنهم في ذلك شأن المتعصبين للديانات».
أوروبا ترفض منهج النبوات: وقد يقال إن أوروبا لم تتح لها الفرصة للتعرف على منهج النبوات بطريقة صحيحة ومن مصادر صحيحة، وأن ذلك هو السبب بجهلها بمنهج النبوات، وذلك غير صحيح، فإن أوروبا قد أتيحت لها الفرصة للتعرف على منهج النبوات بطريقة صحيحة، ومن مصادر صحيحة، عن طريق الأندلس خاصة، ذلك أن الحكم الإسلامي في الأندلس قد تميز بمستوى من التسامح الديني والمساحة الأخلاقية بصورة لم يعرفها العالم القديم قط خارج العالم الإسلامي، وكان العلم بكل أنواعه متاحًا في الأندلس الإسلامية لجميع الناس بصرف النظر عن الدين والجنس وكانت تلك فرصة نادرة لنصارى أوروبا ليعرفوا الإسلام، كما عرفه المسلمون، وليدرسوا الإسلام كما يدرسه المسلمون.
يقول جوستاف لوبون: «واستطاع العرب أن يحولوا إسبانية ناديًا ثقافيًّا في بضعة قرون، وأن يجعلوها على رأس جميع الممالك الأوروبية، ولم يقتصر تحويل العرب الإسبانية على هذين الأمرين بل أثروا في أخلاق الناس أيضًا، فهم الذين علموا الشعوب النصرانية - وإن شئت فقل حاولوا أن يعلموها - التسامح الذي هو أثمن صفات الإنسان، وبلغ حلم عرب إسبانية نحو الأهلين المغلوبين مبلغًا كانوا يسمحون به لأساقفتهم أن يعقدوا مؤتمراتهم الدينية، كمؤتمر «أشبيلية» النصراني، الذي عقد في سنة 782م، ومؤتمر «قرطبة النصراني، الذي عقد في سنة 852، وتعد كنائس النصارى الكثيرة التي بنوها أيام الحكم العربي من الأدلة على احترام العرب لمعتقدات الأمم التي خضعت لسلطانهم».
وأسلم كثير من النصارى، ولكنهم لم يسلموا طمعًا في كبير شيء، وهم الذين استعربوا فغدوا هم واليهود مساوين للمسلمين، ومثلهم في تقلد مناصب الدولة، وكانت إسبانية العربية بلد أوروبا الوحيد الذي تمتع اليهود فيه بحماية الدولة ورعايتها، فصار عددهم فيه كثيرًا جدًّا.
وكان عرب إسبانية يتصفون بالفروسية المثالية خلال تسامحهم العظيم، فكانوا يرحمون الضعفاء ويرفقون بالمغلوبين، ويقفون عند شروطهم، وما إلى هذا من الخلال التي اقتبستها الأمم النصرانية بأوروبا منهم مؤخرًا.
واعترف الكتاب القليلون الذين درسوا تاريخ العرب بفضلهم الخلقي، وإليك ما قاله العالم الثبت مسيو سيديو: كان العرب يفوقون النصارى كثيرًا في الأخلاق والعلوم والصناعات، وكان من طبائع العرب ما لا تراه في غيرهم من الكرم والإخلاص والرحمة، وكان من طبائعهم التي امتازوا بها في المحافظة على الكرامة، ما يؤدي الإفراط فيه إلى المبارزة والشحناء.
وكان ملوك قشتالة على علم من صدق العرب وقراهم ولم يتردد الكثير منهم في المجيء إلى قرطبة ليعالجهم أطباؤها المشهورون.
وكان أفقر المسلمين يحافظ على شرف أسرته محافظة أشد الرؤساء صلفًا (جوستاف لوبون - حضارة العرب ص 282).
لقد ظل الإسلام ومعه منهج النبوات معروضًا على أوروبا طوال ثمانية قرون، لا تحول بينها وبينه حواجز، ولا يصدها عنه صاد، بل مع تسامح يلين الحديد، وسماحة تأسر قلب الجبار العنيد، وقد تم البلاغ، وقامت عليها الحجة، وقطعت عنها الأعذار، ومع ذلك أعرضت عن الهداية المتاحة، وقالت ما قاله غيرها من الأمم التي صدرت بعد تمام البيان، وقيام الحجة: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ * وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ۖ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾ (الزخرف: 22-24).
فعلى الذين يتصورون أن سبب إعراض الغرب اليوم عن الإسلام الجهل به أن يقرأوا التاريخ.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل