; الغرب و النمسا.. والديمقراطية المزاجية | مجلة المجتمع

العنوان الغرب و النمسا.. والديمقراطية المزاجية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-فبراير-2000

مشاهدات 64

نشر في العدد 1389

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 22-فبراير-2000

رفض معظم دول الغرب نتائج صناديق الاقتراع في النمسا، التي أدت إلى مشاركة حزب الحرية اليميني بقيادة يورج هايدر في تشكيل الحكومة الجديدة للنمسا. ولذا، بدأ معظم الدول الغربية في أمريكا وأوروبا في توقيع نوع من العقوبات الاقتصادية والسياسية على الحكومة الجديدة، حتى قبل أن تبدأ أعمالها أو تعلن عن برامجها.

والسؤال الغريب في هذا الأمر: هل هكذا يتم التعامل مع الديمقراطية في القرن الحادي والعشرين؟ وهل الديمقراطية الغربية ملزمة اليوم بإفراز حكومات ترضى عنها قيادات العالم سواء المهيمن الأمريكي أو المتسلق اليهودي أو الجار الأوروبي، لكي تصبح هذه النتائج مقبولة ونهائية؟ إن ما يحدث في النمسا يعيد إلى الأذهان التدخل الاستعماري في بدايات هذا القرن، ويوضح أن أمريكا وحليفتها إسرائيل لا تتورعان عن التدخل في الشؤون الداخلية حتى للدول الغربية الحليفة. بالإضافة إلى ذلك، يبرز سؤال عن ماهية الديمقراطية: هل هي مجرد آليات لإدارة الحياة السياسية وانتقال السلطة دون وجود أي مضامين فكرية مسبقة؟ أم أنها ترتبط بالقيم الليبرالية على المستوى السياسي والاقتصادي والفكري، ارتباطاً عقدياً ملازماً لها؟

إن من الواضح أن أمريكا والغرب أصبحا يفضلان النموذج الثاني لتعريف الديمقراطية، وهي أنها وسيلة لانتقال السلطة بشرط أن تفرز خيارات ليبرالية تحافظ على مكتسبات الحضارة الغربية كما تراها أمريكا، وتضمن أيضاً إرضاء إسرائيل واليهود مهما كلف الأمر، ويمكننا في ضوء هذا التعريف أن نتفهم التدخلات الغربية في نتائج صناديق الاقتراع في تركيا والجزائر، وأخيراً في النمسا ومستقبلاً في دول العالم الإسلامي والعربي.

ويظهر هنا أكثر من سؤال لمحاولة فهم وآثار ما يحدث على الساحة الأوروبية،

أولًا: ما سر التشنج الغربي في الرد على الانتخابات النمساوية؟ ثانيًا: ما الدور الحقيقي لليهود في هذه الانتخابات؟ ثالثًا: ما الأثر المتوقع لتنامي التيار اليميني المتطرف في أوروبا على الجاليات العربية والإسلامية الموجودة بها؟

أولاً: لماذا التشنج الغربي

تكمن إجابة هذا السؤال في نقطتين:

أولاً: التخوف من تنامي قوة اليمين المتطرف.

وثانياً: إرضاء اليهود في إسرائيل وخارجها. 

إن النظرة الفاحصة لرد الفعل الغربي تجاه نتائج الانتخابات في النمسا تعكس الإشكالية السياسية التي يعاني منها أغلب دول أوروبا الغربية، وهي عجزها عن التصدي للتنامي المتسارع للاتجاهات اليمينية المتطرفة واقترابها من سدة الحكم في عدد من الدول الأوروبية، وخصوصاً في ألمانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا، ففي ألمانيا نجحت الأحزاب اليمينية التي تمثل التوجهات النازية في الحصول على عدد من المقاعد النيابية في المجالس المحلية. وفي فرنسا نجح حزب اليميني لوبان في تحقيق عدد من المكاسب السياسية. وأخيراً، نجد أن يورج هايدر المتهم بميوله النازية يحظى بتأييد قطاع كبير من الناخبين للمشاركة في تشكيل الحكومة النمساوية الجديدة.

أما بالنسبة لردود الفعل الأوروبية والأمريكية على هذه التطورات السياسية في النمسا، فقد كانت انفعالية وتشنجية في معظمها، وعكست حالة السخط الأوروبي والأمريكي من النتيجة التي توصلت إليها الديمقراطية النمساوية. ولذلك سارعت ١٤ دولة أوروبية بتجميد الاتصالات الرسمية الثنائية على المستوى السياسي مع النمسا، وقرر الاتحاد الأوروبي كذلك عدم دعم أي مرشح نمساوي للمنظمات الدولية، وعدم استقبال أي سياسي من النمسا في العواصم الأوروبية.

وكان أحد الأمثلة الصارخة لهذا الانفعال في رد فعل بيان وزير الخارجية البلجيكي الذي سخر من دولة النمسا وهون من شأنها، وذكر أن أوروبا ليست في حاجة إليها، وأن أوروبا تستطيع أن تسير حياتها السياسية والاقتصادية بدون النمسا، كما قامت السفيرة الأمريكية بالإعلان عن نيتها السفر إلى بلادها لفترة طويلة للتباحث، وقررت الإدارة الأمريكية تحديد اتصالاتها مع الحكومة الجديدة وأعلنت عن نيتها بمراقبة سلوك الحكومة الجديدة، وتشديد عقوباتها على النمسا إذا خالفت الحكومة الجديدة ما أسمته الخارجية الأمريكية بـ«المعايير الأوروبية».

مراقبون غربيون أعربوا عن استغرابهم من الانفعال المبالغ فيه من قبل الغرب، واعتبروا أن ما يحدث يشكل تدخلاً في شؤون النمسا الداخلية، خصوصاً أنها دولة ذات سيادة سياسية مستقلة وتتمتع بعضوية المؤسسات الدولية، إضافة إلى عضوية الاتحاد الأوروبي. وذكر مراسل لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أن السلوك الأوروبي والأمريكي تجاه النمسا ما هو إلا محاولة لإرضاء الأصدقاء اليهود الذين أزعجهم للغاية وصول حزب الحرية إلى المشاركة في تشكيل الحكومة النمساوية.

ويلاحظ في المقابل أن إسرائيل واليهود في العالم يبالغون في الحديث عن تصاعد النازية في العالم ربما للحصول على مكاسب سياسية أو اقتصادية جديدة، أو للفت الأنظار عن قضايا أخرى أكثر حساسية في المنطقة العربية.

ولذلك، وإمعاناً في إرضاء اليهود، فقد فرض الرئيس النمساوي على الحكومة الجديدة التوقيع على تعهد يهدف إلى إرضاء اليهود وإدانة تاريخ النمسا السابق في الجرائم النازية. كما أعلن الرئيس النمساوي مؤخراً عن عزم بلاده المسارعة في تقديم تعويضات جديدة لضحايا التسلط النازي من اليهود الذين عملوا في الشركات النمساوية خلال الحرب العالمية الثانية.

ثانياً : دور اليهود الحقيقي في الانتخابات

يميل أغلب من كتب عن الدور اليهودي في التأثير على انتخابات النمسا الأخيرة إلى تكرار الحديث عن امتعاض إسرائيل واليهود من وصول حزب الحرية إلى المشاركة في تشكيل الحكومة الجديدة، ويدللون على ذلك بالموقف الإسرائيلي من رفض السفير النمساوي والمطالبة بتوقيع العقوبات السياسية، إلى توجيه النداءات لكل الشركات السياحية العالمية بالتوقف عن تنظيم أي برامج سياحية بالنمسا.

ولكن- في المقابل- يغفل كثير من وسائل الإعلام عن رؤية أخرى وهي أن من مصلحة التيارات الصهيونية إذكاء نبرات العداء الأوروبي لليهود مرة أخرى، لأن ذلك يسهم في تعزيز أركان الكيان الصهيوني في فلسطين وتقوية تيار الهجرة اليهودية من أوروبا الغربية إلى الأرض المقدسة، خاصة بعد الانخفاض في معدلات الهجرة خلال الأعوام الماضية.

ومن ناحية أخرى، فإن اليهود بحاجة دائمة إلى الظهور بمظهر الضحية لتمرير الانتهاكات التي تقوم بها إسرائيل تجاه حقوق الإنسان في المنطقة العربية. ومن شأن تضخيم الخطر النازي المقبل أن يلفت أنظار العالم بعيدًا عن هذه الانتهاكات والتجاوزات، ولعل الشاهد الواضح على ذلك هو ما حدث في الأيام الماضية من الهجوم على لبنان.

ولا ينبغي أن ننسى أيضًا أن المكاسب الاقتصادية التي تتحقق لليهود من استنزاف المصادر الاقتصادية للشركات الألمانية والأوروبية بدعوى اضطهاد اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية قد أثمرت نتائج مالية ضخمة. ومن شأن إذكاء نار الحديث عن العنصرية النازية مرة أخرى أن تغرق الدول الأوروبية أكثر في عقدة الذنب، ويسهل الاستثمار المالي لهذه العقدة من قبل المؤسسات الصهيونية التي تبالغ في ذلك.

وأخيرًا، فإن من مصلحة الصهيونية العالمية أن يقوى تيار اليمين المتطرف في أوروبا الغربية، لأن عنصرية هذا التيار ليست موجهة ضد اليهود فقط، ولكنها أيضًا ضد كل الأجانب، وخصوصًا الجاليات الإسلامية التي أصبحت تشكل أكبر الجاليات نموًا في معظم أنحاء أوروبا الغربية.

ثالثاً : أثر التيارات اليمينية الأوروبية

تتخذ التيارات اليمينية المتطرفة في أوروبا مواقف معادية من العمالة الأجنبية بوجه عام، ومن الجاليات الإسلامية بوجه خاص، بسبب عزوف هذه الجاليات عن الاندماج والانصهار في المجتمعات الغربية، ومطالباتها الدائمة بالحفاظ على الهوية العربية والإسلامية. كما أن التيارات اليمينية تبالغ عمومًا في تصعيد النزوع القومي والعنصري لدى الشعوب الأوروبية، وتركز على تفوق العرق الآري والديانة النصرانية على باقي شعوب الأرض وأديانها، مما يذكي حدة معاداة هذه الشعوب للمسلمين والأجانب عامة، كما أن ارتفاع معدلات البطالة بين شباب أوروبا قد قدم مبررًا لهذه التيارات اليمينية للمطالبة بالتخلص من الأجانب لحل مشكلة البطالة المنتشرة في أوروبا. ولذلك أطلق أحد رموز التيار اليميني في فرنسا دعوة للتخلص من ٤ ملايين أجنبي في فرنسا (ومعظمهم من المسلمين) للقضاء على البطالة التي وصلت في فرنسا إلى ما يقارب ٤ ملايين عاطل أيضًا.

ولذلك فليس من المتوقع أن يؤدي تنامي قوة التيارات اليمينية إلى خدمة مصالح الجاليات العربية والإسلامية المنتشرة والمتزايدة في أوروبا الغربية، وتحديدًا في كل من ألمانيا وفرنسا وأسبانيا وإيطاليا. أضف إلى ذلك أن التيارات اليمينية لن تتعاطف مع قضايا العالم الإسلامي ومصالحه، خصوصًا إذا كانت هذه المشكلات قريبة من أوروبا أو جزءًا منها كمشكلة البوسنة وألبانيا ومقدونيا، حيث لا يزال بركان التطهير والتمييز العرقي والعنصري منتشرًا بين شعوبها.

وقد يتبادر إلى الأذهان أن المشكلات السابق ذكرها رهينة بتولي التيارات اليمينية للحكم، وبما أن ذلك لم يحدث حتى الآن في أغلب دول أوروبا، فلا داعي للقلق إذن. وهنا لا بد من وقفة لبيان جانب أشد خطورة ويحدث بشكل دائم ومستمر الآن في كثير من البلدان الأوروبية التي تتعرض لمشكلة تنامي تيارات اليمين المتطرف. وهذه المشكلة هي أن التيارات السياسية المعارضة لتنامي اليمين المتطرف قد بدأت في تبني بعض سياسات وأطروحات هذه التيارات اليمينية خاصة فيما يتعلق بالجاليات الإسلامية في أوروبا من باب المناورة السياسية، وبغرض سحب البساط من تحت أقدام هذه الأحزاب المتطرفة.

جاك شيراك

ومن ذلك موقف الرئيس الفرنسي جاك شيراك المعروف ليس فقط بعدائه لليمين المتطرف، ولكن بصداقته للعرب. ورغم ذلك، فإنه لم يتردد أثناء حملته الانتخابية الرئاسية الأخيرة في أن يقول في أحد خطاباته أنه «يتقزز من رائحة طعام الأجانب». ومعروف أن أغلب الأجانب في فرنسا من أصول إسلامية. أما الاشتراكي الفرنسي ميشيل دوكار، رئيس وزراء فرنسا الأسبق، فقد ذكر في إحدى حملاته الانتخابية أن فرنسا لا ينبغي أن تظل فاتحة أبوابها أمام بؤساء العالم.

ولذلك فإن مشكلة الجاليات العربية والإسلامية في أوروبا تتصاعد سواء وصلت التيارات اليمينية إلى سدة الحكم أم لا، لأن الأفكار التي تطرحها هذه التيارات فيما يتعلق بالجاليات الإسلامية في أوروبا تلقى قبولاً من باقي التيارات السياسية الأوروبية، إضافة إلى الشعوب نفسها أكثر من أي وقت مضى.

ومن الواجب على قادة المؤسسات الإسلامية والمهتمين بالمنظمات الدينية للجالية العربية والإسلامية في القارة الأوروبية إدراك حجم الخطر الذي سيهدد أمن واستقرار هذه الجاليات ولا بد لذلك من وضع خطط إعلامية وسياسية لمواجهة الأفكار اليمينية المنتشرة على الساحة السياسية الأوروبية، وضمان الاستفادة القصوى من إمكانات الجالية للدفاع عن قضايا المسلمين في أوروبا وخارجها.

بوادر قلق

إن المتابعة السياسية للساحة الأوروبية تشير إلى الكثير من بوادر القلق فيما يتعلق بالحريات السياسية والمكاسب الديمقراطية التي بدأت تتعارض مع القيم والمفاهيم التي تسعى الولايات المتحدة إلى سيادتها عالمياً، وبدأت كذلك تتعارض مع المكاسب والأهداف اليهودية اقتصادياً وسياسياً. والتكاتف الأمريكي اليهودي الأوروبي من أجل إذلال النمسا والتدخل في شؤونها الداخلية واختيار شعبها الديمقراطي لمن يمثله لهو خير دليل على مزاجية الديمقراطية الغربية، وتعدد المكاييل الفكرية لها. ورغم عدم إقرارنا بالتأكيد أن الديمقراطية الغربية يمكن أن تكون بديلاً عن التصور الإسلامي الشوري المتكامل للحكم، إلا أننا هنا في مقام إلزام المخالف بما يعتقد، ومحاسبة الغرب على ما يدعيه من التسليم للديمقراطية والإقرار بحقوق الشعوب في اختيار من يحكمها وفق الطريقة الديمقراطية.

إن التاريخ الحديث لم يسجل أي مبادرة اعتراض من قبل أمريكا أو أوروبا مع وصول الأحزاب اليمينية اليهودية المتطرفة إلى سدة الحكم في دولة الكيان الصهيوني رغم مجاهرة هذه الأحزاب المتطرفة ليل نهار بمعاداة العرب والمسلمين، ولم تتحرك أوروبا أو أمريكا عندما حدثت مذبحة المسجد الإبراهيمي على يد التيار اليميني المتطرف، ولم تسجل وسائل الإعلام العالمية أي اعتراض غربي على تنامي ظاهرة المليشيات اليهودية اليمينية المسلحة في أرض فلسطين وإعلانها عن برامجها السياسية ورغبتها في الوصول إلى الحكم، فهل ما يحدث في النمسا يختلف كثيراً عما يحدث في إسرائيل؟

لا بد لنا في العالم العربي والإسلامي من تأمل ودراسة صحة الدعاوى الغربية بالتسليم بالديمقراطية، فإن أغلب هذه الدعاوى في قبول الرأي والرأي الآخر، وإقرار نتائج صناديق الاقتراع غير المزيفة تتعطل وتتوقف تماماً عندما تخرج النتائج بصورة لا تتناسب مع المزاج الأمريكي اليهودي، ولذلك نقول إن ما يحدث في النمسا ما هو إلا شاهد جديد على صورة الاستعمار المقبل في العالم، وهو مسمار جديد في نعش الديمقراطية الغربية المزاجية التي لا تقبل إلا بما يرضي الولايات المتحدة وحكامها، ويبقي على إذلال العالم تحت أقدام اليهود.

الرابط المختصر :