; الغرب يحتشد ثم ينسحب دفاعًا عن العنصرية الصهيونية | مجلة المجتمع

العنوان الغرب يحتشد ثم ينسحب دفاعًا عن العنصرية الصهيونية

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر السبت 02-مايو-2009

مشاهدات 60

نشر في العدد 1850

نشر في الصفحة 20

السبت 02-مايو-2009

عنصرية

من « ديربان١ » إلى « ديربان٢» .. ماذا تغير؟!

لندن: 

خطا العالم خطوات واسعة تجاه مكافحة العنصرية خلال العقدين الماضيين، فقد ألغيت العبودية، وهزمت نظريات العنصرية الألمانية النازية، وانتهى الفصل العنصري، ولكن لا تزال العنصرية قائمة!... هل نحن فعلًا «متحدون ضد العنصرية» «الكرامة والعدالة للجميع»... كما ارتفع بذلك شعار مؤتمر الأمم المتحدة لمكافحة العنصرية الذي عقد مؤخرًا بمدينة «جنيف» السويسرية؟ وهل تجسد في المؤتمر ما يدعو إليه من الالتزام القوي من جانب المجتمع الدولي للتصدي للعنصرية والتمييز العنصري، وكره الأجانب، وما يتصل بذلك من تعصب على الصعيد الوطني والإقليمي والدولي؟ وماذا حدث في المؤتمر؟

اتسعت دائرة المقاطعة للمؤتمر، ومن الدول التي قررت عدم حضوره ألمانيا، وسبقتها كل من: كندا واستراليا وهولندا والولايات المتحدة وإيطاليا وبولندا ونيوزيلندا وجمهورية التشيك و«إسرائيل» بينما قررت بريطانيا تخفيض مستوى مشاركتها، ومن الواضح أن الاتحاد الأوروبي فشل في التوصل إلى موقف مشترك.

 واستنكرت مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان «نافي بيلاي» مقاطعة المؤتمر، وأعربت عن شعورها بالصدمة والقلق، وقالت: إن مجموعة من الدول تقاطع المؤتمر بسبب بلد أو بندين مدرجين على جدول أعمال المؤتمر على حساب العديد من القضايا الأكثر أهمية، كما استنكر بابا الفاتيكان «بنديكت السادس عشر» مقاطعة عدد من الدول الغربية، وقال: إن المؤتمر يتيح الفرصة لمحاربة التمييز والتعصب، وحث جميع الأطراف على العمل معًا بروح الحوار.

قضيتان أساسيتان

وهناك قضيتان رئيستان انقسمت الآراء بشأنهما: القضية الأولى والأكثر أهمية للولايات المتحدة هي صدور إعلان غير مضر يؤكد الإعلان الذي صدر عن المؤتمر الأول عام ٢٠٠١م، والمشكلة تتمثل في أن ذلك الإعلان قال: «نحن نشعر بالقلق إزاء محنة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الأجنبي». وكان البيان الختامي للمؤتمر السابق قد وصف الصهيونية بالعنصرية، وساد اليوم الختامي اتهامات بالعنصرية واتهامات مضادة بالعداء للسامية، وانتهى بانسحاب الوفدين الأمريكي و«الإسرائيلي». 

والقضية الثانية هي معاداة الإسلام، فخلال المناقشات الممهدة للمؤتمر حاولت بعض الدول الإسلامية إدخال مفهوم تشويه صورة الأديان، وقد جادل منتقدون من دول غربية ومن دول أخرى بأن ذلك سيكون له تأثير على تقييد حرية التعبير، وكان الأمين العام للأمم المتحدة «بان كي مون» قد أكد في كلمته الافتتاحية للمؤتمر أن معاداة الإسلام شكل من أشكال العنصرية مثل معاداة السامية.

هجوم صهيون شامل 

نددت «إسرائيل» باللقاء بين الرئيس السويسري «هانز رودلف ميزر» والرئيس الإيراني «محمود أحمدي نجاد» على هامش أعمال المؤتمر، وهددت سويسرا واستدعت سفيرها من هناك احتجاجًا، ووصف وزير

كبير حاخامات روما: مشاركة الفاتيكان في مؤتمر جنيف  آخر خطوة حمقاء طائشة في علاقتها مع اليهود.

 الشؤون الاجتماعية المكلف بمكافحة معاداة السامية في العالم «إسحاق هرتزوع» مؤتمر جنيف بأنه «مسرحية وقحة من إعداد محور إیران، ليبيا، باكستان» على حد قوله، وهاجم رئيس الوزراء «بنيامين نتنياهو» دعوة نجاده للمشاركة في مؤتمر الأمم المتحدة واصفًا إياه بأنه «عنصري» وقال: «أهنئ الدول التي قررت مقاطعة مهرجان الكراهية!».

كما تسبب قرار البابا «بنديكت السادس عشر» بإرسال وفد من الفاتيكان للمشاركة في أعمال المؤتمر بجنيف في حدوث شرخ جديد في العلاقات مع المجموعات والتكتلات اليهودية في العالم التي تنظر إلى الحدث بمجمله على أنه «مجرد منصة تستخدم لمهاجمة «إسرائيل».

وفي حديث لصحيفة «لاستامبا» الإيطالية، قال كبير حاخامات روما «ریکاردو دي سيجني» تعليقًا على القرار: «إن الفاتيكان بمشاركته هذه يكون قد أعطى قبوله وموافقته على ما يجري إعداده هناك ضد إسرائيل» وأضاف: إن قرار البابا بمشاركة الفاتيكان بالمؤتمر روما «كان آخر خطوة حمقاء طائشة، في علاقاته مع اليهود، التي شابها حنيف توتر شديد في وقت سابق من العام الحالي بسبب قرار البابا برفع قرار العزل أو الحرمان الكنسي عن علاقاته أحد القساوسة الذين أنكروا وجود المحرقة.

ولمجرد وصف الرئيس الإيراني

 انسحاب وفود ٢٣ دولة أوروبية من جلسة المؤتمر الافتتاحية خلال كلمة الرئيس الإيراني التي وصف فيها «إسرائيل» بالعنصرية!

 في كلمته «إسرائيل» بال«العنصرية» ومهاجمة تأسيس الكيان العبري، وتحميل الغرب مسؤولية إنشائه، ثارت ثائرة من يدعون الاهتمام بحرية التعبير، وقام على إثرها ممثلو ٢٣ دولة أوروبية بالانسحاب من جلسة المؤتمر في تظاهرة تتم عن انحياز مطلق ل«إسرائيل» وعدم تحمل أي نقد يوجه ضدها، وزاد الطين بلة قيام الأمين العام للأمم المتحدة بإدانة تصريحات أحمدي نجاد بسبب الهجوم الذي شنه على «إسرائيل»!

الصهيونية والتمييز العنصري

اعتمدت الأمم المتحدة بموجب قرار الجمعية العامة رقم (٢١٠٦) المؤرخ في ٢١ ديسمبر ١٩٦٥م القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، وهو أي تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفصيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الإثني، ويستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية، أو التمتع بها، أو ممارستها على قدم المساواة في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو في أي ميدان آخر من ميادين الحياة العامة.

والمتأمل في ذلك يدرك أن «إسرائيل» تقوم بكل هذا ضد الفلسطينيين وهو رأي كثير من الكتاب الذين يقارنون بين الحكم العنصري في جنوب أفريقيا و «إسرائيل» من هؤلاء الأسقف «ديزموند توتو» من جنوب أفريقيا الحاصل على جائزة نوبل للسلام، الذي وصف زيارته ل«إسرائيل» قائلًا: «مثلما حدث لنا نحن السود في جنوب أفريقيا.. لقد شاهدت الإهانة التي يتعرض لها الفلسطينيون عند نقاط التفتيش والحواجز على الطرقات، فهم يعانون مثلنا تمامًا عندما كان أفراد الشرطة من البيض يمنعوننا من التحرك».

ومنهم أيضا البروفيسور «دوغارد» محقق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وأستاذ القانون في جنوب أفريقيا الذي شبه احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية بنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ومثل

بنيامين نتنياهو: أهنئ الدول التي قررت مقاطعة مهرجان الكراهية هذا..!

كلامه أقوى انتقاد حينها ل«إسرائيل»؛ حيث قال: إنه يجب أن يكون هناك عمل جدي لتقديم الاحتلال إلى محكمة العدل الدولية.

وأشار إلى الوضع بالنسبة للفلسطينيين وإغلاق المناطق، وهدم البيوت وتفضيل المستوطنين على الطرق، متسائلًا: «هل يمكن حقيقة نفي الغرض من هذا الإجراء، ألا وهو إنشاء والحفاظ على هيمنة فئة عنصرية «اليهود» على مجموعة عرقية أخرى «الفلسطينيين» وقمعهم بشكل منهجي؟!».

ممارسات عنصرية واضحة

والتاريخ يذكر أنه في نوفمبر ١٩٧٥م اتخذت الجمعية العامة قرارها رقم (۳۳۷۹)، الذي اعتبر الصهيونية شكلًا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، ولكن للأسف وبعد ١٦ عامًا، في أكتوبر ١٩٩١م أجبرت أمريكا الجمعية العامة على إلغاء هذا القرار باعتباره غير صحيح (قرار رقم ٤٦/٨٦) الذي يرفض مساواة الصهيونية بالتمييز العنصري، وقد اشترطت «إسرائيل» إلغاء القرار (۳۳۷۹) لحضور مؤتمر مدريد للسلام!، والغريب في الأمر أن مصر والمغرب وتونس والكويت وعمان لم تحضر أصلًا التصويت!

 ورغم الجهود الدبلوماسية التي بذلت منذ تبني مقررات مؤتمر ديربان الأول عام ٢٠٠١م، إلا أن «إسرائيل» واصلت اعتداءاتها على الشعب الفلسطيني، كما عمقت ممارستها العنصرية، وقامت بإلغاء معظم الترتيبات الخاصة بإنشاء سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني المقررة بموجب اتفاقات أوسلو عبر حملاتها العسكرية العدوانية والمتواصلة، وسرعت من جهودها لتغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٦٧م.

 كما عمقت من إجراءاتها التمييزية حيال عرب ١٩٤٨م، وفرضت منذ عام ٢٠٠٦م حصارًا مطبقًا وشاملًا على قطاع غزة بلغ ذروته منذ منتصف عام ٢٠٠٧م، واعتبر على المستوى العالمي أنه «شكل متطرف من أشكال العقاب الجماعي للسكان المدنيين» وأطلق عليه أحد الخبراء الدوليين اصطلاح «التمهيد لارتكاب جريمة الإبادة البشرية» ثم تبعته بالعدوان الشامل الأخير على القطاع.

الرابط المختصر :