العنوان الغزالي في ذكراه العشرين.. مدرسة متكاملة في الفكر والدعوة
الكاتب د. وصفي عاشور أبو زيد
تاريخ النشر الجمعة 01-أبريل-2016
مشاهدات 67
نشر في العدد 2094
نشر في الصفحة 60
الجمعة 01-أبريل-2016
الغزالي
في ذكراه العشرين..
مدرسة متكاملة في الفكر والدعوة
د. وصفي أبو زيد
حينما نتحدث عن الشيخ محمد الغزالي أحمد مرسي السقا (٢٢ سبتمبر ١٩١٧م/ ٩ مارس ١٩٩٦م)، فإننا أمام شخصية عبقرية، وجبل شامخ، وبحر زخار، وفيض رباني متجدد ومجدد، أمام مدرسة متكاملة في الفكر والدعوة والعقيدة والشريعة والتربية والأخلاق، بل أمام جامعة للإسلام متكاملة الكليات، فيها كلية للعقيدة، وفيها كلية للأخلاق، وفيها كلية للسيرة والتاريخ، وفيها كلية للاقتصاد، وفيها كلية للفكر الإسلامي، وفيها كلية للدعوة الإسلامية، وفيها كلية للقرآن وعلومه، وفيها كلية للسُّنة وعلومها، وفيها كلية للأدب واللغة، وفيها كلية للمذاهب الفكرية المعاصرة، وفيها كلية للفقه الحضاري والوعي بالواقع.
إن الحديث عن رجل مثل الشيخ محمد الغزالي تتقاصر دونه الرقاب، وتتقازم أمامه الأنفس لما مثّله من فكر رشيد، وفهم دقيق، وعمل دائب، وجهاد متواصل؛ نصرةً للدين، وتحقيقاً لمصالح الأمة وخير الإنسانية.
كان الشيخ الغزالي عالماً ربانياً، وإنساناً أواباً، وداعية قائداً مصلحاً، يوجه الرأي العام، ويؤثر في الجماهير، ويحفظ على الأمة عقيدتها وهويتها وشريعتها وحضارتها، وينتج من العلم والفكر ما يحقق مقاصد الشرع ويلبي حاجات الواقع، ويراعي مصالح الناس، وهذا سر خلود الغزالي وتألقه كلما مرت ذكراه.
تميز الشيخ الغزالي ببلاغته وبيانه وصياغته أفكارَه بلغة مجدِّدة ومتجددة، فيها ما يقنع العقل، ويمتع القلب، ويشبع النفس، ويهذب الوجدان؛ حيث جمع في عباراته التي يعبر بها عن أفكاره بين جزالة وسبك الرافعي، والعمق الفكري للعقاد، والتقريب والتيسير الذي تمتع به المنفلوطي، جمع الشيخ الغزالي هذه الميزات في لغته، ولا غرو فهو شاعر مفلِّق، وأديب متمكن.
داعية زمانه الأول
لقد شق قلمه المضيء حجب ظلمات الجهل والبعد عن الله ما يزيد على نصف قرن، فاستضاءت أجيال متعاقبة بهذا القلم الصَّيِّب والكلم الطيب، وقد وجدت هذه الأجيال بغيتها عنده، فأصغى لدرر محاضراته الملايين من المسلمين في المشارق والمغارب، وأخرجت المطابع هذا الكلم الرفيع كتباً ورسائل ومقالات دبجها داعيتنا الكبير، تُزوِّد جيل العودة إلى الله بالبحث والحوار العلمي والتوجيه إلى طريق الرشد في ظل القرآن وتحت رايته.
مر على مصر زمان كان فيه الشيخ الغزالي الداعية الأول للإسلام، والمدافع الأول عن الأمة، فلما ضاقت به الحال انتقل إلى بلاد الحرمين داعية ومعلماً ومربياً، ثم انتقل إلى الدوحة أستاذاً زائراً، ثم انتقل إلى الجزائر مديراً لجامعة الأمير عبدالقادر الجزائري (الجامعة الإسلامية) ليصلحها وينهض بها، ويؤسس كلياتها، ويضع لها مناهجها، وينشئ مؤسسة تعليمية متكاملة خرَّجتْ أجيالاً على فكر الشيخ الغزالي، تحب علمه، وتتيَّمُ بفكره ودعوته الإصلاحية.
لقد نهض الشيخ الغزالي بالحالة الإسلامية في الجزائر، فبعد أن كانت مستلبة حضارياً لفرنسا التي احتلتها أكثر من ثلاثة عشر عقداً، جاء الغزالي بفكره المتجدد، ودعوته الإصلاحية الفسيحة، وقلبه العامر بحب الله ورسوله، فمحا ما شاء الله أن يمحو من دعوات الضلال والانحراف والاستلاب الحضاري، وأثبت ما شاء الله أن يثبت من علامات الهدى، وأمارات الحق؛ مستلهماً في ذلك كله من فيض العقيدة الإسلامية والشريعة الإسلامية والحضارة الإسلامية ما شاء الله له من محو ومن إثبات.
عدو التدين المغشوش
كان الشيخ الفقيد ينعى حال الأمة مراراً وتكراراً، ويكدر صفوَه تخلفُها وتأخرها، وأنها فاشلة في شؤون الدنيا، حتى إنها تحيا عالة على غيرها من الأمم في طعامها وشرابها، يقول عليه الرضوان: «إن اضمحلال العقل الإسلامي واضح في أغلب ميادين الفقه! وعدد كبير من المشتغلين بفقه العبادات أو المعاملات يحسن النقل التقليدي أكثر مما يحسن الوعي والاجتهاد، ويغلب عليه ضيق الأفق ولزوم ما لا يلزم! أما الفشل في شؤون الدنيا فأمره مخجل حتى إن ما نأكله من طعام أو ما نأخذه من دواء أو ما نرتديه من لباس يصنعه لنا غيرنا! وأما صناعات السلاح وما يحمي الشرف ويصون الإيمان فشيء لا ناقة لنا فيه ولا جمل..».
فكان موقفه من أُمته مثل الأم تصرخ على ولدها، وتحرص على طفلها تريد له الرشاد والنجاة والحياة المجيدة العزيزة في ظلال الإسلام وهديه الخالد.
الشيخ الغزالي مثله مثل باقي علمائنا ومفكرينا، له وعليه، لم يكن معصوماً، ولم يدَّعِ العصمة، ولا ادعاها له أحد، ولم يكن فوق الخطأ، بل هو نفسه قال: «وحينما أخطئ – وأنا خطاء – أكون أطوع الناس لمن يأخذ بيدي إلى الصواب».
قدم الغزالي خيوطاً لتجديد الثقافة الإسلامية، وحرَّض المسلمين على عمارة الدنيا وقيادة الحياة، وحارب التدين المغشوش وآفات الواقع الإسلامي، وعمل على إيقاظ العقل المسلم، ورشَّد الصحوة الإسلامية، وقدم جهداً مباركاً للحفاظ على هوية الأمة، وصد عنها طعنات المستشرقين في القرآن والسُّنة، ووقف حائط صد أمام المتغربين والعلمانيين والزحف الأحمر، ورسم خطة للتعامل مع القرآن الكريم والسُّنة النبوية، وقدَّم جهوداً في العقيدة والسيرة والتربية والأخلاق وتوحيد الأمة.
ومما أُخِذَ على الغزالي: حدته في الخطاب مع المخالفين، والمبالغة في التأويل، وغلبة العاطفة على أسلوبه، وعدم التمكن من علم الحديث، وتناثر الأفكار والموضوعات.. وهي مآخذ تتراوح بين العلماء والمفكرين اعتباراً وإهمالاً، وإذا اعتبرناها فهي مغمورة في محيط حسناته وميزاته، وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، فكيف إذا كان بحراً لا تُكدِّرُه الدِّلاء؟!
إن كثيراً من العلماء والمفكرين لا يزيدنا بعدنا عن يوم وفاتهم إلا نسياناً وإعراضاً، لكن الشيخ الغزالي نسيج وحده وفريد عصره، فلا يزداد بمرور الأيام على وفاته إلا تألقاً وحضوراً وحبوراً؛ ذلك بأنه عاش للإسلام ولهموم أمة الإسلام، فاهتمت به أمة الإسلام، وأنه أخلص دينه لله (نحسبه كذلك)، فأخلصه الله لدينه، وختم له وهو يدافع عن الإسلام 9 مارس 1996م، وهو في ملتقى الجنادرية بالرياض، ودفن في أرض البقيع بين قبريْ الإمام مالك والإمام نافع.>
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل