العنوان الغزو الفكري للتاريخ والسيرة بين اليمين واليسار: العرب.. وأخطاء الفلسفة الأوروبية
الكاتب المستشار سالم البهنساوي
تاريخ النشر الثلاثاء 10-ديسمبر-1985
مشاهدات 56
نشر في العدد 745
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 10-ديسمبر-1985
لقد تقدم العرب كثيرًا في العلوم المادية ثم لحق بهم الشرق الماركسي وهذا ما جعل بعض المثقفين من العرب ينبهرون بهذا التقدم، ويتبعون الماديين في كل شيء حتى في العلوم الإنسانية وموقفهم من الدين.
ولقد نسي العرب أن هذا التقدم العلمي الملحوظ كان ثمرة مباشرة لاحتكاك أوروبا بالعالم الإسلامي في الحروب الصليبية وفي حروب أسبانيا وجنوب إيطاليا وصقلية. وكان العالم الإسلامي في ذلك الوقت يزخر بالعلوم والآداب ويضع مناهج البحث للعلوم العملية التي كانت مجهولة جهلًا تامًّا في أوروبا، واستفادت النهضة الأوروبية الحديثة من هذا المد الإسلامي الجارف. بينما ركن العالم الإسلامي إلى الدعة والتفكك والحروب الداخلية حتى اغتصب الصليبيون الأندلس وجنوب إيطاليا وصقلية، ونقلت مخطوطات المسلمين إلى أوروبا ثم ترجمت إلى اللغات الأوروبية، وظهرت مناهج البحث الأوروبية على أساس النهضة الإسلامية.
وعلى هذا فإذا نحن أخذنا الآن بالمناهج الحديثة لتطوير نظم حياتنا وتقدمنا العلمي فإنما نجني ثمار غرس غرسناه بأيدينا فتعهده غيرنا حتى أتى أكله.
يقول «ول دبورانت» في كتابه قصة الحضارة: يكاد المسلمون أن يكونوا هم الذين ابتدعوا الكيمياء بوصفها علمًا من العلوم؛ لأنهم أدخلوا الملاحظة الدقيقة والتجارب العلمية والعناية برصد نتائجها.
ويقول «غوستاف لبوبون»: لولا ما توصل إليه المسلمون من نتائج واكتشافات في علم الكيمياء الحديثة، لما استطاع «لافوازيه» أبو الكيمياء الحديثة أن يتوصل إلى اكتشافاته.
والمسلمون هم أول من أسس مدرسة الصيدلة، وعلى رأس هؤلاء العالم أبو جعفر العاتقي، الذي ألّف كتابًا في الأدوية المفردة، كما وضع البيطار نقيب الصيادلة في مصر أكبر موسوعة في باب الصيدلة وهي كتابه المشهور «الجامع في الأدوية المفردة» حيث تضمن بحوثًا عن ألف وأربعمائة صنف من الأدوية.
وكان عز الدين الجلدكي في القرن الرابع عشر الميلادي أول من وضع قانون التفاعل بالأوزان، وهو أول من فصل الذهب عن الفضة بحامض الأزوت وماء النار.
كما كان جابر بن حيان أول من وضع كتابًا في عهد الملك الكامل الأيوبي عن السموم ومصادرها. وأول من اتبع منهج البحث القائم على الملاحظة والتجربة.
ولكننا حينما أعجبنا بالحضارة الأوروبية الحديثة، وخدعنا بريقها، أخذنا منها الصالح والطالح والغث والسمين، بل كان أخذنا لزيف هذه الحضارة وأضرارها أكثر من أخذنا للنافع منها.
والحقيقة أن دول الغرب ثم الشرق وقد بلغت شأوًا كبيرًا في العلوم الطبيعية، إلا أنها في العلوم الإنسانية جنحت إلى لون من الفكر المادي الجامد، كان انعكاسًا مباشرًا لنمو المذاهب التجريبية المادية، ورد فعل طبيعي لموقف الكنيسة من الحركة العلمية، ثم ردًّا لفعل آخر، وهو إنكار ماركس للدين وكل ما ليس ماديًّا.
وبذلك امتزجت مناهج البحث في العلوم الإنسانية بمؤثرين هامين: أولهما نتج عن الصراع المرير بين العلم والكنيسة. ذلك الصراع الذي أدى إلى فصل الدين عن الدولة ثم أدى إلى الماركسية التي تنكر الأديان. وثانيهما: التعصب ضد الإسلام الذي لم تتخلص منه أوروبا رغم الصراع بين المجتمع الأوروبي والكنيسة، وتحديد سلطة الكنيسة وعزلها. هذا التعصب بين المجتمع الذي ظهر جليًا واضحًا عندما انساحت الجيوش المستعمرة تقتطع أملاك الدولة العثمانية وتعمل جاهدة لمقاومة الفكر الإسلامي ووضع البرامج والمخططات التي تؤدي إلى تكوين جيل جديد، إن لم يرتد نهائيًّا عن الإسلام فلا أقل من أن يكون مسلمًا بالاسم، بعيد الصلة عن روح الإسلام وتعاليمه.
إن هذه المخططات لم يحاول أصحابها إخفاءها فها هو المستشرق الإنجليزي جب وكان أحد مستشاري الخارجية الإنجليزية في كتابه «حيثما يتجه الإسلام» يقول: «المقصود من المجهود المبذول لحمل العالم الإسلامي على الحضارة الغربية هو عدم وحدة الحضارة الإسلامية التي تقوم عليها وحدة المسلمين». ثم يفصح عن الهدف من ذلك فيقول: «بتعدد أساليب الاقتباس تتعدد البيئات الإسلامية المختلفة وتفقد الحضارة الإسلامية طابعها الموحد. بل لا يعود هناك شيء اسمه الحضارة الإسلامية». ثم يحدد أهداف الغرب في هذا الشأن فيقول: «السبيل الحقيقي للحكم على مدى التغريب – أي تقليد الغرب – هو أن نتبين إلى أي حد يجري التعليم على الأسلوب الغربي، وعلى المبادئ، وعلى التفكير الغربي، وهذا هو السبيل ولا سبيل غيره».
ويشير جب إلى هذه النتائج التي تمخضت عن هذا التقليد وعن اتباع هذا المخطط فيقول: «إلى عهد قريب لم يكن للمسلم من عامة الناس اتجاه سياسي، ولم يكن له أدب إلا الأدب الديني، ولم يكن ينظر للعالم الخارجي إلا بمنظار الدين. أما الآن فلم يعد مرتبطًا بالدين، بل إن وجهة نظر الدين لا تناقش على الإطلاق، وأصبح الرجل من عامة المسلمين يرى أن الشريعة لم تعد هي الفيصل فيما يتعرض له من مشاكل ترتبط بالمجتمع وبقوانين مدنية قد لا يعرف أصولها، ولكنه يعرف على كل حال أنها ليست مأخوذة من القرآن وبذلك فقد الإسلام سيطرته على حياة المسلمين الاجتماعية».
لقد أصبح هذا التخطيط واضحًا، بل تحرسه وتحميه وتمارسه الدول الكبرى بقصد تغيير المفاهيم العربية والإسلامية، ويظهر هذا المستشرق اليهودي «موروبيرجر» في كتابه «العالم العربي اليوم» فيقول: لا ننسى نقطتين جوهريتين في التقرير التالي: أولهما: إذا قلنا: أن الأب في الأسرة العربية يمارس سلطة كبيرة على أبنائه. فذلك صحيح إذا قارناه بمجتمعاتنا حيث يمارس سلطة أقل، ثانيهما: أن مقدار سلطة الأب العربي على أولاده سوف تختلف في مجتمع صحراوي عنها في القرية أو المدينة وأن العلاقات بين أفراد الأسرة تختلف أيضًا في كل مكان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل