العنوان الغزو الإسرائيلي والإرادة العربية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يوليو-1982
مشاهدات 57
نشر في العدد 579
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 13-يوليو-1982
يريدون أن يقولوا لنا: كونوا مؤدبين. وتعالوا معنا لنُقَبِّل رأس "إسرائيل"!
التخاذل الشديد. والعجز المذري. والصمت المطبق والتواطؤ العلني.. إلى آخر القائمة المخجلة التي علقت على أبواب العواصم العربية... هل هي ظاهرة طبيعية أو معقولة أو حتى مجرد مصادفة من مصادفات مرحلة تاريخية بائسة؟! واجتماع هذه المفردات المخجلة معًا دفعة واحدة في زمن واحد، كهتاف جماعي لفرقة بلهاء... هل هو طبيعي أو معقول أو مجرد مصادفة؟!
مستبعد جدًّا أن يكون ذلك، حتى لو كنا نعيش في زمن غير طبيعي، أو غير معقول، أو غير محكوم بطبائع الأشياء.
المتواطئون والمتخاذلون والعجزة والصامتون كلهم يريدون منا نحن -أيتها الشعوب البائسة- شيئًا واحدًا، طالما عملوا من أجله: أن يقنعونا نحن بأننا نتصف بهذه الصفات، وأنها جبلة فينا. وأننا لم ننتبه إليها من قبل. وأن غزو "إسرائيل" الأخير جاء ليظهر لنا هذه الصفات في أنفسنا نحن -أيتها الشعوب البائسة!
اجتمعوا علينا كلهم: الذين أعلنوا العداء، والذين سموا أنفسهم حلفاء، والطوابير الخامسة، وأصحاب السوابق الاستسلامية، والمجرمون المحترفون في هدم المدن وسفك الدماء وهتك الأعراض... اجتمعوا علينا، ليضعوا في أعناقنا رسنًا "إسرائيليًّا"، ويقودونا إلى القدس، كي نطلب من "إسرائيل" أن تسمح لنا بتقبيل رأسها، ونقول لها -للمرة الأخيرة: سامحينا. فقد قال لنا «حكماؤنا» الوكلاء علينا شئنا أم أبينا: إن "إسرائيل" قوية وفتاكة وشرسة ومتوحشة، وأنيابها من طراز إف 100، وأنتم أي نحن أيتها الشعوب البائسة- خراف لا قرون لها. وقالوا أيضًا: أرأيتم لقد آن الأوان أن تصبحوا مهذبين، وتكفوا عن التفكير فيما يغضب "إسرائيل" لكيلا تأكلكم!
رسموا الخطة محكمة وجاءت متكاملة؛ لأنهم تعاونوا فيها على نحو فريد جدًّا.
ملؤوا الدنيا بصياحهم: الأسلحة الأمريكية أمضى وأشد فتكًا من الأسلحة السوفيتية. ولكن هل كان أمام الأسلحة الأمريكية أسلحة روسية تقوم «بالتصدي» أو «الصمود» في وجهها؟! لقد كانت الكلاشينكوف الفلسطينية اللبنانية تقاتل الدبابات والطائرات والبوارج "الإسرائيلية".
يريدون أن يقنعونا بأن أمريكا هي السيدة الوحيدة في المنطقة، وأن "إسرائيل" طفلتها المدللة المفضلة. وأن علينا أن نكون «مهذبين» عندما نوجه إليها التحية!
ريغان وبريجينف يتراشقان مفردات التفاهم التي يصران على تسميتها بأنها رسائل تحذير أو رسائل إنذار.. في الوقت الذي تذكر فيه وكالات الانباء أخبار التفاهم الذي تم بينهما حتى في مناقشة التفاصيل!
السوفيات أيضًا يريدون أن يقولوا لنا: اسمعوا.. ليس من اللائق أن تطلبوا منا أن نقاتل نيابة عنكم، والواقع أننا لا نستطيع أن نفعل أكثر مما فعلنا -وهم ما فعلوا شيئًا- وعليكم أن تحلوها مع "إسرائيل" بالحسنى، وأن تكسبوا رضى أمريكا..
ثم يدير السوفيات ظهورهم للشرق الأوسط، ويلتفتوا إلى بولندا وأفغانستان وأنابيب الغاز والقمح الأمريكي..
الإعلام العربي الرسمي ببغاء يردد تقارير المراسلين الغربيين حتى لقد أثار هذا «التواطؤ» الإعلامي حفيظة وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا)، فعبرت عن ذلك بأسف شديد؛ لأن وسائل الإعلام العربية لا تعتمد على تقارير الوكالة الفلسطينية. بل تخضع لتأثيرات الإعلام المعادي.
الصامدون والمتصدون أحرجوا قليلًا، فأرادوا أن يدهشونا، ليقنعونا، أحدهم ابتكر فلسفة جديدة للحرب «ما دمنا لم نبادر إذن لن نحارب. ولن نسمح للعدو أن يستدرجنا إلى معركة لم نحدد نحن زمانها ومكانها»! ثم أعلن عن خسائره الجسيمة في الساعات القليلة اليتيمة التي حاول فيها أن يتستر على الفضيحة، ثم رفع يديه كلتيهما وأعلن وقف النار. وأراد أن يقول لنا: أرأيتم.. لا قدرة لنا. وصرح بيغن بعدها أنه سيدعوه إلى القدس ليباركه، مثلما بارك السادات من قبل!
أما الصامد المتصدي الآخر فقد أراد أن يبز نظيره في إثارة الدهشة. فأعلن عن يأسه. وهو على بعد مئات الأميال من بيروت، وطلب من قادة المقاومة الفلسطينية «أن ينتحروا» ولم يقل -في الحقيقة- إلا مثل ما قال الآخرون: لا أمل لكم. لا أمل لجبهة الصمود والتصدي، لا تلومونا إن لجأنا إلى وضع القلنسوة اليهودية على رؤوسنا كي يفرح بيغن!
أما المعتدلون فمعظمهم يتفرجون على مباريات بطولة العالم بكرة القدم في إسبانيا. ويراهنون على فوز البرازيل، ثم يضطجعون. وينامون، فيقولون كما قال الآخرون!
والجميع -صامدين ومعتدلين- مصرون على ألا يفعلوا حتى ما هو «أدنى من الحد الأدنى».. أنهم لن يجتمعوا في مؤتمر قمتهم؛ لأنهم متفقون دون مؤتمر قمة، متفقون على التلويح بالمناديل البيضاء لسفن الأسطول السادس الأمريكي، وتعزيز صمود إبداعاتهم في البنوك الامريكية، ولن يسحبوا سفراءهم من واشنطن كما اقترح أحدهم.. ولن يفعلوا شيئًا سوى أن يقولوا لنا: لا أمل لكم إلا أن تكونوا مهذبين وتقوموا بتقبيل رأس "إسرائيل".
ولا ينسى بعضهم أن يفضح بعضًا: أحدهم من أصحاب السوابق الاستسلامية -يكشف أوراق شريكه- من محترفي هدم المدن وسفك الدماء.. -فيصرح بأن المحترف قد أبرم بينه وبين العدو الصهيوني اتفاقًا حول مسألة الغزو الأخير، وعملية الفضح هذه لا تهدف إلى مجرد الفضح، ولكنها عملية تشجيع لإعلان اتفاقية سلام جديدة مع "إسرائيل" شبيهة بالتي عقدها الأول. ويأتي التشجيع الثاني للمحترف من بيغن نفسه إذ يعلن أنه سيدعوه إلى زيارة القدس كما دعا من قبله السادات. يريدون أن يقولوا لنا: لقد آن الأوان أن نكاشفكم بالحقائق: عليكم أن تذهبوا إلى القدس؛ ليوقع لنا بيغن بموافقته على بقائنا في عواصمنا العربية.
وماذا بقي في جعبة المتواطئين والمتخاذلين والصامتين والعجزة؟! ربما تكون لديهم مخبآت أخرى قد يظهرونها بعد حين، إذا وجدوا أننا لم نقتنع بعد.
إن القناعة الوحيدة التي تطمئن إليها عقولنا: أن "إسرائيل" قد هزمت الأنظمة العربية، وتركت مهمة هزيمة الشعوب على عاتق معظم تلك الأنظمة..
ومع كل هذا الظلام الذي يحدق بشعوب المنطقة ما نزال نعتقد بأن الأنظمة سوف تذهب حين تذهب إلى القدس؛ لتقبل رأس "إسرائيل"، وعندما تعود إلى عواصمها العربية؛ ستجد في انتظارها شعوبًا غاضبة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل