العنوان الغـرباء
الكاتب محمد عبدالله الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 07-ديسمبر-1993
مشاهدات 137
نشر في العدد 1078
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 07-ديسمبر-1993
يا عجباً من بعض الكتاب أصحاب الميول المعروفة الذين يأكلون على كل
مائدة ويدورون مع كل عهد ويغيرون وجوههم وذممهم حسب الأجواء من حولهم نصبوا الآن
من أنفسهم حماة للوطن ودعاة للوطنية ولم يجدوا من يوجهون له السهام إلا الإخوان
المسلمين الذين وقفوا حياتهم لخدمة أمتهم وردها رداً جميلاً إلى القيام بواجباتها،
وتاريخهم معروف لا يذكره إلا جاهل أو جاحد ووقفتهم بالأمس أمام اليهود، وأمام
المستعمر وتقديمهم الشهداء في سبيل الله... أضْوَأُ من الشمس في رابعة النهار... إن الإخوان
صبروا الصبر الجميل على كل من افْتَرَوْا عليهم وظلموهم لقد احتسبوا ما نزل بهم
عند الله؛ لأنهم يرفضون مقابلة السيئة بمثلها، وهم يرفضون الإرهاب وينكرونه،
ويرفضون التشدد والتزمت، وهم يرفضون كل ألوان العنف ولا يقبلونها لأنها لا تلد إلا
عنفاً... فما سبب الحملة الظالمة والافتراء يا ترى؟ ما سبب ذلك؟؟ رجعت إلى كتاب
الله فوجدت أحياناً السبب يكون قصة سيدنا لوط عَلَيْهِ السَّلَامُ في غاية
الغرابة، ففي سبب إخراجه إنه يتطهر ويبتعد عن الدنس: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ
قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ
يَتَطَهَّرُونَ﴾ (سورة الأعراف آية 82). لماذا يطارد
صاحب الذمة الأمين في كل شبرٍ ويترك المرتشي واللص والمغامر، لقد اشْتَرَكَ الإخوان
في توجيه النقابات وأصلحوا أحوالها، وما رضي بهم أحد إلا الشرفاء، لقد أداروا
الانتخابات بنزاهة تامة اعترف بها الجميع ومع ذلك فلا بد من إخراجهم منها، لقد
حفظوا أموالها، وأعطوا لكل صاحب حق حقه بصرف النظر عن دينه واستفاد الجميع ومع ذلك
لا بد من إخراجهم منها بكل وسيلة لماذا يطارد الأتقياء ويحاربون المتطهرون في
أرزاقهم وأنفسهم وأموالهم وأفكارهم ويشعرون بالغربة وبعدم الأمان دائماً؟ وأعود
إلى واقع الحياة والتاريخ.. فأجد ألواناً من الغرباء..
- الرجل
المستقيم العفيف بين أقرانه من متبعي الشهوات والأمين الصادق المتواضع بين
الخونة والمتكبرين.
- والمؤمن
المصلي، بين الذاهلين عن الأوقات والجماعات والمسلم المعتصم بكتاب الله وسنة
رسوله بين الضائعين في عالم البدع والخرافات وسيئ العادات؟
- والمجاهد
المحامي عن شعائر دينه ومجد أمته بين من لا يهمهم هوان الدين أو ضياع
الحرمات؟
- والمسلمة
الملتزمة بشرع ربها، بين المستهترات والسافرات والمتبرجات.
- والشباب
الذي نشأ في عبادة الله وطاعة رسوله بين الضائعين والمدمنين والحريصين على
التفاهات. أولئك
جميعاً وغيرهم غرباء، يشعرون بالغربة رغم زحام الناس من حولهم ويحسون
بالعزلة، وإن تكاثر اللاهون والسفهاء، لكنهم مع غربتهم وقلتهم يستكثرون
أنفسهم لأنهم مع الحق، ولأنهم في معية ربهم ويؤمنون بأن الله معهم: ﴿إِنَّ
ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِینَ ٱتَّقَوا۟ وَّٱلَّذِینَ هُم مُّحۡسِنُونَ﴾ (سورة
النحل آية 128). ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلۡغَـٰلِبُونَ﴾ (سورة الصافات آية
173).
- إنهم
يستقلون غيرهم وإن كانوا كثيراً؛ لأنهم على غير الطريق والهدى الصحيح يسيرون
وهم يهيبون بهم أن أقبلوا على الزاد والطريق المستقيم، واغترفوا من نور الله. إن
الغرباء الذين ذكرت بعض ملامحهم في معدتهم صلابة، وفي نفوسهم ثقة بالله وفي
إرادتهم قوة، وفي أخلاقهم سمو ومروءة، إنهم يشعرون بالعزة ويحرصون على مصالح
أمتهم، ويستهدفون إصلاح العوج فيها مهما كلفهم ذلك من تضحيات. وهؤلاء
الغرباء الذين أشار إليهم ﷺ في الحديث: «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً
كما بدأ فطوبى للغرباء»، قيل ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: «الذين يصلحون
إذا فسد الناس»، رواه أحمد، وفي رواية من الغرباء، قال: «ناس صالحون قليل في
ناس كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم»، وفي رواية أخرى: «إن أحب شيء إلى الله
الغرباء» قيل ومن الغرباء؟ قال: «الفرارون بدينهم» أي من الفتن وفي رواية: من
الغرباء؟ قال: «الذين يحيون سنتي ويعلمونها الناس»، وتاريخ الغرباء طويل ممتد
مع التاريخ فحين خرج موسى عَلَيْهِ السَّلَامُ هارباً من قوم فرعون على الحال
التي ذكر الله فخرج منها خائفاً يترقب خرج وحيداً غريباً خائفاً جائعاً، قال:
يا رب وحيد مريض غريب قيل له: يا موسى الوحيد من ليس له مثلي أنيس، والمريض
من ليس له مثلي طبيب، والغريب من انقطعت الصلة بيني وبينه، والمؤمن يستعذب في
سبيل الله المر، ويتحول كل ضيق إلى سعة، فإذا بالسجن خلوة، وإذا بالنفي
سياحة، وإذا بالقتل في سبيل الله شهادة. وقد جعل النبي ﷺ الإقبال على الله وطاعته في
أيام الشدائد والفتن، تعادل صحبته في حياته، واللحاق به في مدينته فقال:
«عبادة في الهرج كهجرة إليّ».
وأصحاب
الهمم العالية يحبون الكدح والجهاد، إن مقامهم عند الله عظيم ومع هذا المقام،
فهو ليس حكراً على أحد بعينه أو طائفة بذاتها، لكنه ميسور لمن أراد قباب
الإسلام مفتوح لجميع البشر وليس في الجنة أماكن موقوفة لأناس بأعينهم، بل
العمل الصالح هو الذي يرقى بأهله إلى الفردوس الأعلى. والغربة قد تكون حسية ومعنوية والمرء
بطبيعته يحب الأنس بغيره من البشر، فحين يستوحش من الناس يكون ذكر الله سلوته
والواحة التي يستريح فيها، وقد تكون الهجرة والارتحال أحياناً خطوات مباركة
توسيعاً لدائرة الكفاح.
هؤلاء
الغرباء أفذاذ في علمهم، لأن فقههم أرحب وأعمق، أفذاذ في عبادتهم، أفذاذ في
سلوكهم، أفذاذ في أخلاقهم، وفي علاقتهم بغيرهم من الناس. رضي الله عن الغرباء في كل زمان ومكان، وآنس
وحشتهم بفضله وعفوه..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل