; رواد الاصلاح الإسلامي في العصر الحديث.. جمال الدين الأفغاني | مجلة المجتمع

العنوان رواد الاصلاح الإسلامي في العصر الحديث.. جمال الدين الأفغاني

الكاتب د. هشام الحمامي

تاريخ النشر السبت 12-أغسطس-2006

مشاهدات 70

نشر في العدد 1714

نشر في الصفحة 42

السبت 12-أغسطس-2006

إن الروح الصليبية لم تلبث كامنة في الغرب كما كانت في قلب بطرس الناسك ولم يزل التعصب كامنا في عنصرها وهي تحاول بكل الوسائل القضاء على كل حركة يحاولها المسلمون للإصلاح والنهضة هذه كلمات أول من صاغ مشروع الإصلاح الإسلامي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر جمال الدين الأفغاني.

 في صبيحة الثلاثاء ۹ مارس ۱۸۹۷ م توفي جمال الدين الأفغاني موقظ الشرق وباعث نهضته.. الفيلسوف الثائر والمفكر السياسي.

 توفي جمال الدين وما في الدنيا شيء أشهى إليه من نفض يده من هذه الدنيا وما المرء إلا هالك وابن هالك وذو نسب في الهالكين عريق كما يقول المتنبي أتصور أن حياة رجل كجمال الدين (٥٨ عامًا) على قصر مدتها إلا أنها كانت عظيمة المادة، والقيمة، والأثر.. إن على مستوى الفكر أو على مستوى الحركة... فقد كان فيلسوفًا حقيقيًا توافرت لديه كل أدوات الفيلسوف بدءًا من الدهشة وانتهاء بالتنظير، وكان حركياً توافرت لديه كل مكونات الكادر الحركي بدءاً من طول الرحلة والسفر وانتهاء بالعمل التنظيمي النشط. يصفه تلميذه الأكبر الشيخ محمد عبده فيقول: كان رحب الصدر جليل المنظر هشأ عند اللقاء مع سلامة قلب وحلم عظيم يسع ما يشاء الله له أن يسع إلى أن يدنو منه أحد للمس شرفه أو دينه فينقلب الحلم إلى غضب.. قوي الاعتماد على الله لا يبالي ما تأتي به صروف الدهر.. عظيم الأمانة سهل لمن لاينه صعب على من خاشته. طموح إلى مقصده السياسي.. إذا لاحت له بارقة تعجل السير للوصول إليه.. وكثيرًا ما كان التعجل علة الحرمان.

 ولد جمال الدين عام ١٨٣٨ م في بلده سعد آباد بجوار مدينة كابل عاصمة أفغانستان.. وله نسب يتصل بالترمذي...

 اهتم به أبوه إذ توسم فيه نجابة وقوة عزم.. تعلم بالطرق التقليدية وكان متفوقًا في علوم اللغة العربية والتاريخ والشريعة والفقه، كما كان متفوقاً في الحساب والهندسة والجبر.. سافر إلى الهند وهو في الثامنة عشرة من عمره ومكث فيها لمدة عام، فقد كانت موطن التعليم الديني والعصري، ثم سافر إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، ثم عاد إلى كابل وحدثت بعض التطورات والتقلبات السياسية، وكان ضائعًا فيها وانتهت إلى شغله الوزير والمستشار الأول لمحمد أعظم.

 خرج على أمير البلاد.. ثم ذهب للحج ثانية عن طريق الهند واستقبلته الحكومة الإنجليزية استقبالًا حارًا.. ولكنها ضاقت به وأخرجته، وقبل خروجه وجه نداءه الشهير إلى الهنود... لو كنتم ذبابًا لكان طنينكم يصم أذان بريطانيا العظمى ولو كنتم سلاحف وخضتم البحر وأحطتم بجزيرة بريطانيا العظمى لجررتموها إلى القمر وعدتم إلى بلادكم أحرارا.... ثم ذهب إلى مصر وأقام بها أربعين يومًا، ثم سافر إلى الأستانة والتقى الصدر الأعظم ثم ما لبث أن عين عضوًا بمجلس المعارف وتحسب له شيخ الإسلام، وبدأ في الكبد له، وهو ما أسفر عن رجاء الصدر الأعظم له بمغادرة البلاد حتى تهدأ الأحوال. فسافر مرة ثانية إلى مصر واستقر فيها ثماني سنوات يقضي نهاره في بيته بخان الخليلي، وفي المساء يخرج متوكًا على عصا إلى قهوة (متانيا) حيث يتصدر تلاميذه ومريديه. ناقماً على الخديوي إسماعيل استبداده وإسرافه وتمكينه للأجانب في البلاد.. وراهن على ابنه توفيق وخاب رهانه، إذ نفاه بمجرد توليه الخديوية بعد ابيه.. وصدر قرار النفي في بيان رسمي الأرض جاء فيه: إن جمال الدين سعى في بالإفساد وإنه رئيس جماعة من الشبان ذوي الطيش للعمل على فساد الدين والدنيا.. واستقر في مدينة حيدر أباد بالهند ثم ذهب إلى باريس، وأطلق (العروة الوثقى) التي صدر منها ۱۸ عدداً في الشهور.. والتقى فيها شاه ایران ناصر الدين.. فدعاه للعودة إلى إيران ولكنه لم يلبث أن تنكر له فطلب منه المغادرة فذهب إلى روسيا (بطرسبرج) وقابل القيصر الذي فزع من آرائه حول الحكومة الشورية وطلب منه مغادرة البلاد فأخذ يجول في أوروبا. ثم عاد ثانية إلى إيران بعد تصالحه مع الشاه، ولكن لم يطل هذا التصالح فطردة ثانية فغادر إلى لندن لم يلبث إلا قليلاً حتى جاءته دعوة من السلطان عبد الحميد لزيارة الأستانة فذهب (۱۸۹۲ م) ويبدو أن الدعوة كانت مخلصة من سلطان إلى مصلح أمين.. ولكن الخسيس لا يحتمل رؤية الشريف أبدًا... فكانت الوشايات وكانت النمائم.. فاستحال صاحبنا إلى أسد في سجن أسواره من ذهب.. إذ وفر له السلطان أرقى إقامة مع أرقى مراقبة وحصار.. حتى كانت النهاية. 

من الأشياء المهمة الجديرة بالتأمل في سيرة جمال الدين هي جرأته الشديدة في التعبير عن غضبه من تحالف بعض علماء الدين مع الطغاة، ومن هذا الباب تحديدًا كثر أعداؤه وشانئوه بطريق كان بالإمكان تجنبها، على أن بعض تلاميذه يرون أنه ما كان ليسعه مصانعة الحكام والسير في أهوائهم وتبرير مخازيهم، كما كان يفعل غيره وإلا لخفت صوته وماتت دعوته كان جمال الدين فيما يروى عنه يتمثل تجربة الإصلاح الديني في الغرب مارتن لوثر وكالفن وكان يرى أنه لا نهضة للشرق في غياب الدين، ولابد من فض هذا التحالف بين السلطة وعلماء الدين الرسميين.. وكان يرى أن هذا التحالف بعيد عن الرؤية الاسلامية الصحيحة في تحقيق منهج المناصحة للحكام الذي هو ضرورة من ضرورات الحياة السياسية لميل الحكام بالطبيعة والجبلة إلى الاستثثار بالسلطة والتفرد بالقرار، وهو الأمر الأقرب للزيغ والهوى منه إلى الرشد والمصلحة.. وكثيرًا ما كان يطلب منه تلميذه الأكبر محمد عبده قدراً أكبر من المجاملة والمهادنة مع هذه الفئة تحديدًا.. ولكن لا يستطيع الإنسان أن يكون في النهاية إلا نفسه كما يقولون...

 ومن الأشياء الطريقة في هذا الأمر أن السلطان عبد الحميد أراد أن يرسل بعثة من علماء الأستانة لنشر الإسلام في اليابان، بناءً على طلب إمبراطورها، فطلب مشورة جمال الدين الذي رفض الفكرة من الأساس قائلًا: إن العلماء نظروا المسلمين من الإسلام وأجدر أن ينفروا الكافرين والرأي أن ترسل إلى الإمبراطور هدايا مع كتاب تعده فيه بتلبية طلبه، ثم نجتهد في تخريج جماعة من العلماء يصلحون للدعوة ويدخلون إليها من بابها المعقول.

 قراءة البعد الفلسفي في شخصية جمال الدين- على ضوء نظرية (ما بعد) المنتشرة الآن في الفكر الاجتماعي والفلسفي مثل ما بعد الحداثة وما بعد العلمانية.. وما إلى ذلك- تجعلنا نوقن أن الرجل كان ذا بصيرة نافذة في تاريخ الفكر والحياة.. ورسالته الرد على الدهريين تعد من الرسائل الفلسفية العميقة التي تجيب عن الأسئلة الأولى: ما الإنسان؟ ما مصيره؟ أسباب السعادة؟ نشير فيها فقط إلى ما سماء قصر السعادة الإنسانية الذي يقوم على سنة أركان ثلاثة منها عقائد وثلاثة منها خصال جاءت بها كل الأديان... 

العقيدة الأولى: الإنسان كائن منفصل عن الطبيعة، فهو أشبه ما يكون بملك أرضي كرمه الله وأحسن خلقه ورفعه عن مستوى البهيمة.

 العقيدة الثانية: التمسك بالدين واتخاذه أساسًا للمدنية ليس نوعًا من التعصب، إنما هو نوع من الاعتزاز بالعقيدة، وهو الحافز القوي الذي يدعو أفراد كل مجتمع متدين إلى النهوض حتى تكون نهضته دليلاً على صدق عقيدته.

 العقيدة الثالثة :الإنسان ورد إلى الدنيا لاستحصال كمال بهيئه للمروج إلى عالم أرفع وأوسع من هذا العالم الدنيوي.

 وينتقل إلى الخصال الثلاث فيقول: الخصلة الأولى: الحياء. وهذه الفضيلة من أعمق الفوارق بين الإنسان والحيوان.. وأقوى أثرًا من أي قهر يوجبه المجتمع والقانون.

 الخصلة الثانية: الأمانة.. فجميع الصلات الاجتماعية تفترض وجودها، وإن قومًا يساسون بحكومة خائنة، إما أن ينقرضوا بالفساد وإما أن يأخذهم جبروت أمة أجنبية عنهم فيذوقوا من مرارة العبودية ما هو أشد من مرارة الانقراض.

 الخصلة الثالثة :التعاون الذي هو الحكمة ضرورة للفرد والمجتمع. وتلك هيا العميقة لغريزة الاجتماع التي فطر الله الإنسان عليها.

 ولا ننسى أن الأفغاني له نقد رائع للداروينية كفلسفة، سواء ما يتعلق منها بنشوء الإنسان أو في علاقات القوة بين الناس.

 سيرة الأفغاني وتاريخه وأفكاره أكثر ثراء وتنوعًا من الإحاطة بها في مقال... ولعلنا أحوج ما تكون هذه الأيام إلى استحضارها وتأملها في مواجهة أخطار شاسعة تكبر كل يوم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

132

الثلاثاء 07-أبريل-1970

من أعماق الأفغاني

نشر في العدد 6

139

الثلاثاء 21-أبريل-1970

مع القراء - العدد 6

نشر في العدد 20

457

الثلاثاء 28-يوليو-1970

نحو حركة إسلامية عالمية واحدة (1)