; الغنوشي: إننا نطالب بالحريات للإنسان ولكل الفئات السياسية | مجلة المجتمع

العنوان الغنوشي: إننا نطالب بالحريات للإنسان ولكل الفئات السياسية

الكاتب المحرر السياسي

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أغسطس-1981

مشاهدات 62

نشر في العدد 538

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 11-أغسطس-1981

• الذين يرون أن السياسة مرحلة متأخرة من مراحل العمل الإسلامي، فإنهم عمليًا يمارسون فصل الدين عن الدولة.

• يجب أن نحترم إرادة الجماهير إذا اختارت منهجًا غير منهجنا، فنحن لا نمثل وصاية على المجتمع.. فإذا اختار مجتمعنا -يومًا ما- أن يكون ملحدًا أو شيوعيًا فماذا نملك نحن؟

• نحن دخلنا الحياة السياسية في تونس للنضال من أجل تحقيق الحريات، وليس من أجل إقامة حكم إسلامي.

• الذي أخشاه أن تكون الحرية قضية ظرفية بالنسبة لنا نطالب بها وعندما يكون الأمر مناسبًا لنا.. ونطالب بمصادرتها وحل الأحزاب عندما يكون الأمر غير مناسب لنا.. وهنا يكون السقوط الرهيب.

• تقييم التجربة الإسلامية المعاصرة موضوع حساس، وهو كمبدأ مازال مرفوضًا عند البعض خوفًا من الحساسيات.. ومن ظهور العورات.. ومن منافسة بقية الجماعات.. وأنا أعتبر هذه الاعتبارات انحطاطية معوقة للعمل الإسلامي..

• مازال ضمير الحركة الإسلامية -في وعيه أو لا وعيه- يستنكف أن يكون طرفًا في المجتمع، ويستنكف من قضية الأحزاب، ويُصِّر أن يكون وصيًا رسميًا على المجتمع باسم المسلمين وباسم الإسلام.. وهذا خطأ سياسي شنيع.

تلتقي مجلة "المجتمع" بالأستاذ راشد الغنوشي رئيس حركة الاتجاه الإسلامي في تونس وحدث تونس الآني.. حيث اعتقل معظم أفراد حركة الاتجاه الإسلامي وزجوا في السجون، وعلى رأسهم الأستاذ راشد ويبلغ من العمر ٤٠ عاما ويعمل أستاذًا للفلسفة في مدارس تونس.. من مواليد مدينة «حامة قابس».

شخصية شعبية معروفة عند أوساط المصلين.. وفي حديثه هذا يطرح قضايا خطيرة تتميز بالجرأة والتأصيل والعمق.. ورغم أن مجلة «المجتمع» لا تتبنى بعض ما يطرحه الأستاذ راشد إلا إننا نؤمن بأن الحوار المفتوح هو أحد السبل السليمة للخروج بفهمٍ شاملٍ متقارب للإسلام في الحركة الإسلامية.

المجتمع: ليس في تونس فقط، ولكن في كل بقاع العالم الإسلامي تستغرب الفئات السياسية غير الإسلامية تدخل الإسلام بالسياسة، وتتساءل عن علاقة المتدينين بالسياسة فما ردكم على ذلك ؟

الغنوشي: إننا إذا تلقينا هذا السؤال على أساس الاستفهام الاستنكاري، فذلك هو العجب العجاب، حيث يحمل الدلالة على عدم فهم الواقع الذي نعيشه، وإذا كان لابد من التوضيح، فتجدر الإشارة إلى أن تنامي شغل المواطنين بالسياسة، إنما هو الظاهرة الصحية التي تشير إلى مدى اهتمام الناس بسير الأحداث واتجاهاتها وأسبابها في بلادهم، وهذا يدل بالتالي على أن البلاد قد قطعت خطوة ما، في طريق الخروج من التخلف، على أن وطننا العربي يعاني مشكلات حادة على المستوى الاقتصادي والثقافي والاجتماعي والسياسي.

فإن أغلب المواطنين فيه صاروا متضررين؛ بسبب انتشار الديكتاتوريات التي تفرض على المسلم عدم الاهتمام بالسياسة؛ لأنه مسلم على حد تعبير البعض، حيث يصرون على سحب حق المسلم بالمواطنة من خلال هذه المقولة التي تفرق بين ما هو ديني وما هو سياسي، وعلى الرغم من أن إسلامنا لا يسمح لنا أن نعيش بغيبوبة ترسم لنا، فإن الديكتاتوريات السياسية تحاول اجتزاء الفهم الإسلامي وتكريسه في الأطر العبادية فقط

ونحن نقول لهؤلاء دحضًا لمقولاتهم، لو رجعنا إلى القرآن الكريم لوجدنا تصويرًا واضحًا للمناخات والأجواء التي انطلق فيها عمل الفئة الإسلامية الأولى، والقرآن ليس كتابًا دينيًا بالمعنى التقليدي، بل هو نظام حياة نزل لينظم حياة البشر على أساس فلسفة معينة تربط الإنسان بربه، وتنظر إلى صلاحية الكون على أساس من الارتباط بالتوجيه الإلهي، وقد قدم الرسول صلى الله عليه وسلم صورة حية عن الوضع المثالي للمسلم الذي يتحسس سير الزمن، على حين أن كثيرًا من الطقوس العبادية الإسلامية تدخل المرء في غيبوبة تبعده عن مجريات الزمن، بينما تصر العبادة الإسلامية على الارتباط بالزمن.

وهكذا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بنظام جديد نظم الزمان والمكان، وعلم المسلم أن يكون حاضرًا في دورة الزمان والمكان، بحيث ينتظم كل شيء بإرادة إسلامية تشمل تنظيم كل مجالات الحياة الإسلامية، ومن هنا فإن تنظيم الإسلام هو سياسة الكون بأجمعه.

المجتمع: يرى بعض الإسلاميين أن العمل الإسلامي في تونس لم ينطلق من منطلقه الصحيح الذي يقوم أصلًا على العمل التربوي وتكوين القواعد القوية، حيث يعتقد البعض أن العمل في تونس انطلق في البدء إلى مواجهة الحزب الحاكم ومناقشة الأحزاب الأخرى سياسيًا دون الارتكاز إلى قاعدة تربوية روحية صلبة، وبهذا قد يحكم الاتجاه على نفسه بالانتحار.. فما رأيك؟

الغنوشي: يعتقد بعض الإسلاميين أن العمل السياسي يجب أن يكون مسبوقًا بمراحل ثلاث، الأولى: مرحلة التكوين العقدي، والثانية: مرحلة التكوين التربوي، والثالثة: مرحلة الترابط الأخوي، ثم تأتي المرحلة السياسية كمرحلة نهائية تتوج العمل الإسلامي، وهذا تنظير خاطئ للإسلام؛ ذلك أنه يفصل العقيدة عن الحياة، ونحن نعتقد أن هذا الطرح هو أثر من آثار عصر الانحطاط، حيث كان الفصل بين الدين والسياسة هو الأساس وان لم يكن منظرًا، لكن الغرب جاء بتصوراته فيما بعد فنظر ذلك بفصل الدين عن السياسة، وهذا أمرٌ وقع فيه بعض الإسلاميين عندما رأوا أن السياسة هي مرحلة متأخرة من مراحل العمل الإسلامي، وهذا يعني عمليا ممارسة الفصل بين الدين والسياسة، أما أن نتصور بأن التكوين العقائدي يجب أن يكون في المرحلة الأولى بعيدا عن العمل السياسي فهذا تصور خاطئ.

 ولعل هذا أثر مباشر لعلم الكلام الذي قدم العقائد الإسلامية من منظور يوناني، وجرد العقيدة عن واقعها أن القرآن المكي قدم التوحيد متفاعلًا مع حركة التاريخ، ولم يقدمه أبوابًا جامدةً، الباب الأول التوحيد والثاني الإيمان بالرسل والثالث الإيمان باليوم الآخر، إن هذا التقديم جرد التوحيد عن حركة الكون، ولقد كان له أثرٌ كبيرٌ في انحطاطنا، ويجعل المسلم غائبًا عن واقعه، وعلينا أن نتجاوز هذا التنظير الكلامي للعقائد الإسلامية.

المجتمع: لنفترض أن رأيكم صحيح، فهل تعتقدون أن "الاتجاه الإسلامي" في تونس يعمل بآن واحد لإيجاد وعي عقدي تربوي سياسي أم أنه انطلق مبتدئًا بالمطالب السياسية دون نشر الوعي الإسلامي بين الناس؟

الغنوشي: حتى الآن لم يطالب الاتجاه الإسلامي في تونس بالدولة الإسلامية.. ولا نرى أن هذا هو مطلب الحركة اليوم.. وتحقيق الدولة الإسلامية يجب أن يتم عن طريق الاتجاه الإسلامي.. فمن الخطأ أن نطالب غيرنا من الأحزاب بتحقيق أهدافنا وتطبيق الإسلام.. وبقدر ما ترتبط حلول مشكلات الناس بالإسلام بقدر ما نقترب من الحكم الإسلامي.. عندما يصبح العمل الإسلامي هو النضال من أجل الحريات السياسية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية والنضال من أجل الاستقلال عن المعسكرات الدولية بقدر ما نقترب من أهدافنا.. لذا فنحن دخلنا الحياة السياسية في تونس من أجل تحقيق الحريات، وليس من أجل إقامة حكم إسلامي.. وهذا المطلب هو القاسم المشترك الذي جمعنا مع بقية المعارضة السياسية رغم التناقضات الكبيرة.. لكن هناك تعاون وعمل مشترك.

المجتمع: إذا كان الأمر كذلك، فهل تعتقدون أن المعسكرين الغربي والشرقي المهيمنين على لعبة النفوذ في العالم واللذين يتبادلان المصالح سيتركون جو الحريات السياسة مفتوحًا للإسلاميين؟ وإذا كنتم لا تعتقدون هذا فهل سلكتم مسلكًا للوصول إلى هدفكم؟

الغنوشي: من الطبيعي أن يكون للإسلام أعداءٌ، لكن وجود الأعداء لا يجوز أن يكون مبررًا لهزائمنا، فالمصائب التي جاءتنا يفندها القرآن بقوله: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ ﴾ (آل عمران:١٦٥).

والقول بأن ذلك جاء من الصليبية أو اليهودية هو تبريرٌ قاصرٌ، ونحن نعتقد أن القوى العدوة ليست قادرة على مواجهتنا إذا توافرت لدينا أسباب ولادة المشروع الإسلامي، وعدم ولادة دولة إسلامية لا يعود بسببه إلى وجود معسكرات دولية، وإنما يعود إلى عدم نضجنا بعد، حيث إن المعوقات هي داخل فكرنا الإسلامي.

أما بالنسبة لموقف الأعداء من حرية العمل الإسلامي، فإن الحرية لا توهب لأنها نضال، ونحن نناضل من أجلها، والديمقراطيات التي يتمتع بها الغربيون هي ثمرة نضال طويل؛ لذا فإن رفع الأغلال الفكرية والنفسية والاقتصادية والاجتماعية مهمة أساسية من مهماتنا، والنضال من أجل الحرية هو من جوهر النضال من أجل الإسلام، وإذا اعتبرت الحركة الإسلامية أن الحرية ليست قضية جوهرية فذلك سقوط رهيب، والذي أخشاه أن تكون الحرية قضيةً ظرفيةً بالنسبة لنا، نطالب بها عندما يكون الأمر مناسبًا لنا، ونطالب بمصادرتها وحل الأحزاب عندما يكون الأمر غير مناسب لنا،

وهنا يكون السقوط الرهيب.. إننا نطالب بالحرية للإنسان أيًا كان.

المجتمع: إن ما ذهبت إليه يذكرنا بضربات الإخوان عام ١٩٤٨م، وعام ١٩٥٥م، والتجارب التي أفرزت نظرية تقول إن المدرسة الجماهيرية ذات العمل النقابي والتي مارسها الإمام حسن البنا لم تصل إلى النتائج المطلوبة، وكان نتيجة نقد المدرسة الجماهيرية بروز المدرسة التربوية التي تبلورت في كتابات الأستاذ سيد قطب، ما نريد أن نقوله إنكم عدتم تمارسون نفس التجربة الجماهيرية للإمام حسن البنا وإن انتقادات المدرسة التربوية مازالت قائمة مع العلم بأن الظروف الجوهرية لم تتبدل كثيرًا.. ألا ترون أنكم قد تصلون إلى نهاية شبيهة بتجربة الإخوان عام ١٩٤٨؟

الغنوشي: سؤال مهم.. ولعلني لن أستطيع الإجابة عليه إجابة تجلي نقاط الغموض وهي كثيرة.. إنني سأتحدث عما استقر في نفسي من قناعات وقد أُصيب وقد أُخطئ.. وهو موضوع حساس؛ لأنه يتعلق بتقييم التجربة الإسلامية، وهو كمبدأ مازال مرفوضًا خوفًا من الحساسيات وخوفًا على حركتنا أن تظهر عوراتها! وهذا دافعٌ يجعل البعض يحافظ على الماضي بتقديس رجاله.. وخوفا من منافسة الجماعات الأخرى التي تفرضها واقع الحزبية المكرس في العمل الإسلامي.. وأنا أعتبر هذه الاعتبارات انحطاطية ومعوقة للعمل الإسلامي.. والآن: هل ما سُمي بالتجربة الجماهيرية في العمل الإسلامي قد فشلت ومطلوب منا ألا نعود إليها؟ وأن نتوخى ما يسمى بالقاعدة الصلبة كما سماها الأستاذ سيد قطب.. وهو ما يمثل العمل الانتقائي النخبوي والانصراف عن الجماهير؟ علينا أن نحدد ما المقصود بالجماهيرية.. إن الجماهيرية لا تحدد بالكم رغم أن الكم أساسي فيها.. فالصوفية قد تستقطب في لحظة من الزمان أغلب من في المجتمع، ومع تلك لا نصفها بالجماهيرية.. الكثرة هي أحد شروط الجماهيرية ولكنها ليست كل الشروط.. فمن شروط الجماهيرية مضامين الحركة.. فإذا كانت مضامين الحركة متجهة إلى هموم الجماهير السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها.. كما أن من شروط الجماهيرية لأية حركة اعتبار الجماهير هي أداة التغيير، ومن خلالها يتم معالجة مشاكل الجماهير.. فالحركة التي تعتمد الأساليب العسكرية الانقلابية في تغيير الواقع لا تثق بقدرة الجماهير.. من خلال هذه المقاييس نستطيع أن نقيم حركة البنا وجماهيريتها..

فحركة البنا اتجهت إلى القطاعات العريضة من الناس، واستقطبت الطبقات الدنيا منهم والمحرومة كالعمال والطلاب.. وحركة البنا اهتمت بالقضية الوطنية والتحرر من الاستعمار بدرجة تفوق الاهتمام بقضية قيام الدولة الإسلامية، حتى إننا نستطيع أن نقول إن حركة البنا كانت حركة تحرر وطني بالدرجة الأولى.

أما الاهتمام بالقضايا الاجتماعية وهموم المواطن فلم تكن حركة البنا على درجة كبيرة من الاهتمام بها.. بل حصرت اهتمامها بالقضية الأخلاقية والتشهير بالميوعة والخمور والزنا.. لقد كانت حركة البنا تولي اهتمامًا بالغًا للقضايا التربوية، والأخلاقية والعقائدية بدرجة لا تقارن مع الاهتمام بالقضايا الاجتماعية والقضايا السياسية.

كما أن هناك خطًأ سياسيًا شنيعًا ارتكبته حركة البنا ولا يزال متواصلا وهو أن الحركة الإسلامية تقدم نفسها وصيًا على المجتمع وليس طرفًا سياسيًا أو فكريًا يستمد مشروعيته من قوة الحجة وإقناع الجماهير ببرامجه.. إن الحركة الإسلامية مازالت تستنكف بشدة أن تعتبر نفسها كغيرها من بقية الأطراف السياسية -شيوعية أو اشتراكية أو ديمقراطية- طرفًا في المجتمع.. ومن هذا المنطلق طالبت حركة البنا بحل الأحزاب، ومازال ضمير الحركة الإسلامية في وعيه -أو لاوعيه- يستنكف أن يكون حزبًا ويشمئز من قضية الأحزاب، ويصر على أن يكون ناطقًا رسميًا باسم المجتمع.. باسم الإسلام باسم المسلمين.

وكما أن حركة البنا لم تعتمد الجماهير أداة في للتغيير في الإطار الديمقراطي كذلك، فهي لم تعتمد الجماهير أداة للتغيير في الإطار الثوري الشعبي.. فهي لم تكن تؤمن بالثورة.. بل كانت تداري الحاكمين على نحو يميع التوتر الشعبي ويضبب الرؤيا.

كل هذا جعل حركة البنا بعيدة عن أن تكون حركة جماهيرية كاملة.. بل كانت منقوصة.. وإنها بعد البنا تراجعت كثيرًا وأهملت البعد الوطني.. كما إنها احتقرت الجماهير واتجهت إلى الأسلوب النخبوي الانتقائي أو ما يسمى بالقاعدة الصلبة.

المجتمع: ألا ترى أن هذه مثالية نظرية لا يمارسها أحد من الأحزاب في عالمنا الإسلامي.. فاليسار عندما يصل إلى الحكم يصبح ديكتاتوريًا.. وأتباع الاشتراكية الغربية كذلك وحال تونس شاهدٌ على ذلك.. وأتباع الاشتراكية الشرقية كذلك.. الجميع لا يتعامل مع هذه المثالية، بل يحتكر السلطة ويحتكر معها التعبير عن الرأي؟

الغنوشي: إن أهم ما يميز مجتمعات التخلف هو الاستبداد وسحق كرامة الإنسان.. وإذا أرادت الحركة الإسلامية أن تقدم نفسها نقيضًا للتخلف والانحطاط.. وإذا أرادت أن تكون خطوة لتجاوز هذا الواقع، فلابد أن تعبر عن إرادة هذه الأمة في تجاوز هذا الانحطاط..

إن الاستبداد ليس حديثًا ولم يأت عن طريق العملاء الغربيين.. إنه عميق في تاريخنا وتفكيرنا وثقافتنا.. لقد بدأ منذ الانقلاب الأموي الرهيب ليستمر في انحراف تاريخي رهيب کرس وصاية طغاة كراسي الأنظمة الوراثية وبرره.. وهذه الوصاية سحقت شخصية المسلم وأدت إلى حرف المفهوم السياسي والثقافي.. ولقد ولدت هذه الوصاية انحطاطًا في العقيدة كرسها عقائد الجبر وسلب إرادة الفرد أمام القوى.. إن المسلم كان منسحقًا سياسيًا أمام السلطات وعقائديًا أمام عقيدة الجبر وإراديًا أمام رجال الصوفية وفكريًا أمام رجال المذاهب.. ومازال الاستبداد مكرسًا في الحركة الإسلامية، فالأفراد مسحوقون أمام الزعماء الحركة أو أمير الجماعة.. إننا ثمرة مجتمع متخلف لهذا المنظور، ورغم عهر الإنسان الغربي وفساده إلا إنه متقدم علينا يعيش تجربة حضارية رغم ما فيها من ألوان الانحدار.. إن الفئات السياسية بكل شرائحها في العالم الإسلامي ثمرة التخلف والاستبداد.. وإننا إذا كنا مثاليين فلأننا نعيش مع أناس ديكتاتوريين متخلفين.. وإذا أردنا أن نكون مثلهم فإننا نريد الانحطاط أن يستمر.. ما زلت أؤكد أن تحقيق أهدافنا يجب أن يمر عبر الجماهير التي تصوت لبرنامجنا.. كما يجب أن نحترم إرادة الجماهير إذا اختارت منهجًا غير منهجنا، فنحن لا نمثل وصاية على المجتمع فإذا اختار مجتمعنا أن يكون يومًا ما ملحدًا أو شيوعيًا فماذا نملك نحن؟

المجتمع: كيف تبرر قيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه بمحاربة أهل الردة وإرجاعهم بالقوة إلى سلطان الدولة الإسلامية؟

الغنوشي: أبوبكر الصديق لم يشن حربًا ضد حركة فكرية أو سياسية، وإنما شن حربه ضد تمرد عسكري لم يقدم فيه مسيلمة الكذاب فكرة أو برنامجًا، ذلك أن الإسلام لا تخيفه البرامج، فأعداؤنا لا يمكن أن يهددوننا بالأفكار وإنما لديهم الذي يهددوننا به فقط، وعلينا نحن أن نجرهم إلى ساحة المعركة الحقيقية التي هي ساحة المعركة بالحجة والبرنامج.

المجتمع: ألا ترى أن الجاهلية كانت تمثل منهجًا وبرنامجًا سياسيًا ومع ذلك لم يسمح لها رسول الله صلى عليه وسلم بالبقاء في الجزيرة العربية؛ حيث إن الإسلام أمر ألا يتواجد في الجزيرة العربية دينان؟

الغنوشي: المثال الإسلامي للمجتمع النموذجي هو مجتمع المدينة الذي قام على أساس الميثاق بين الجماعة الإسلامية والفئات السياسية الأخرى يهودية كانت أو مشركة، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يشن عليها حربًا إلا بعد أن نقضت الميثاق ولجأت إلى العنف.

المجتمع: الذي تعنيه هو أن الإسلام لم يسمح في النهاية بتواجد منهج آخر في الجزيرة، بل لم يعط الحق للإنسان العربي أن يظل مشركًا.. والإسلام عامل النصارى واليهود من خلال التاريخ كفئات أقلية ليس لها كامل حقوق المواطنة.. فكانوا يميزون بملابسهم ولا يحق لهم تسلم المناصب الحساسة في الدولة أو دخول الجيش.. بل يجب أن يتصفوا بالذلة والصغار عند دفعهم الجزية.. كما ورد في الحديث الذي يأمرنا أن نضيقهم في الطريق ونضطرهم إلى أضيقه.

الغنوشي: هذه الصورة تنفر الناس.. وتلك النصوص ينبغي أن ينظر بها أولًا من حيث السرد التاريخي والرواية والسند، فإن ثبت صحتها وجب تأويلها على النحو الذي ينسجم مع ما ثبت في المجتمع المدني النموذجي الذي نعرفه من خلال الممارسة وليس من خلال النصوص.

المجتمع: في مجتمع المدينة لم يسمح لفئة المنافقين بالتعبير عن الرأي أو معارضة السلطة!

الغنوشي: المنافقون كانوا أُولي مصالح ولم يكنْ لهم نظرية متكاملة في الكون أو السياسة أو الأخلاق؛ لذا فقد رأوا في نموذج الإسلام ما يتجاوز ما عندهم من فكر ووسيلة؛ حيث استقطب الناس فأكل الحسد قلوبهم فكادوا للإسلام؛ لأنهم لم يتمكنوا من الوقوف أمامه بالحجة، فلجأوا إلى النفاق ومشكلتهم على هذا هي مشكلة نفسية وصفها القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ (البقرة:١٠) وليسوا أصحاب مشكلة فكرية.

الرابط المختصر :