; الغِيبة.. وحركة الحياة (2 – 2)حالات جواز الغيبة | مجلة المجتمع

العنوان الغِيبة.. وحركة الحياة (2 – 2)حالات جواز الغيبة

الكاتب د. عامر البو سلامة

تاريخ النشر الثلاثاء 01-يناير-2019

مشاهدات 83

نشر في العدد 2127

نشر في الصفحة 51

الثلاثاء 01-يناير-2019

لا غيبة لمن يجاهر بفسقه أو بدعته كالمجاهر بشرب الخمر ومصادرة أموال الناس وأخذ المُكس

إذا كان الإنسان معروفاً بلقب كالأعمش والأعرج جاز تعريفه بذلك ويحرم إطلاقه على جهة التنقص

لنحذر من أن تخترق قيم وتهتك أعراض باسم المصلحة العامة أو تنسب النقائص للناس باسم الجرح والتعديل

 

إذا كان شأن الغيبة خطراً وكارثة ومصيبة على دين المرء ودنياه، ومستقبله الأخروي، يوم لقاء الله، كما ذكرنا في العدد السابق؛ فكيف تستقيم الحياة؟ وكيف تكون حركة الحياة؟ وكيف نوفق بين هذا وبين حاجتنا إلى الجرح والتعديل، وفي مجالات الحياة كافة، في الرواية والقضاء والزواج والتجارة والشراكات وتقلد المسؤوليات، وفي التزكية وعكسها؟ 

ألا تعتبر الغيبة تعطيلاً لشؤون الحياة؟! وكيف تدور عجلة الحياة مع وجود هذه الضوابط الصارمة؟ سؤال يطرح نفسه بقوة. 

والجواب أن ما يذكر من شأن الغيبة، هو الأصل الذي يجب أن يجعله المرء نصب عينيه، حتى لا يقع في مستنقع هذه الكبيرة العظيمة، وهذا الأصل له استثناءات، تقدر بقدر الحاجة لمثل هذا الخروج عن الأصل، لذا لزم التقيد بحدود الضرورة، ولا يجوز الزيادة عليها.

ومن الحالات التي لا تدخل في باب المنهي عنه ما ذكره الإمام النووي يرحمه الله تعالى، أذكرها بشيء من التصرف:

الأول‏:‏ التظلم، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية أو قدرة على إنصافه من ظالمه، فيقول: ظلمني فلان بكذا‏.‏

الثاني‏:‏ الاستعانة على تغيير المنكر، ورد العاصي إلى الصواب، فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر‏:‏ فلان يعمل كذا، فازجره عنه ونحو ذلك، ويكون مقصوده التوصل إلى إزالة المنكر، فإن لم يقصد ذلك كان حراماً‏.‏

الثالث‏:‏ الاستفتاء، فيقول للمفتي‏:‏ ظلمني أبي، أو أخي، أو زوجي، أو فلان بكذا، فهل له ذلك؟ وما طريقي في الخلاص منه، وتحصيل حقي، ودفع الظلم‏؟‏ ونحو ذلك، فهذا جائز للحاجة، ولكن الأحوط والأفضل أن يقول‏:‏ ما تقول في رجل أو شخص، أو زوج، كان من أمر كذا‏؟‏ فإنه يحصل به الغرض من غير تعيين، ومع ذلك، فالتعيين جائز كما سنذكره في حديث هند إن شاء الله تعالى‏.‏

الرابع‏:‏ تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم، وذلك من وجوه‏:‏ منها جرح المجروحين من الرواة والشهود، وذلك جائز بإجماع المسلمين، بل واجب للحاجة‏.‏

ومنها المشاورة في مصاهرة إنسان، أو مشاركته، أو إيداعه، أو معاملته، أو الدخول معه في مشروع سياسي أو اقتصادي، أو مجاورته، أو غير ذلك، من الصور والحالات المتشعبة التي تنتظم شؤون الحياة، ويجب على المشاور ألا يخفي حاله، بل يذكر المساوئ التي فيه بنية النصيحة، وفعل الخير، وبذل المعروف‏.‏

ومنها إذا رأى متفقهاً يتردد إلى مبتدع، أو فاسق يأخذ عنه العلم، وخاف أن يتضرر بذلك، فعليه نصيحته ببيان حاله، بشرط أن يقصد النصيحة، وهذا مما يغلط فيه، وقد يحمل المتكلم بذلك الحسد، ويلبس الشيطان عليه ذلك، ويخيل إليه أنه نصيحة فيتفطن لذلك‏.‏

ومنها أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها‏؛‏ إما بألا يكون صالحاً، وإما أن يكون فاسقاً، أو مغفلاً، ونحو ذلك فيجب ذكر ذلك لمن له عليه ولاية عامة ليزيله ويولي من يصلح، أو يعلم ذلك منه ليعامله بمقتضى حاله، ولا يغتر به، وأن يسعى في أن يحثه على الاستقامة أو يستبدل به‏.‏

الخامس‏:‏ أن يكون مجاهراً بفسقه أو بدعته كالمجاهر بشرب الخمر، ومصادرة أموال الناس، وأخذ المُكس، وجباية الأموال ظلماً، وتولي الأمور الباطلة، فيجوز ذكره بما يجاهر به، ويحرم ذكره بغيره من العيوب، إلا أن يكون لجوازه سبب آخر ما ذكرناه‏.‏

السادس‏:‏ التعريف، فإذا كان الإنسان معروفاً بلقب؛ كالأعمش والأعرج والأصم والأعمى والأحول.. جاز تعريفه بذلك، ويحرم إطلاقه على جهة التنقص، ولو أمكن تعريفه بغير ذلك كان أولى‏.‏

فهذه ستة أسباب ذكرها العلماء وأكثرها مجمع عليه، ودلائلها من الأحاديث الصحيحة مشهورة‏.، فمن ذلك‏:‏

- عن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ «ائذنوا له، بئس أخو العشيرة‏!‏‏»‏ ‏‏(‏متفق عليه).

احتج به البخاري في جواز غيبة أهل الفساد وأهل الريب‏.‏

- وعنها قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏»‏ما أظن فلاناً وفلاناً يعرفان من ديننا شيئاً‏»‏ (‏رواه البخاري)،‏ قال الليث بن سعد، أحد رواة هذا الحديث‏:‏ هذان الرجلان كانا من المنافقين‏.‏

- وعن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها قالت‏:‏ أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت‏:‏ إن أبا الجهم ومعاوية خطباني،‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ‏‏»‏أما معاوية، فصعلوك لا مال له، وأما أبو الجهم، فلا يضع العصا عن عاتقه‏»‏ (متفق عليه‏)‏.‏

وفي رواية لمسلم‏:‏ ‏»‏وأما أبو الجهم فضراب للنساء‏»‏، وهو تفسير لرواية‏:‏ ‏»‏لا يضع العصا عن عاتقه‏»،‏ وقيل‏:‏ معناه‏:‏ كثير الأسفار‏.‏

- وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال‏:‏ خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر أصاب الناس فيه شدة، فقال عبدالله بن أُبي‏:‏ لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، وقال‏:‏ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته بذلك، فأرسل إلى عبدالله بن أُبي، فاجتهد يمينه‏:‏ ما فعل، فقالوا‏:‏ كذب زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوقع في نفسي مما قالوا شدة حتى أنزل الله تعالى تصديقي: «‏إذا جاءك المنافقون»، ثم دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم فلووا رءوسهم. (متفق عليه‏)‏.‏

- وعن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ قالت هند، امرأة أبي سفيان، للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه، وهو لا يعلم‏؟‏ قال‏:‏ ‏»‏خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف‏»‏ (‏متفق عليه‏)‏.‏

ملاحظة وتحذير: 

أخطر ما في الموضوع أن تستغل هذه الاستثناءات استغلالاً سيئاً، ويغوي الشيطان المرء فيوقعه بأحابيله فيستطيل طعناً وجرحاً وإفراغاً لشهوة الانتقام من فلان أو علان، فربما باسم المصلحة العامة تخترق قيم وتهتك أعراض، وربما باسم الجرح والتعديل، لا تترك نقيصة إلا وتنسب لهذا أو ذاك.

من هنا حذر العلماء من هذا أيما تحذير، وقالوا: إذا كنت تكتفي بكلمة –في أبواب ما ذكر– فلا يجوز أن تضيف ثانية، وإذا أوصلت الرسالة بجملة فالجملة الثانية حرام، وهكذا، فإذا فقهنا هذا المعنى، وطبقناه بهذه الروحية، حققنا المقصد المرجو، وفيه طاعة الله وعبادته، وإلا كان الأمر استغلالاً لهذا المعنى، والولوج من خلاله إلى معان ترضي الشيطان وتغضب الرحمن.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 593

71

الثلاثاء 02-نوفمبر-1982

تساؤلات وإجابات العدد 593

نشر في العدد 1945

62

السبت 26-مارس-2011

جهاز مباحث أمن الدولة