; الفاتيكان مؤسسة سياسية معادية للإسلام | مجلة المجتمع

العنوان الفاتيكان مؤسسة سياسية معادية للإسلام

الكاتب مشعل الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 07-ديسمبر-1982

مشاهدات 72

نشر في العدد 598

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 07-ديسمبر-1982

  • بولس الثاني.. سياسة تنصيرية

  • ماركوس نال بركة البابوية بضرب المسلمين

  • السياسة في الدين حلال على الفاتيكان حرام على المسلمين

  • تنصير لبنان كان وما يزال قضية الفاتيكان الأولى

  • تدويل القدس أكذوبة سياسية هدفها تكريس الواقع الإسرائيلي

بابا الفاتيكان والنشاط التبشيري:

الوجه السياسي لبابوات الفاتيكان هو الوجه الوحيد المعبر، والذي يعطيهم دورًا بارزًا في كل شئون العالم؛ لأن مصادر شرعتهم لم تترك لهم خيارًا سوى تسيس الدين، فهو المجال الأرحب لاستيعاب طاقات الفاتيكان الهائلة «۱۲ بليون دولار» وإذاعة تبث إعلامًا تنصيريًا بثلاثين لغة باسم مجلس الكنائس العالمي بمختلف طوائفه.

وأكثر من مائة سفير ديبلوماسي يجوبون عواصم الدنيا للمشاركة في أحداثها أو التخطيط لتلك الأحداث بتوجيه من البابا، ناهيك عن عشرات الألوف من المبشرين والمبشرات الذين يعملون لنشر عقيدتهم في أرجاء الدنيا بكل حرية وأمن.

بل يمارس بعضهم نشاطه التبشيري في عواصم العالم الإسلامي بحرية، وفي ظل ضمانات رسمية يحسدهم عليها سكان تلك العواصم، بينما دعاة الإسلام يؤدون صلواتهم في صمت وراء القضبان، وليس غريبًا أن ينشط كل داعية لنشر دينه.

ولكن المستهجن من هذه المؤسسة بغضها الشديد وحنقها إذا ما سمعت صوت مسلم يدعو لدينه وتطبيق شريعة الإسلام، وتسخيرها لكل الطاقات التي يمتلكها العالم الصليبي لتجميد المعاني السياسية للإسلام وتشويهها، في نظر العالم ونظر بعض حكامنا الذين يهرعون جماعات وفرادى لمقابلة «البابا»، بينما دعاة الإسلام يقصون حتى عن بيوت الله في بعض البلدان!

ورغم معرفة «البابا» بأن منصبه لو فرغ من الدور السياسي الذي يقوم به لاقتصر على تراتيل ممسوخة يؤديها، لا ينضوي تحتها أي معنى لحياة الإنسان، ورغم علمه بأن الإسلام دين شمولي، لا يترك صغيرة ولا كبيرة من أمور الإسلام إلا وربطها بأسباب السماء، إلا أنه ينكر على المسلمين تطبيق شريعتهم، ويرى في هذا العمل ثورة تهدد العالم الغربي بأسره، ولا يخفى قلقه الزائد نحو المد الإسلامي، ويعمل صباح مساء ومن ورائه جيوش الصليبية في العالم الغربي وعملائه الذين زرعهم في بعض ديار الإسلام، لرصد وإعاقة التقدم الإسلامي تحت مسميات كثيرة منها:

أولًا: التعاون الإسلامي المسيحي:

وهذا منزلق خطير يغري بعض الناس من أبناء أمتنا، حيث يطيب لهم الحديث عنه، متناسين أن البابا لا يتذكر الحديث عنه إلا عندما يرمي إلى استغلال طاقات المسلمين؛ لتحقيق غرض معين ويقال: إن البابا توسع في الحديث عن هذا التعاون غداة تنصيبه لـ ٩٠ كاهنًا على أرض نيجيريا المسلمة، وراح يذكر النقاط المشتركة بين الديانتين، ونسى - في غمرة حديثه عن هذا التعاون - أو تناسى أن الصليبيين في نيجيريا يستأثرون بمقاليد بلد غالبيته مسلمة، ويتاجرون بثرواتها لصالح العالم الصليبي، نسي أن يحدث رعاياه من الحكام هناك عن العدالة بين أفراد المجتمع وعن الحرية الدينية، كما ينبغي أن تكون، والتعاون الإسلامي- المسيحي هدف لأي شيء؟ هل المقصود به التعاون على نشر الإسلام؟ أم التعاون لنشر المسيحية؟ وإذا كان التعاون حقيقة لنشر أي من الديانتين أو كلاهما، فما سر انزعاج البابا من المد الإسلامي المطرد في إفريقيا، وزياراته إلى عواصمها؛ لتدعيم المراكز المسيحية هناك على حساب شعوب مسلمة؟ مما أسفر عنه اضطرابات أدت إلى طرد الحكام المسلمين في كل من الكاميرون وفولتا العليا؟ 

إن البابا لم يترك طريقًا إلا سلكه لإعاقة المد الإسلامي. ولم ينس حتى باكستان التي زارها لدعم صمود المسيحيين هناك في وجه المد الإسلامي، وهل ينسى المسلمون المدعوون للتعاون مع البابا مباركة ضيافته لكارلوس الفلبين وديكتاتورها المتسلط الذي ذبح وما يزال آلافًا من المسلمين في جنوب الفلبين–هل كانت زيارة البابا لهذا السفاح مكافأة منه على ما جناه في حق المسلمين أم ليعطيه موعظة في التعاون الإسلامي المسيحي؟!

كان الأحرى أن تكشف أهداف هذا التعاون؛ لأن ما تغلف به أهوى من أن يحجب مغزاها... ذلك المغزى الذي يمكن طرح بعض جوانبه كما يلي:

١- أن تستغل إمكانات العالم الإسلامي الاقتصادية مثل النفط والذي يرى فيه البابا عاملًا من عوامل نهضة العالم الإسلامي وسلاحًا–على المدى المنظور–لدعم المد الإسلامي الذي بدأ فعلًا في المنطقة أن يستغل هذا، بالإضافة إلى الكم البشري في مواجهة الشيوعية، بيد أن معركة الإسلام مع الشيوعية لن تكون أبدًا بإذن الله مشاركة مع الصليبية، أو في ظل رايات الصليب الذي عمل أتباعه على إذلال الإسلام وأهله قرونًا، لم يبرأ من جراحها حتى الآن.

٢- أن ينحصر التعاون الإسلامي–المسيحي مع بعض الحكام الذين يتربعون فوق كراسي الحكم في الدول الإسلامية، لا مع المد الإسلامي الحقيقي، وكلما أظهر بعض الحكام عندنا عداوة للمد الإسلامي وتعلقًا بالعلمانية، كلما ازداد تأييد الغرب الصليبي له ولسياسته، وامتلأت خزائنه من القروض والهبات وصدره بالنياشين، وجوائز نوبل ومجالس الكنائس العالمية والأمس القريب شاهد.

٣- أن يجرد الإسلام من أحكامه العملية؛ ليصبح صورة الإسلام كنسي يدعو إلى المحبة والتعاون بين الطوائف في حدود الروحانيات، لا يتعداها إلى المجال التطبيقي، وإلا فإنه يعتبر وقتذاك–تعديًا على حقوق الأقلية، وإثارة الشعرة الطائفية التي لا يرضاه البابا ولا رعاياه في الغرب المسيحي، والبابا الأصغر شنودة دور في نشر فكرة هذا التعاون ودعوته لتوحيد المناهج الدراسية الدينية في مصر، كامتداد لدعوة الفاتيكان وللمخطط الصليبي؛ لتجريد الإسلام من شموليته، ولما أظهر الشعب المصري جدية في تطبيق الشريعة؛ هرع البابا شنودة إلى واشنطن، يشكو السادات إلى كارتر الذي وجه تحذيره إلى السادات، فما كان من الأخير إلا أن وعد كارتر بأنه لن تطبق الشريعة الإسلامية في مصر ما دمت حيًا ،ولم يهدأ البابا الأصغر شنودة إلا بعد أن تسبب في إدخال الإسلاميين في مصر في السجون والمعتقلات، وخرج من المعركة منتصرًا باسم التعاون الإسلامي المسيحي.

ثانياً–القدس، فلسطين، لبنان الصهيونية:

لا يفتأ البابا أن يتحدث في كل مناسبة عن تدويل القدس، وجعلها مزارًا للأديان الثلاثة، والتأكيد على الحفاظ على وضع مدينة القدس في أي تسوية سلمية في الشرق الأوسط، ولم يرد بيان يوضح كيف يتم الحفاظ على المدينة، ومن هي القوى التي ستشرف على التدويل، ومما لا شك فيه أن العالم الصليبي هو الذي سيقوم بعملية التدويل–هذا إن كانت دعوة البابا جدية، وتتمشى فعلًا بعد الظروف التي أعلنت فيها «إسرائيل» جعل القدس العاصمة الأبدية لها–والقوى الصليبية هي التي دعمت وسلحت الكيان الصهيوني؛ ليصل بمصير القدس إلى هذا القرار، فهل أهداف البابا تعمل بمعزل عن السياسة الأمريكية، بالعكس إن مبعوثي الرؤساء الأمريكيين لا يعودون إلى واشنطن من الشرق الأوسط إلا بعد أن يعرجوا على الفاتيكان< لأخذ البركة على جهودهم من البابا، فالسياسة الأمريكية البابوية تتوحد خططًا وقرارات؛ ليقوم الكيان الصهيوني في النهاية بتنفيذها حسبما رسمت له.

أما استعادة فلسطين وعودة شعبها إليها، فقلما تحتل في حديث البابا شيئًا، إلا إذا دعت ظروف دولية كبرى، مثل ذكر مذابح صبرًا وشاتيلا، وخروج الفلسطينيين من لبنان، أو في مقابلاته مع الحكام العرب، فهنا تقتضي دواعي المجاملة أن يذكر شيئًا عن حقوق الفلسطينيين. 

نقول: دواعي المجاملة؛ لأن الكتاب المقدس يحتم على البابا أن يؤمن بأرض الميعاد حقًّا لليهود.

ولبنان شهدت وما زالت تشهد نشاطًا مكثفًا للقصاد الرسوليين من قبل البابا لتسليم مقاليد الأمور فيها للمارونيين، فالكاردينال كوك رئيس أساقفة أمريكا الشمالية زار لبنان أثناء حكم الرئيس كارتر، ولخص انطباعاته واقتراحاته في مذكرة قدمها إلى الرئيس الأمريكي، وحثه فيها آنذاك على المبادرة إلى العمل لمساعدة لبنان، والواقع أن اهتمام الكنيسة الكاثوليكية الأمريكية بمرونة لبنان انعكاس لاهتمام الكرسي الرسولي بهذه القضية، وحرص البابا يوحنا بولس الثاني على تأمين هذا الحل للقضية التي تشغله أكثر من أي قضية أخرى في المشرق؛ لأنه يرى أنه إذا سقطت الصيغة اللبنانية أي «هيمنة المارونيين على البلاد» ستسقط الصيغ المشابهة في المشرق وإفريقيا، والمعنى أنه إذا قوي المسلمون في لبنان فستسقط كل الأنظمة العلمانية في العالم الإسلامي، والتي تعتبر ظهير للصليبية الغربية؛ لبعدها عن جوهر الإسلام الحقيقي.

وهكذا هجمت المخططات البابوية الأمريكية الأوروبية، وأفرزت قوات متعددة الجنسيات لتعيد السلطة المارونية إليها.

مع الحركة الصهيونية:

وللحديث عن علاقة الفاتيكان بالحركة الصهيونية مجال أوسع.

ولعل أبرز أحداثه وثيقة تبرئة اليهود من صلب المسيح ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (النساء: ١٥٧)

والمهم فيها أنها وضعت العلاقات السياسية بين الفاتيكان والكيان الصهيوني، أمام مسار تاريخي جديد من التعاون ضد الإسلام وأهله، ففي عام ١٩٦٤ زار البابا بولس السادس الجزء من القدس الواقع تحت احتلال اليهود؛ اعترافًا لهم بالأحقية فيه، ويقال: إن هناك دعوة موجهة من إسحاق نافون رئيس الكيان الصهيوني إلى البابا يوحنا بولس الثاني لزيارة القدس تكملة للاعتراف الأول، ووقتذاك سيصبح لمعنى التدويل مفهومه الواضح، والذي يخضع للتفسير اليهودي بجعل القدس عاصمة للكيان الصهيوني إلى الأبد، وأن تكون الجهة المشرفة على المقدسات المسيحية إسرائيل مفوضة من قبل الفاتيكان، أما الاعتداء على المقدسات الإسلامية في القدس مثل حرق المسجد الأقصى، وإباحة الصلاة لليهود في المسجد الإبراهيمي، وتهديم حائط البراق الذي أسرى منه الرسول صلى الله عليه وسلم، مثل هذا الاعتداء يهدف إلى قطع أي ذريعة للمسلمين للمطالبة بأماكنهم المقدسة بعد أن تزال وتستبدل، أما البابا فلا تعنيه هذه الإجراءات ما دامت مقدساته مصونة في ظل الحراب الأمريكية.

الرابط المختصر :