العنوان الفاتيكان والإسلام (۳).. الافتراء على رب العالمين!
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 31-مارس-2007
مشاهدات 54
نشر في العدد 1745
نشر في الصفحة 38
السبت 31-مارس-2007
الكنيسة أرسلت كريستوفر كولمبس إلى الأمريكتين ليجمع الذهب من أجل تمويل حملة صليبية جديدة لاغتصاب القدس.. وجهزت حملة ماجلان لتنصير الفلبين التي كانت مسلمة وعاصمتها «أمان الله»
أثناء الحملة الفرنسية على مصر عهد كليبر إلى المعلم يعقوب حنا أن يفعل بالمسلمين ما يشاء!
عام 1930م أعلن الكرادلة والقساوسة وهم يحتفلون بمرور 100 عام على احتلال الجزائر أن عهد الهلال في البلاد قد ولى وأن عهد الصليب قد بدأ
إذا كان المرء يعجب كل العجب من أن يبلغ الخيال المظلم والمريض بالكنيسة الأوروبية - بابواتها وقساوستها .. وشعرائها .. وعوامها - هذا المستوى الغريب والعجيب والمريب في الافتراء على الإسلام والمسلمين..
فإن هذا العجب يتزايد عندما يرى هذا التراث من كثافة الكراهية السوداء، لا يزال باقياً وفاعلاً .. دون نقد أو مراجعة .. بل يراه فاعلاً وموجهًا لبابا الفاتيكان -أستاذ الفلسفة - بنديكتوس السادس عشر في القرن الواحد والعشرين!!
ويا ليت الأمر قد وقف عند هذا البابا - ذي التوجهات المحافظة الأصولية - بالمعنى الغربي - وإنما الأدهى والأمر أننا أمام تراث من العداء للإسلام والافتراء على رموزه ومقدساته، يحرك هذه المؤسسة الكبرى التي يتربع على عرشها هذا البابا..
فهذه الكنيسة هي التي هيجت أوروبا وأعلنت وقادت أولى الحروب العالمية على الإسلام.. الحروب الصليبية التي دامت قرنين من الزمان (489 - 690هـ - 1069- 1291م)..
وهي التي زكت وصمتت صمت الرضا - بل وشاركت بالتنصير - في الغزوات الأوروبية الحديثة لاستعمار العالم الإسلامي على امتداد القرون الخمسة الممتدة من إسقاط غرناطة والأندلس سنة 1492م وحتى هذه اللحظات!
وهي التي أرسلت كريستوفر كولمبس (1451 -1506٦م) ليجمع الذهب -بعد إبادة سكان الأمريكتين- لإعداد حملة صليبية جديدة ضد عالم الإسلام، لإعادة اغتصاب القدس وفلسطين!!.. ويومها كتب إلى البابا إسكندر السادس (1492- 1503) فقال:
لقد اضطلعت بهذه المهمة -(الرحلات إلى أرض الذهب في أمريكا)- لننفق ما سوف نكسبه منها في رد الديار المقدسة. وبعد أن ذهبت إلى هناك، ورأيت الأرض كتبت إلى الملك فرديناند ، (1479 - 1516م) والملكة إيزابيلا (1474 - 1504م): إنه منذ ذلك اليوم، وعلى مدار سبع سنوات سوف أحتاج إلى خمسين ألفًا من الجنود المشاة وخمسة آلاف فارس لفتح الديار المقدسة!!(1).
وهي التي أرسلت فاسكودي جاما (1469 - 1524م) ليلتف حول العالم الإسلامي.. تمهيدا لضرب قلب العالم الإسلامي سنة 1497م.
وهي التي أرسلت ماجلان (1480 - 1521م) ليحارب المسلمين في الفلبين سنة 1521م.. ولتنصير الفلبين التي كانت مسلمة، واسم عاصمتها أمان الله ..
وهي التي أعلن مطرانها في باريس بحضرة الملك الفرنسي شارلمان العاشر (1824 - 1830م) عند احتلال الجزائر سنة 1830 م: إنه يحمد الله على كون الملة المسيحية انتصرت نصرة عظيمة على الملة الإسلامية وما زالت كذلك (2).
كما أعلن كرادلتها وقساوستها وهم يحتفلون سنة 1930م بمرور مائة عام على احتلالهم للجزائر: «إن عهد الهلال في الجزائر قد غبر، وإن عهد الصليب قد بدأ، وإنه سيستمر إلى الأبد، وإن علينا أن نجعل أرض الجزائر مهدًا لدولة مسيحية، مضاءة أرجاؤها بنور مدينة منبع وحيها الإنجيل!!.. وإن مغزى هذه المهرجانات هو تشييع جنازة الإسلام بهذه الديار!!» (۳).
وهي التي عهد جنرالها كليبر (1753 - 1800م) - إبان الحملة الفرنسية على مصر إلى المعلم يعقوب حنا (1745م - 1801م) «أن يفعل بالمسلمين ما يشاء.. حتى تطاولت النصارى على المسلمين بالسب والضرب ونالوا من أعراضهم، وأظهروا حقدهم. وصرحوا بانقضاء ملة المسلمين وأيام الموحدين !!(٤).
وهي المؤسسة الكنسية التي يقود كرادلتها -في واقعنا المعاصر- وليس فقط البابا بنديكتوس السادس عشر حرب التخويف من الإسلام.. فيقول الكاردينال «بول بوبار» مساعد بابا الفاتيكان يوحنا بولس الثاني.. ومسؤول المجلس الفاتيكاني للثقافة:
«إن التحدي الذي يشكله الإسلام يكمن في أنه دين وثقافة ومجتمع وأسلوب حياة وتصرف، في حين أن المسيحيين في أوروبا يميلون إلى تهميش الكنيسة.. إن الإسلام يمثل تحديا لأوروبا وللرب عمومًا .. وإن المرء لا يحتاج إلى أن يكون خبيرًا ضليعًا لكي يلاحظ تفاوتا متزايدا بين معدلات النمو السكاني في أنحاء معينة من العالم؛ ففي البلدان ذات الثقافة المسيحية يتراجع النمو السكاني بشكل تدريجي، بينما يحدث العكس في البلدان الإسلامية.
وفي مهد المسيح، يتساءل المسيحيون بقلق عما سيحمله لهم الغد، وعما إذا لم يكن موتهم مبرمجًا بشكل ما» (٥).
أما الكاردينال المونسنيور جوزيبي برنارديني، فإنه يقول.. في حضرة البابا يوحنا بولس الثاني:
إن العالم الإسلامي سبق أن بدأ يبسط سيطرته بفضل دولارات النفط.. وهو يبني المساجد والمراكز الثقافية للمسلمين المهاجرين في الدول المسيحية، بما في ذلك روما عاصمة المسيحية.. فكيف لنا ألا نرى في ذلك برنامجًا للتوسع، وفتحًا جديدًا؟! (٦).
إذن - فنحن لسنا بإزاء عداء فردي لبابا جديد، يمثل تيار الأصولية الكاثوليكية وتراث محاكم التفتيش.. ومواقف الصليبية القديمة من الإسلام والمسلمين.. وإنما -مع ذلك، وفوق ذلك- أمام تيار قائد في مؤسسة كنسية هي كبرى مؤسسات المسيحية الغربية.. تحمل ذات العداء للإسلام.. وتروج للتخويف منه باعتباره يفتح أوروبا فتحًا إسلاميًّا جديدًا.. ويهدد بتحويل أوروبا إلى جزء من دار الإسلام في هذا القرن الذي نعيش فيه!
أما عن محاضرة البابا بنديكتوس السادس عشر التي مثلت أحدث فصول الإساءات للإسلام -ولن تكون آخر هذه الفصول - فلقد تناول الرجل فيها أربع نقاط:
1- الافتراء على رب العالمين وإله المسلمين.. وذلك في معرض حديثه عن علاقة الإيمان بالعقل.. إذ ادعى أن الإيمان المسيحي عقلاني.. بينما المشيئة الإلهية لإله المسلمين متسامية لا علاقة لها بالعقل ولا بالمنطق!! الأمر الذي يجعل الإيمان الإسلامي بإله المسلمين إيمانًا وثنيًّا أعمى!!
2- والافتراء على رسول الإسلام محمد ﷺ وذلك عندما استشهد بعبارة الإمبراطور البيزنطي مانويل الثاني (1391 - 1425م) التي زعم فيها أن محمدًا لم يأت إلا بما هو سيئ وشرير ولا إنساني ومن ذلك أمره نشر دينه بالسيف.
3- وخلطه بين الجهاد الإسلامي وبين الحرب المقدسة التي عرفتها ومارستها النصرانية الغربية لعدة قرون، ومن ثم ادعاؤه أن الدين الإسلامي والإيمان به إنما يؤسس لممارسة العنف والإرهاب ضد الآخرين.
4- والافتراء على القرآن الكريم ووصف آياته بأنها «تعليمات أوامر اللئام التي أثبتت في القرآن»!!
ولما كنا قد سبق وكتبنا الكتب والدراسات في الرد على جميع هذه الافتراءات والشبهات (7)... فإننا - مراعاة للمقام.. وعدم التكرار - سنقدم في الأعداد القادمة نقاطًا موجزة تدحض هذه الافتراءات.
وفيما يتعلق بمقام العقل في الإيمان الإسلامي، وفي الفكر الإسلامي.. فلقد تجاهل عظيم الفاتيكان الذي درس الفلسفة ودرسها، أن الله سبحانه وتعالى في الإيمان الإسلامي.. من أسمائه «الحكيم».. وأنه هو «العزيز الحكيم» و«العليم الحكيم»... وأنه هو الذي أنزل الكتاب والحكمة... وأنه - سبحانه وتعالى- إنما بعث رسوله محمدًا ليعلم الناس الكتاب والحكمة... وحتى نساء النبي ﷺ أشار القرآن الكريم إلى ما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة... وأن من يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا... ﴿قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ (البقرة: 32)، ﴿رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ (البقرة: 129)، ﴿فَإِن زَلَلۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡكُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة: 209)، ﴿هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ (الجمعة: 2)، ﴿وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ﴾ (النساء: 113)، ﴿وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡحِكۡمَةِ﴾ (البقرة: 231)، ﴿وَٱذۡكُرۡنَ مَا يُتۡلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱلۡحِكۡمَةِۚ﴾ (الأحزاب: 34)، ﴿مَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ﴾ (البقرة: 269).
ولقد ورد في القرآن الكريم وصف الذات الإلهية في مائة آية من آيات هذا القرآن.. كما وردت فيه الآيات التي تتحدث عن العقل والتعقل في 49 آية ..
وعن القلب، كأداة للتعقل في 132 آية... وعن الفقه، بمعنى الوعي العقلي في 20 آية ...
وعن الحكمة في 19 آية...
وعن التفكير في 18 آية ...
وعن اللب، بمعنى العقل والجوهر الإنساني، في 16 آية...
وعن الاعتبار بمعنى التعقل، في 7 آيات..
وعن التدبر في 4 آيات...
وعن النهى بمعنى العقل في آيتين.
أي أن القرآن الكريم - الذي هو معجزة عقلية تستنفر العقل للتعقل ولا تدهشه كالمعجزات المادية، فتشله عن العمل- قد جاء فيه الحديث عن العقل والحكمة فيما يقرب من ثلاثمائة آية.. وذلك فضلاً عن مائة آية ورد فيها -بالنص- وصف «الحكيم» كواحد من أسماء الله الحسنى.
بل لقد جعل القرآن الكريم تنكب العقلانية والتعقل السبيل إلى جهنم والعياذ بالله ﴿وَقَالُواْ لَوۡ كُنَّا نَسۡمَعُ أَوۡ نَعۡقِلُ مَا كُنَّا فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ * فَٱعۡتَرَفُواْ بِذَنۢبِهِمۡ فَسُحۡقٗا لِّأَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ﴾ (الملك: 10، 11).
ثم.. ألم يسمع عظيم الفاتيكان أن رسول الله ﷺ قد قال: «العقل أصل ديني».
وقال: «عليكم بالقرآن، فإنه فهم العقل، ونور الحكمة، وينابيع العلم، وأحدث الكتب بالرحمن عهدًا» (رواه الدارمي).
وألم يقرأ لابن رشد (520 - 595هـ 1126 - 1198م) -الذي أخرجت عقلانيته الإسلامية أوروبا من خرافات اللاهوت الكنسي - كيف جعل دليل «العناية والرعاية» وهو قمة الحكمة والعقلانية - دليلاً على وجود الله - سبحانه وتعالى- وكيف أعلن أن «الحكمة» هي الأخت الرضيعة «الشريعة الإسلام»؟
وألم يسمع - عظيم الفاتيكان- عن المعتزلة والتيار العقلاني في الفكر الإسلامي والفلسفة الإسلامية الذين تجاوروا ما اتفق عليه غيرهم من المسلمين من أن الله -سبحانه وتعالى- لا يجوز عليه ولا يليق به - لفرط الحكمة المطلقة في مشيئته وفعله - إلا فعل الصلاح والأصلح.. تجاوز المعتزلة ذلك فأوجبوه على الله!!
ولقد استندوا في ذلك إلى فهمهم للقرآن الكريم الذي جاء فيه أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ﴾ (الأنعام: 12).
وألم يقرأ عظيم الفاتيكان ما كتبه حجة الإسلام أبو حامد الغزالي (450- 505 هـ 1058- 1111م) -وهو أستاذ للعديد من الفلاسفة والقديسيين المسيحيين- عن العلاقة العضوية بين العقلانية وبين الشرع والقرآن في الإسلام.. وكيف شبه العقل بنور البصر والشرع بنور الشمس وضيائها... ومن ثم حكم بأنه لا قيمة لأي منهما إذا انقطع عن الآخر؟! وقال:
«إنه لا معاندة بين الشرع المنقول والحق المعقول.. فمثال العقل البصر السليم من الآفات والآذاء، ومثال القرآن: الشمس المنتشرة الضياء والمستغني بأحدهما عن الآخر، إنما يكون في غمار الأغبياء، فالمعرض عن العقل، مكتفيا بنور القرآن، مثاله المتعرض لنور الشمس مغمضًا للأجفان فلا فرق بينه وبين العميان فالعقل مع الشرع نور على نور ... (8).. وأنى يستتب الرشاد لمن يقنع بتقليد الأثر والخبر وينكر البحث والنظر؟ أو لا يعلم أنه لا مستند للشرع إلا قول سيد البشر صلى الله عليه وسلم وبرهان العقل هو الذي عرف به صدقه فيما أخبر؟
إن العقل أولى باسم النور من العين بل بينهما من التفاوت ما يصح أن يقال معه إنه أولى، بل الحق أنه يستحق الاسم دونها (9)، وعند إشراق نور الحكمة يعتبر الإنسان مبصرًا بالفعل بعد أن كان مبصرًا بالقوة، إذ به يتم الإبصار، فبالحري أن يسمى القرآن نورًا كما يسمى نور الشمس نورًا؛ فمثال القرآن: نور الشمس، ومثال العقل نور العين. وبهذا يفهم معنى قوله تعالى: ﴿فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلنُّورِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلۡنَاۚ﴾ (التغابن: 8)، وما قضى العقل باستحالته، فيجب فيه تأويل ما ورد السمع به، ولا يتصور أن يشمل السمع على قاطع مخالف للمعقول (10). والوحي الإلهي والشرع الحق لا يرد بما ينبو عنه العقل (11).. فلهذا كان رأس مال كل السعادات العقل» (12).
وقول الغزالي –كذلك- في شرح الآية: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ﴾ (الإسراء: 70) «.... فكان من أعظم ما شرفه به الله وكرمه العقل الذي تنبه به على البهيمة، وألحقه بسببه بعالم الملائكة حتى تأهل به المعرفة باريه ومبدعه بالنظر في مخلوقاته والاستدلال به على معرفة صفاته بما أودعه في نفسه من حكمة» (13).
وألم يعلم -عظيم الفاتيكان- أن الإسلام قد جعل الشك المنهجي، علمًا.. وأوجب تعلمه؛ لأنه هو الطريق إلى اليقين.. حتى قال الجاحظ (163 - 255هـ - 780- 869).
«فاعرف مواضع الشك، وحالاتها الموجبة له، لتعرف بها مواضع اليقين والحالات الموجبة له، وتعلم الشك في المشكوك فيه تعلمًا، فلو لم يكن في ذلك إلا تعرف التوقف، ثم التثبت، لقد كان ذلك مما يحتاج إليه... فلم يكن يقين قط حتى كان قبله شك، ولم ينتقل أحد عن اعتقاد إلى اعتقاد غيره حتى يكون بينهما حال شك فلا تذهب إلى ما تريك العين، واذهب إلى ما يريك العقل، وللأمور حكمان ظاهر للحواس، وحكم باطن للعقول والعقل هو الحجة» (14).
وقول الماوردي (364 - 450 هـ 974 - 1058م):
«إن السبب المؤدي إلى معرفة الأصول الشرعية والعمل بها شيئان أحدهما: علم الحس، وهو العقل؛ لأن حجج العقل أصل لمعرفة الأصول، إذ ليس تعرف الأصول إلا بحجج العقول. وثانيها: معرفة لسان العرب، وهو معتبر في حجج السمع خاصة...» (15).
وقول القرافي - أحمد بن إدريس (684 هـ - 1285م):
«والقاعدة المعلومة أن الشرع لا يرد بخلاف العقل، بل جميع واردات الشرائع يجب انحصارها فيما يجوزه العقل وجودًا وعدما، فيرد الشرع بترجيح أحد طرفيه، وجوده أو عدمه أو يسوي بينهما، وهو الإباحة» (16).
وقول القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني (415 هـ - 1024م):
«إن الأدلة، أولها: دلالة العقل؛ لأن به يميز بين الحسن والقبيح، ولأن به يعرف أن الكتاب حجة، وكذلك السنة والإجماع. ولربما تعجب من هذا الترتيب بعضهم فيظن أن الأدلة هي: الكتاب والسنة والإجماع، فقط. أو يظن أن العقل إذا كان يدل على أمور فهو مؤخر، وليس كذلك؛ لأن الله تعالى لم يخاطب إلا أهل العقل، ولأنه به يعرف أن الكتاب حجة، وكذلك السنة والإجماع، فهو أصل في هذا الباب، وإن كنا نقول: إن الكتاب هو الأصل من حيث إن فيه التنبيه على ما في العقول كما أن فيه الأدلة على الأحكام. وبالعقل يميز بين أحكام الأفعال وبين أحكام الفاعلين، ولولاه لما عرفنا من يؤاخذ بما يتركه أو بما يأتيه، ومن يحمد ومن يذم، ولذلك تزول المؤاخذة عمن لا عقل له. ومتى عرفنا بالعقل إلها منفردًا بالإلهية، وعرفناه حكيمًا نعلم في كتابه أنه دلالة، ومتى عرفناه مرسلاً للرسول، ومميزًا له بالأعلام المعجزة من الكاذبين، علمنا أن قول الرسول حجة. وإذا قال: «لا تجتمع أمتي على خطأ.. وعليكم بالجماعة».... علمنا أن الإجماع حجة» (17).
وإذا كان بابا الفاتيكان قد جعل موضوع محاضرته عن علاقة الإيمان بالعقل .. فكيف جهل أن فلاسفة الإسلام، ومنهم أبو علي الجبائي (235 - 304هـ - 849- 916م) - قد قالوا: «إن الواجب الأول على الإنسان هو النظر».
بل وقال الفيلسوف أبوهاشم الجبائي (247 - 321هـ - 861 - 933م): «إن الواجب الأول على الإنسان هو الشك» (18).... وذلك انطلاقًا من التأصيل القرآني المنهاج الشك المنهجي: ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِي كَيۡفَ تُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ قَالَ أَوَلَمۡ تُؤۡمِنۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطۡمَئِنَّ قَلۡبِيۖ) (البقرة: 260).
وحتى شيخ الإسلام، وإمام السلفية ابن تيمية (661 - 728هـ - 1263 - 1328م) الذي جعل عنوان كتابه: «درء تعارض صريح المعقول مع صحيح المنقول»: رأيناه يعلن: «أن الحنفية وكثيرًا من المالكية والشافعية والحنبلية يقولون بتحسين العقل وتقبيحه، وهو قول الكرامية والمعتزلة وهو قول أكثر الطوائف من المسلمين» (19).
أي أن أغلب تيارات الفكر الإسلامي -الفلسفية والفقهية- تجعل العقل مرجعية للتحسين والتقبيح.
الهوامش:
(1) انظر كتابنا «في فقه الصراع على القدس وفلسطين» ص 21 - 25، طبعة القاهرة سنة 2005م
(2) رفاعة الطهطاوي (الأعمال الكاملة) ج 12 ص 219، دراسة وتحقيق د. محمد عمارة طبعة بيروت سنة 1973م.
(3) انظر كتابنا: «الغرب والإسلام افتراءات لها تاريخ» ص 35-63 طبعة القاهرة، سنة 2006م.
(4) الجبرتي: «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» جـ5 ص 136 ، طبعة القاهرة سنة 1965م).
(5) (صحيفة الشرق الأوسط) في 1/10/1999م، وهي تنقل عن (الفيجارو) الفرنسية.
(6) صحيفة الشرق الأوسط، في 30/10/1999م.
(7) انظر كتبنا: «الإسلام في عيون غربية» طبعة القاهرة سنة 2004م، و«الإسلام والآخرة» طبعة القاهرة سنة 2001م، و«الغرب والإسلام: أين الخطأ وأين الصواب؟» طبعة القاهرة سنة 2004م، و«في فقه الصراع على القدس وفلسطين» طبعة القاهرة سنة 2005م، و«شبهات حول الإسلام» طبعة القاهرة 2002م و«شبهات حول القرآن الكريم» طبعة القاهرة سنة 2003م، و«الغرب والإسلام افتراءات لها تاریخ» طبعة القاهرة سنة 2006م، و«الإسلام وتحديات العصر» طبعة القاهرة سنة 2004م، و«الإسلام والحرب الدينية» طبعة القاهرة سنة 2004، و«الإسلام والأقليات» طبعة القاهرة سنة 2003م، و«السماحة الإسلامية» طبعة القاهرة سنة 2006م، و«حقيقة الجهاد والقتال والإرهاب» طبعة القاهرة سنة 2005م، و«الموقف من الديانات الأخرى» طبعة القاهرة سنة 2005م، و«الموقف من الحضارات الأخرى» طبعة القاهرة سنة 2005م، و«أكذوبة الاضطهاد الديني في مصر» طبعة القاهرة سنة 2000م، و«في المسألة القبطية.. حقائق وأوهام»، طبعة القاهرة سنة 2001م، و«في فقه المواجهة بين الغرب والإسلام» طبعة القاهرة سنة 2003م.
(8) حجة الإسلام الغزالي «الاقتصاد في الاعتقاد»، ص 2، 3، طبعة مكتبة صبيح القاهرة بدون تاريخ.
(9) الغزالي «مشكاة الأنوار»، ص 36، طبعة القاهرة، سنة 1907م.
(10) «الاقتصاد في الاعتقاد»، ص 2، 3، 122.
(11) الغزالي «المضنون به على غير أهله»، ص 318 طبعة القاهرة . ضمن «مجموعة القصور العوالي من رسائل الإمام الغزالي» مكتبة الجندي بدون تاريخ.
(12) الغزالي «رسالة الغزالي إلى ملكشاه» ص 69 - طبعة القاهرة سنة 1907م.
(13) الغزالي «أسرار المخلوقات»، ص 77 طبعة تونس سنة 1990م.
(14) الجاحظ «الحيوان»، ج 1، ص 35 – 37 ج 1، ص 202، تحقيق: عبد السلام هارون طبعة القاهرة الثانية.
(15) الماوردي «أدب القاضي»، ج 1 ص 274، 275، طبعة بغداد سنة 1971م.
(16) القرافي «كتاب الأمنية في إدراك النية» ص 523.
(17) القاضي عبد الجبار «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة» ص 127، تحقيق فؤاد سيد طبعة تونس سنة 1972م.
(18) د. علي فهمي خشيم «الجبائيان أبو علي وأبوهاشم» ص 323، طبعة طرابلس ليبيا سنة 1968م.
(19) ابن تيمية «الفتاوى»، ج 8، ص 428 ، 433.